لمياء الكيلاني تغادر قبل إكمال المشروع

حميد الكفائي |

أول لقاء جمعني بالدكتورة لمياء الكيلاني، عالمة الآثار العراقية التي رحلت قبل أيام، كان أواسط التسعينيات عندما ألقت محاضرة عن الآثار العراقية في ديوان الكوفة في لندن، تحدثت فيها عن تهريب الآثار من العراق وبيعها في الخارج وكيف يمكن العراق استعادتها حتى بعد بيعها لأنه ليس لأحد حق بيعها. وبعد أن أكلمت محاضرتها، ناقشتها في مسألة التهريب التي كنت أعتقد بأنها كانت منظمة وتجري بموافقة متنفذين في النظام العراقي، فهكذا قرأت في تقارير نشرتها صحف أجنبية رصينة. رفضت لمياء فكرة قيام النظام نفسه بتهريب الآثار وقالت إن هذا غير ممكن وشرحت الأسباب. أخبرتها بأن لدي دليلا على تورط النظام في التهريب، فطلبت أن تراه وأعطتني رقم الفاكس كي ارسله، وفعلا أرسلت لها تقرير جريدة الهيرالد تربيون ومازلت احتفظ به مختوما بختم الفاكس.


ظننت حينها بأن لمياء تدافع عن النظام ولا ترغب في إدانته، ولكن عندما تحدثت مع صديقتنا المشتركة، ميسون الدملوجي، أخبرتني بأن لمياء تخشى أن تتكلم ضد النظام لأنها دائمة التردد على العراق وهي لا تتوقف عن ذلك حتى في أحلك الظروف لأنها تريد التواصل مع المتاحف العراقية والمدن الأثرية، ولن تدع أي شيء يمنعها من زيارة العراق، فحياتها كلها مبنية على الآثار وحضارات العراق. وأضافت الدملوجي «لمياء لا تقل عنك حماسة لإسقاط النظام، لكنها لن تفرِّط بعلاقتها الحميمة بالآثار العراقية».

وبعد سنوات على تلك المحاضرة، وقبيل سقوط صدام حسين بأيام، دعتني «بي بي سي» للحديث عن احتمالات التغيير المقبل في العراق فلبيت الدعوة. وعند وصولي إلى مبنى بوش هاوس وجدت القاعة ممتلئة بالصحفيين والممحررين من منتسبي أقسام «بي بي سي». ووجدت أيضا محاضرا آخر دُعي لمشاركتي المنصة، وذاك المحاضر كان لمياء الكيلاني. تحدثت أنا بلغة الأحلام وكيف يجب أن يكون عليه العراق كما تخيلته، بل توهمت بأن النظام كان العقبة الوحيدة في طريق تقدم العراق، «وعندما تزول فإن العراق سيصبح دولة قوية متماسكة ومتطورة خلال سنين قلائل». كانت لمياء تبتسم كلما تحدثت بأحلامي، أو بالأحرى بأوهامي، عن العراق. أخيرا تحدثت لمياء وقالت سأحدثكم بما لم يتحدث به صديقي حميد الذي اختلف كثيرا معه في هذه المواضيع علما أنني أتمنى من أعماقي أن يتحقق ما قاله، فأنا اريد العراق أن يكون كما يريده صديقي ولكن الأحلام تختلف عن الواقع.

تحدثت لمياء بالواقع وقالت إن العراق يعاني من إنقسامات مجتمعية وثقافية ودينية حادة، والمرحلة المقبلة خطيرة والتأريخ ينبئنا بأن هناك أرضية خصبة للحروب والاقتتال بين مكونات المجتمع، وأن العائق أمام هذا الاقتتال «الأخوي» كان نظام صدام الصارم. أما وقد زال الآن، فإنه لم يعد هناك من عائق يمنع الناس الغاضبين من بعضهم بعضا من الاقتتال وهذا ما سيحدث في رأيي، وآمل ألا يحدث. وبينما كانت لمياء تتحدث، كنت استشيط غضبا من كلامها وتوقعاتها المتشائمة. وخلال تلك الندوة ظللتُ متمسكا برؤيتي الموغلة في التفاؤل، بينما ظلت لمياء متمسكة بتشاؤمها.

