«عقدة الخواجة»... الجمهور في مصيدة الخداع الشامل

القاهرة - محمد بركة |

يتلقى الجمهور عادة حزمة من الرسائل التي يبعث بها صناع عمل فني ما، فيتخذ قراره بدخول دور العرض من عدمه. والمهم أن هذه الرسائل تشكل ملامح توقعات المتلقي حول طبيعة العمل وتصنيفه وأجوائه. مع فيلم «عقدة الخواجة» ثمة مفاجأة صغيرة في انتظارك: كل ما تلقيته من رسائل وإشارات ستكتشف لاحقاً أنها تحمل مضموناً مضللاً، فتوقعاتك المشروعة والمبنية على أسس موضوعية لا علاقة لها بما حدث بنهاية الأمر. بعبارة أخرى: لقد تعرضت لعملية خداع شامل، أو بالتعبير العسكري خداع استراتيجي كامل الأوصاف.


البداية من الاسم نفسه والذي يرفع سقف التوقعات، فتتطلع إلى عمل يناقش قضية تفضيل كل ما هو أجنبي وله علاقة بالغرب حتى لو كان سيئاً في مقابل تحقير كل ما هو مصري عربي حتى لو كان رائعاً، أي الهزيمة الحضارية في أسوأ تجلياتها، وهو ما يعبر عنه هذا الاصطلاح الشعبي الجامع المانع «عقدة الخواجة». في الفيلم لا يوجد شيء يمت بصلة لذلك من قريب أو بعيد، فثمة شاب يدعى «فارس الخواجة»، يلعب شخصيته حسن الرداد، يقع في غرام فتاة حسناء ثرية تجسد شخصيتها هنا الزاهد، وبالطبع هناك العصابة وزعيمها الذين يختطفون «الخواجة» ليضعوه في مأزق و»عقدة» يحاول حلها. على أية حال، هذه لم تكن المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة في ما يبدو، التي تشهر فيها السينما المصرية سلاحها الأثير بوجوهنا: التلاعب بالألفاظ. شوهد ذلك في أفلام من نوعية «حظ سعيد»، حيث البطل اسمه سعيد و»ظرف طارئ» حيث الشخصية الرئيسة هي طارق الذي ينطقه المصريون بالهمزة بدلاً من القاف، بل إن تلك اللعبة استهوت صناع الدراما التلفزيونية فظهر على سبيل المثال «لقاء على الهوا» فإذا بالبطلة هي التي تدعى لقاء.

عبر الملصق والمقطع الترويجي للفيلم وتصريحات صناعه لوسائل الإعلام، نتأكد تماماً أننا بصدد عمل يمزج الأكشن بالكوميديا مع خط رومانسي قوي، والنتيجة بعد المشاهدة مخيبة تماماً. أهدر السيناريو الكثير من الوقت قبل أن يصل لمشاهد الحركة التي سبق وراهن عليها في التسويق. «فارس الخواجة» مختطف من قبل عنصري العصابة، ملامحهما مرسومة بشكل غاية في التقليدية، فهما يتمتعان بالقوة البدنية والضخامة وتتدلى السلاسل الضخمة من أعناقهما، إضافة إلى الرأس اللامعة التي يصر عليها صناع الأفلام فمن دونها لا يمكن مطلقاً الاعتراف بك عضواً فاعلاً في عالم الإجرام. هما مكلفان بتنفيذ تعليمات زعيم العصابة (جسد دوره ماجد المصري)، الذي يبدو هو الآخر محملاً بكل المواصفات النمطية للمجرم كما سبق ورأيناها حرفياً عشرات المرات: فيلا فخمة وسيجار وأفعى تتمدد على ذراعيه وأسد مخيف يزأر في غرفة مجاورة بهدف الضغط على الخواجه كي يقبل التعاون مع العصابة في الابتزاز المالي لرجل الأعمال الثري والمرشح للرئاسة (يجسد دوره حسن حسني). على مستوى الكم، لم تزد مشاهد الحركة على مشهدين جاءا عاديين جداً. تطارد العصابة البطل المغلوب على أمره. ورغم أن مخرج العمل بيتر ميمي بدا واعداً في سينما الأكشن عبر تجربته في فيلم «حرب كرموز» التي كانت بمثابة بطاقة تعارف قوية بينه وبين الجمهور، فإن مطاردة السيارات هنا لم تأت مثيرة أبداً، فكل ما فيها متوقع ويحفظه المشاهد المجرب عن ظهر قلب: شوارع ضيقة وعربات خشبية تحمل فاكهة وخضار تنقلب وبراميل مليئة بالمياه تتفجر تباعاً بالتصوير البطيء وصرخات للبطلة بجوار البطل ثم هروب من المطاردين بضربة حظ.

يتولد الاندهاش عند معرفة أن مؤلفي الفيلم هما اثنان من فرسان ما يسمي بـ «المضحكين الجدد» بمصر، فالسيناريو الذي كتبه هشام ماجد وشيكو صاحبا التجارب المشتركة الناجحة في التمثيل، لم يحتو على مساحة حقيقية للضحك رغم وجود بعض المواقف التي كان يمكن استثمارها في تفجير مفارقات صارخة وبينها العزف على وتر الحرمان الجنسي لعنصري العصابة وخداعهما من جانب «الخواجه» الذي وعدهما بوليمة نسائية فاخرة، وفي النهاية فر هارباً، لتأكلهما نار الحسرة والندم والرغبة العارمة في الانتقام. الخط الرومانسي لم يكن أفضل حالاً. فالفنانة هنا الزاهد بدا أداؤها خالياً من الانفعال الحقيقي أو التعبير المقنع لفتاة وقعت في غرام شاب ضائع، تفصلها عنه عشرات الحواجز مادياً واجتماعياً وثقافياً، فيما بدا حسن الرداد مشتتاً مرتبكاً لا يعرف على ماذا يركز وفي أي المناطق يكثف مجهوده، والنتيجة النهائية أنه لم يكن كوميدياً ولا رومانسياً ولا بطل أكشن!

لطالما كنا نعيب على صناع السينما المصرية تقليدهم الفج للسينما الأميركية في موضوعاتها وشخصياتها وطرقها في الإبهار، لكن ما حدث في عقدة الخواجة كان حقاً مختلفاً. إذ لم يلتفت المؤلفان إلى بريق هوليوود الذي يغشي عيون زملائهما دوماً وقاما بتجميع عدد من المشاهد التي سبق ورأيناها في أفلام مصرية، مثل مشهد اقتحام البطل للحملة الانتخابية لوالد حبيبته والمأخوذ من فيلم «في محطة مصر» لكريم عبدالعزيز، ومشهد غناء البطل الشعبي لأبناء الطبقة الراقية المأخوذ من «البيه البواب» لأحمد زكي. وكأن لسان حال المؤلفين يقول هنا: إذا كانت السينما المصرية ناقلة عن نظيرتها الأميركية، فلماذا نتعب أنفسنا بالذهاب للأصل وتحت أيدينا نسخة محلية متقنة التقليد!