وحيد مخيمر.. رسام وسينمائي تشغله الصورة بكل تجلياتها

وحيد مخيمر.
القاهرة - ياسر سلطان |

وحيد مخيمر، فنان تشكيلي وسينمائي مصري، درس الإخراج في معهد السينما بعد انتهائه من الدراسة في الفنون الجميلة فامتزجت في تجربته الصورة الفنية بالسينمائية. هو فنان يؤمن بالصورة ويثق في قدرتها على التأثير، فالصورة لديه تختصر آلاف الكلمات التي يمكن أن تقال أو تُروى. عمل وحيد مخيمر في مجالات عدة مرتبطة بالصورة، من السينما إلى الإعلانات إلى الفوتوغرافيا والرسم والديجيتال آرت. في السينما أخرج فيلمين روائيين في تسعينيات القرن الماضي، لكنه لم يستطع الانسياق خلف حالة اللهاث التجاري التي اعترت صناعة السينما في ذلك الوقت، فآثر التوقف عن العمل في السينما واحتفظ بنشاطه كفنان تشكيلي وعاشق للصورة بكل تجلياتها الفنية. عن السينما والفوتوغرافيا والفن يتحدث وحيد مخيمر في هذا اللقاء.


يقول مخيمر عن بداية علاقته بالسينما: «علاقتي بالسينما تعود إلى فترة الدراسة في الفنون الجميلة، فأثناء دراستي في الكلية كنت منضماً إلى مجموعة مهتمة بالمسرح. كانت الفنون الجميلة وقتها تضم مجموعة كبيرة من الفنانين من بينهم على الحجار، ومودي الإمام، وحسين الإمام، ومجدي إمام، وهاني المصري، ومصطفى مفتاح، ومحمد العوضي. كنا وقتها نكتب ونخرج عروضنا المسرحية بأنفسنا، لذا فقد اتجهت لدراسة الإخراج والسينما بعد تخرجي في الفنون الجميلة عام 1977 واستمر عملنا إلى ما بعد التخرج. وبعد انتهاء الدراسة في معهد السينما عملت لفترة في صناعة الإعلانات التجارية في التليفزيون المصري.

> إلى أي مدى تشغلك الصورة؟

- دراستي للسينما والفن التشكيلي ولدت لدي ولع خاص بالصورة، أياً كانت هذه الصورة، هي لغة العالم في رأيي وكل ما أدركنا ذلك سنصل إلى مستويات ومجالات أعمق، إذا فطن القائمون على الفن في مصر لذلك، لكنهم بكل أسف محكومون بالشللية والمصالح الخاصة.

> من النادر أن تشارك في معارض تابعة للمؤسسة الرسمية، فلماذا؟

- منذ أول معرض لي بعد التخرج في الفنون الجميلة مباشرة قررت الابتعاد عن العروض المرتبطة بالمؤسسة الثقافية الرسمية، فلم أشارك من حينها في أي معارض جماعية أو فردية تابعة للدولة، لما تنطوي عليه من سلبيات كثيرة. عرضت أعمالي بشكل فردي قبل أن يفكر أي فنان من جيلي يفكر في الإقدام على هذه الخطوة، مثل عمر الفيومي، ومحمد عبلة، وصلاح عناني، وآخرين. ويمكن أن أقول أنني كنت أول من يقدم فن الديجيتال آرت في مصر على الإطلاق، مستفيداً من خبرتي في مجال الإعلان والدعاية. وكان آخر معرض أقمته في عام 2014 عن لغة الصورة، وتناولت فيه العلاقة بين الفن التشكيلي والسينما والفوتوغرافيا، وتنوعت الأعمال المشاركة فيه بين الفوتوغرافيا والديجيتال آرت وبين أعمال التصوير الزيتي.