سقط النظام وذهبنا إلى العراق وهناك التقيت لمياء يوم أزيلت تماثيل صدام من واجهة القصر الجمهوري. كنت حينها ضمن طاقم الحكومة الجديدة، وكانت لمياء هي الأخرى مستشارة في وزارة الثقافة. كنت سعيدا بسقوط تماثيل صدام وتمنيت أن تُدمَّر فورا، لكن لمياء كانت تصر على الاحتفاظ بها. فعدنا أنا وإياها إلى جدلنا القديم. سألتها لماذا نتمسك بذاكرة سيئة وتماثيل تذكرنا بمجرم؟ قالت انت لا تدرك أهمية هذه التماثيل الآن لأنك غاضب من أفعال صاحبها، لكن الأجيال المقبلة تريد منا أن نترك لها أثرا عن هذه المرحلة وهذا من حقها، وكما ترك لنا الأولون آثارهم، فإن علينا أن نحفظ آثار هذه الحقبة وإن كانت مريرة. وأضافت «هذا التمثال عديم القيمة الآن، لكن قيمته لا تقدر بثمن بالنسبة للأجيال المقبلة». لم تقنعني لمياء حينها وبالتأكيد لم أقنعها.

بقيت التقي لمياء في المناسبات الثقافية والمؤتمرات الدولية، وبمرور الزمن تأثرت بشخصيتها الهادئة المحببة وبدأت أقترب من رؤاها الثقافية وعثرت في مكتبتي على كتاب «أول العرب» الذي ألفته مع المفكر سالم الآلوسي، ولم أكن قرأته حينها. أخذت لمياء تدعوني إلى الجلسات الثقافية الاجتماعية التي التي تعقدها في منزلها شمالي لندن، وهناك التقيت شخصيات ثقافية سامقة منها عباس الكليدار ورفعة الجادرجي وآخرون من قوميات وثقافات مختلفة.

جمعت لمياء صفات إنسانية نادرة. فقد كانت عالمة بحق في الحضارات العراقية والتراث الإنساني عامة، وتمتعت بثقافة عالية وتعليم متميز، إذ حصلت على أعلى الشهادات من ثلاث جامعات بريطانية مرموقة هي لندن وأدنبرة وكامبريدج، وعاصرت طه باقر، أهم عالم آثار عراقي، وتتلمذت على يديه وعملت معه. وعلى رغم إنشغالها، كانت تحب الإختلاط بالناس من كل القوميات والمستويات الثقافية، تقيم الولائم لهم في بيتها وتعد الطعام لضيوفها بنفسها.

تنتمي لمياء لأسرة دينية بغدادية معرووفة تتحدر من الشيخ عبد القادر الكيلاني، إمام الطريقة القادرية، وكان أجدادها نقباء الأشراف وزعماء الطائفة السنية، وقد ترأس أحدهم، عبد الرحمن النقيب، أول حكومة في العراق المعاصر. أخبرتني لمياء بأن زعيم الطائفة الشيعية آنذاك، أبو الحسن الأصفهاني، كان يقيم في منزل عائلتها عند زيارته بغداد، وهو مؤشر على التفاهم والتعايش بين الطائفتين السائد آنذاك. لكنها، مع هذه الخلفية العلمية والدينية والاجتماعية المرموقة، عاشت حياة مدنية متواضعة مع زوجها الأردني، جورج الوِر، الذي سبقها إلى العالم الآخر.

تمتعت لمياء بعلاقات وطيدة مع المؤسسات الآثارية الغربية وبفضلها أصبحت الوفود العراقية الآثارية تستقبل بحفاوة في العواصم الغربية ويحصل معها تعاون مثمر ساهم بشكل فاعل في رصد الآثار العراقية المسروقة واستعادتها. نجحت في ربط المتاحف العراقية بالمؤسسات الغربية ولفت انتباه العلماء الغربيين لأهمية العراق التأريخية. أسست جمعية أصدقاء متحف البصرة الحضاري وعملت مع المتحف البريطاني على انتقاء القطع الأثرية المناسبة لعرضها فيه. آخر مشروع اضطلعت به وداهمها الموت قبل إكماله كان تأليف كتاب عن المتحف العراقي، وقد استضافها متحف متروبوليتان في نيويورك لسنة كاملة من أجل إجراء هذا البحث.

كان رحيل لمياء المفاجئ صادما للأوساط العلمية والثقافية والاجتماعية العالمية. على المستوى العلمي، فقد العراق والعالم باحثة متمرسة وعالمة متميزة كرست حياتها للبحث العلمي المجرد من الأهواء. وعلى المستوى الاجتماعي، فقدت العائلة الكيلانية أهم رموزها ووارثة مجدها ومديرة أوقافها المعتمدة. وعلى المستوى الثقافي، فقدت الأسرة الثقافية العراقية شخصية محبوبة ورصينة ومتواضعة ومتوازنة وفاعلة. المكانة العلمية والاجتماعية والثقافية التي بلغتها لمياء صعبة المنال، ولا أتوقع أن أحدا يمكنه أن يملأ الفراغ الذي خلّفته.

* كاتب عراقي.