«الليرة» عم سام يحميها

طارق زيدان |

موضوعان لا ثالث لهما في كل حوار على أرض لبنان. متى تتألف الحكومة الجديدة (السلطة التنفيذية)؟ وهل سينهار سعر صرف الليرة (العملة اللبنانية)؟ الانطباع السائد هو أن الموضوعين مترابطان، إذ إن تأخير ولادة الحكومة يهدد استقرار «الليرة»، كما أن تردي الوضع النقدي يهدد نظام لبنان وولادة الأزمات.


في الشكل هذا صحيح، لكنه يحتاج إلى تدقيق. يكفي استرجاع مسار تدهور العملة اللبنانية في ظل حكومة مكتملة النصاب، كحكومة عمر كرامي في العام 1992، وهي التي سقطت على وقع ثورة الدواليب الشهيرة، وأيضا مع حكومة رشيد كرامي في العام 1985 التي ورثت من حكومة شفيق الوزان «كرة الانهيار» النقدي غداة خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. سقطت حكومة الوزان مع سقوط 17 أيار وحكومة رشيد كرامي باغتياله في العام 1986.

في المقابل، سنجد كيف أن حكومة فؤاد السنيورة المحاصرة في السراي في نهاية العام ٢٠٠٦ ظلت صامدة كما الليرة على رغم الحصار والاستقالات منها، مع العلم أن الوسط التجاري - أيقونة لبنان الطائف، ظل معطلاً حتى أيار 2008 (انعقاد مؤتمر الدوحة). وسنجد أيضا كيف أن حكومات ما بعد انتخابات العام 2009 (حكومات سعد الحريري، نجيب ميقاتي، وتمام سلام) احتاجت للتأليف ما يفوق ما استنفده سعد الحريري حالياً ومن دون أن تترك تأثيراً مباشراً على العملة.

المقصود هو أن استقرار الليرة لا علاقة مباشرة له مع وجود أم غياب الحكومات ورؤساء الجمهوريات وحتى تعطيل المجلس النيابي، وأن غياب الحكومة لا يعني غياب السلطة، بل الاختلاف على السلطة نفسها. وللحقيقة، ثمة علاقة مبهمة بين السلطة والعملة على مر السنين أسهمت في خلق هذا المزاج الشعبي العام بانعدام الثقة والتشويش، فيذهب معظم الناس مدفوعين بالتوتر وغياب الشفافية إلى البحث عن ملاذ آمن للادخار: بالدولار الأميركي أم الليرة اللبنانية، ما يجعل أغلب المتقاعدين اللبنانيين في كل صباح يطمئنون على مدخراتهم مع قهوة «الترويقة».

دوامة عمرها من عمر لبنان الكبير، تبقى العلاقة بين السلطة والعملة تعمل وتنمو في تبادل واضح للمنافع. يسميها البعض بالفساد بينما يحبذ آخرون تسميتها بـ«مافيا الدولة»، وبغض النظر عن التسمية، نحن أمام «فايروس» عالمي وليس لبنانياً فقط، يعاني منه أكثر الدول ديموقراطية في العالم بحسب تقديرات البنك الدولي.

بمعنى آخر، ستظل قضايا لبنانية أساسية محل خلاف: كتعريف المقاومة والإنماء المتوازن والطائفية السياسية وقضية الكهرباء وغيرها، كل ذلك في ظل تأليف حكومات واستقرار للعملة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

حسناً، سيقول البعض أنه لا يمكن القفز فوق قواعد اقتصادية علمية مثل مخاطر صرف العملة ومخاطر التضخم والأهم مخاطر البلد نفسه، وهذا صحيح، وكما وصف رئيس وزراء سابق أن مخاطر البلد أهم بكثير من أي بند آخر عند الاستثمار، وكيف أن الدورة المالية واحدة سواء أودعت مالك بالعملة المحلية أم بالدولار، فعند احتياجك للكاش ستطلب من المصرف تسييل الحساب، المصرف الذي لا نقد لديه.

إضافة إلى ذلك يقف المحب للبنان حائراً أمام أوضاع هذا البلد. من جهة، المجتمع الدولي يريد له الاستقرار، ومن جهة أخرى الوضع الاقتصادي اللبناني مريض، وكل ما يأتي من علاج كمؤتمر باريس وأخواتها وسيدر يعالج العوارض لا المرض نفسه، أو كما وصف أيضا رئيس وزراء سابق أن المصرف المركزي بهندساته المالية يبدو كمن يقوم بوضع المصل لهذا الاقتصاد المصاب.

السؤال الأساس يظل، إلى متى يستطيع المصرف المركزي تحمل تكلفة هذا العلاج؟ وتبقى المسألة الأساس، هل مسموح انهيار لبنان؟

هي معادلة المرجع العلامة السيد محمد حسين فضل الله الذي شرح الدوامة ببلاغة حين قال: «ممنوع التقسيم وممنوع الانهيار وممنوع الاستقرار»، وهو تحديداً ما فطنت إليه السلطة في عهد الرئيس رفيق الحريري حين ظهرت بوادر الخطر على الليرة، يومها انتدب الرئيس رفيق الحريري مستشاره الاقتصادي والمالي باسل فليحان إلى واشنطن. وصل الخبير اللبناني إلى ديار العم سام ليشرح لإدارة الرئيس الأميركي بوش الابن أن مخاطر انهيار الليرة اللبنانية تعرض عملات دول أخرى كمصر وسورية والأردن للخطر، وبالتالي احتمال عدم الاستقرار. أودع الخبير فليحان رسالة السلطة اللبنانية في أذن دوائر القرار الأميركي المعنية لتتحول بعدها إلى فقرة في التقرير الاستراتيجي الرئاسي الذي يقدم صباح كل يوم لساكن البيت الأبيض. لتقرأ الرسالة ويتم أخذ المبادرة تجاهها، وتتقاطر الودائع المالية من الدول الشقيقة والصديقة إلى مصرف لبنان.. فتنتهي مخاطر العملة.

لنصل إلى أن ما يحمي العملة هي السلطة وليس الحكومة، وما يحمي السلطة هو البلد، وهناك قرار ما حتى اللحظة عند المجتمع الدولي بقيادة العم سام ما زال يريد الاستقرار للبنان وعدم تعريض توازنات السلطة لأي اهتزاز. قرار دولي يلحظ مصالح إسرائيل واليونيفل والنازحين وغيرهم.

ولأن لبنان بلد متميز، على قواعد الاقتصاد أن تتكيف مع الصيغة اللبنانية الشهيرة. لا يوجد شيء اسمه ليرة ١٤ آذار وليرة ٨ آذار، ومصرف نظيف ومصرف حلال، هناك مصرف مركزي واحد مهمته دعم الاستقرار المالي تماماً كمهمة الجيش والأمن العام وقوى الأمن.

* مطلع على الشؤون الدولية.

الأكثر قراءة في الرأي