> كيف استفدت من دراسة السينما والفن التشكيلي معاً، على مستوى التجربة الفنية؟

- أفادتني السينما في عملي كثيراً، فمن طريقها تعرفت على طبيعة الصورة وتكوينها وتاريخها, وفي الفنون الجميلة استفدت من أساتذة كبار كالفنان حسني البناني وعز الدين حمودة وعبد العزيز درويش وحامد ندا، وغيرهم من رواد الفن المصري الحديث. حين التحقت بمعهد السينما تعرفت على شريف عرفة وسعيد حامد، وكانوا حينها طلبة أصغر مني. كنت أول من لفت نظر هؤلاء إلى أهمية الفنون الجميلة، وهم الآن في رأيي أهم مخرجين على الساحة السينمائية في مصر، فقد كانوا بحكم الزمالة يأتون لزيارتي في المرسم، وتعرفوا من خلالي على عالم الفن التشكيلي فأدركوا أهمية الصورة وجمالياتها مبكراً.

> للفنان وحيد مخيمر علاقة وثيقة بالصورة الفوتوغرافية، فهو يمارس الفوتوغرافيا بانتظام، لكنه مع ذلك لا يعتبر نفسه مصوراً فوتوغرافياً، فلماذا؟

- أنا بالفعل لا أعتبر نفسي مصوراً فوتوغرافياً، أنا فقط أسجل مشاهداتي للأشياء والأماكن، وهو أمر اكتسبته من العمل في مجال السينما، فعند البحث عن أماكن للتصوير نستعين في البداية بالصورة الفوتوغرافية. التصوير الفوتوغرافي عرفني على أحداث وأماكن لم أكن أعلم عنها شيئاً. من بين هذه الأحداث على سبيل المثال مهرجان «المرماح» والذي مثل موضوعاً لأحدث المعارض الفوتوغرافية التي قمت بتنظيمها، وشارك فيه عدد من المصورين الفوتوغرافيين.

> ما هو المرماح؟

- المرماح هو نوع من السباق والتنافس بين الخيول والقبائل، وهو حدث كبير وهام يتكرر في كل قرية أو مدينة في الجنوب، لكنه بكل أسف غير مرصود على الخارطة الثقافية الرسمية في مصر، ولا يعرف عنه الكثيرون شيئاً. تعرفت عليه أول مرة حين كنت مدعواً مع مجموعة فنانين في مناسبة ثقافية في مدينة دندرة بالقرب من محافظة قنا في جنوب مصر، وهناك تعرفت لأول مرة على ذلك الحدث الذي ينظم في مدن جنوب الصعيد وتتوارثه الأجيال منذ مئات السنين. وهو حدث مرتبط بالمناسبات الدينية كالموالد، واعتقد أنه موجود من قرون عديدة، وفيه تتنافس القبائل في مجال الفروسية وسباق الخيول. وتمتد ساحة التباري أحياناً إلى أربعة أو خمسة كيلو مترات. في هذا السباق يجب أن تتوفر في الحصان القوة والتناسق والقدرة على المناورة والتمتع بساقين قويتين. ولقد شاهدت بنفسي صور مرسومة على جدران معبد الرامسيوم لفرسان ممسكين بعصاة تشبه تلك التي يستخدمها الفرسان في سباق المرماح. كان يهمني ترجمة هذا الحدث فوتوغرفيا للفت انتباه المسئولين عن التراث من أجل السعي لتوثيق هذه الفعالية ضمن فعاليات التراث العالمي، وخاطبت بالفعل بعض المسئولين لكنهم لم يهتموا بالأمر.

> لك تجربتين في مجال الإخراج السينمائي في تسعينيات القرن الماضي، فما الذي دعاك للتوقف عن هذا المسار؟

- عرض لي أول فيلم روائي عام 1992 وهو فيلم «الفاس في الراس»، وهو بطولة عزت العلايلي وليلى علوي وعبلة كامل وعبد الله محمود ولطفي لبيب ووائل نور ومجموعة كبيرة من الفنانين. ثم تبعه فيلم آخر تحت عنوان «الشريك» بطولة محمود حميدة ولوسي ومحمود الجندي وجيهان فاضل ولطفي لبيب. ثم حدث بعدها أن طغت أجواء المقاولات وتقلصت مساحة الإنتاج الجاد في فترة التسعينات، فعدت مرة أخرى إلى مجال الإعلان وعملت أيضاً في مجال التسويق البرامجي، وكنت واحداً من مؤسسي شبكة قنوات إيه آر تي. إستمر وجودي في محطة إيه آر تي نحو سبع سنوات، عملت خلالها ما بين منتج منفذ ومخرج وكاتب. ولكن مع عملي في التليفزيون لم أنس الفن التشكيلي بالطبع وكنت حريصاً على إقامة معرض شخصي لأعمالي كل عامين أو ثلاثة، كما خضت في مجال الفوتوغرافيا بهدف مساعدة الأجيال الجديدة في فهم هذا النوع من الفن. نظمت معارض شارك فيها فنانون كبار في مجال الفوتوغرافيا مثل رمسيس مرزوق ومحسن أحمد. ومن وقت لآخر أنظم معرضاً لشباب الفنانين، وكلها معارض تحمل فكرة نابعة من الحياة والبيئة المصرية في الغالب.

> ألم تفكر في العودة للإخراج مرة أخرى؟

- السينما في رأيي تغيرت كثيراً عن ذي قبل، فعلى المستوى التقني أستفادت من التطور الكبير في مجال التكنولوجيا، وعلى مستوى الإنتاج والصناعة أصبح هناك رؤوس أموال ضخمة يتم استثمارها، ولكنها بكل أسف تفتقر إلى الموضوع، فلا يوجد في رأيي الآن تأليف سينمائي، وكثيراً من الأعمال السينمائية منقولة للأسف عن أفلام غير مصرية. إن دور الفن هو أن تخلق وعياً لدى الناس من دون تزييف، ولكن بكل أسف لا يوجد الآن في السينما ما يمس الحقيقة أو يمس حياتنا، فهدف صناع السينما الأول هذه الأيام هو شباك التذاكر. هناك تجارب في السينما المستقلة جيدة، ولكن معظم العاملين في السينما المستقلة أعينهم متعلقة بالسينما الروائية، ويتحين أغلبهم الفرصة للعمل من خلالها.

> وما أسباب هذا التدهور الذي تراه من وجهة نظرك؟

- من ضمن الأسباب أنه ليس هناك خطة أو دعم من الدولة، فلو تولت الدولة إنتاج خمسة أفلام فقط كل عام، ستصبح هذه الأعمال كمرجعية لبقية الأعمال الأخرى. ما أقوله لك ليس ببدعة فأفلام مثل «المذنبون»، و»البوسطجي» و»شىء من الخوف» كلها كانت من إنتاج الدولة على الرغم من أنها كانت ضد السلطة، ولكن وقتها كان يدير مؤسسة السينما أسماء لها شأن، وعلى قدر كبير من الوعي والثقافة مثل سيد بدير ونجيب محفوظ. أنظر إلى الوضع الآن، فلن ترى فيه سوى التردي وسوء الإدارة. كيف لوزير الثقافة على سبيل المثل أن يأتي بشخص ليس له علاقة بالسينما من قريب أو بعيد مثل خالد عبد الجليل، ليعينه في ثلاثة مناصب هامة؟! فهو وكيل أول وزارة لشئون السينما، ومدير الرقابة، ومدير المركز القومي للسينما، وكل منصب من هذه المناصب يحتاج إلى تفرغ وعمل شاق ودؤوب، فكيف يديرها شخص واحد؟.. من أجل كل هذا لا نجد بسهولة فيلماً ذو قيمة يمكن أن يمثلنا في مهرجان دولي. نحن نعيش بكل أسف في أحط وضع ثقافي وفني شهدته مصر، ودور الدولة والقائمين على الثقافة في مصر سبب أساسي في تدهور الفن والسينما. نحن الآن نفتقد إلى القامات الرفيعة، فمن هو حلمي النمنم لكي يتولى وزارة الثقافة مثلاً، وما علاقته بالفن والثقافة أصلاً، هو مجرد كاتب صحافي وليس مبدع أو متخصص.