«دافوس» و»الذكاء الاصطناعي» ومستقبل البشرية

وليد محمود عبدالناصر |

يلتئم عقد المنتدى الاقتصادي العالمي المعروف في وسائل الإعلام العالمية باسم «منتدى دافوس»، نظراً لانعقاده بتلك المدينة السويسرية المتميزة، في الأيام الأخيرة من شهر كانون الثاني (يناير) من كل عام، وقد بات «منتدى دافوس»، بالتأكيد وبإجماع الآراء، بمرور العقود والسنوات، من أهم المحافل الدولية السنوية التي تجمع قادة الفكر والسياسة والأعمال والمجتمع والثقافة والإعلام والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والفنون والرياضة في الكثير من بلدان ومناطق العالم، وعادة ما يتناول المنتدى الكثير من الموضوعات المطروحة والمهمة على الساحة العالمية، ولكنه أيضاً عادة ما يقوم بالتركيز في كل دورة على عدد محدود من الموضوعات التي يقدر أنها الأكثر أهمية ونبضاً وحيوية لمستقبل البشرية ومسيرتها نحو التطور.


وقد اختار المنتدى من ضمن الموضوعات التي سوف يركز عليها في دورته لعام 2019 موضوع «الذكاء الاصطناعي» نظراً للعديد من الاعتبارات التي جعلت هذا الموضوع يبرز على رأس الأولويات الأكثر إلحاحاً التي تتناولها وتهتم بها النخب السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والإعلامية والتعليمية في غالبية دول العالم، المتقدمة أو البازغة أو النامية أو الأقل نمواً على حد سواء، خلال الفترة الراهنة، وهو الأمر الذي من المفترض أن يتواصل خلال السنوات والعقود القادمة، بل ومن المتوقع أن نشهد تزايد تلك الحالة باطراد مستمر. ويأتي هذا الاختيار طبيعياً في ضوء أن مؤسس المنتدى ورئيسه التنفيذي الألماني «كلاوس شواب» كان دائماً كثير الاهتمام بالطفرات في مجال البحث العلمي وأشطة التطوير التكنولوجي على الصعيد العالمي بمراحلها المختلفة والمتتالية، وهو الأمر الذي بدا واضحاً عبر الكتاب الذي ألفه ونشره في الفترة الماضية بعنوان «الثورة الصناعية الرابعة»، وتم ترجمته للكثير من لغات العالمن بما في ذلك اللغة العربية.

ومن الصحيح أن موضوع «الذكاء الاصطناعي» ليس بالموضوع الجديد على جدول أعمال النظام العالمي بشكل عام، بل هو موجود ومتداول ومحل للنقاش والجدل حوله منذ عدد ليس بالقليل من السنوات. ولكن السنوات القليلة الماضية شهدت انتقال هذا الموضوع من موضوع يكاد يكون محل اهتمام بشكل حصري على العلماء والباحثين وداخل المختبرات العلمية ومن قبل المعنيين بشؤون البحث العلمي وأنشطة التطوير التكنولوجي بصورة مباشرة إلى موضوع مطروح بإلحاح واهتمام على كافة المستويات وفي كافة المحافل، سواء الوطنية أو شبه الإقليمية أو الإقليمية أو الدولية.

ولا يفوتنا أن نوضح أن التطورات والتفاعلات المرتبطة بموضوع «الذكاء الاصطناعي» لا يمكن تناولها بمعزل عن الوعي بأنها تمثل جزءاً لا يتجزأ من تاريخ مستمر لسلسلة متواصلة من حلقات التحولات النوعية في مسيرة البشرية والتي أدخلها وتسبب فيها بشكل مباشر التقدم المتسارع الحاصل في مجالات البحث العلمي وتطبيقاته منذ انطلاق الثورة الصناعية الأولى منذ قرون، فكل من تلك النقلات النوعية قادت الإنسانية إلى آفاق جديدة وغيرت من أنماط حياتها وسبل معيشتها وهياكل اقتصادياتها وبنية مجتمعاتها ونظمها السياسية وأطرها التشريعية والقانونية ومرجعياتها الفلسفية ومنظوماتها القيمية بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية، بل وربما بصورة غير متوقعة على الإطلاق قبل انطلاق شرارة كل من موجات تلك الثورات الصناعية، وكل منها بدورها أوجدت حالة من عدم التيقن بشأن المستقبل وما سيأتي به من تغييرات ومساس بالثوابت واهتزاز للمسلمات والافتراضات القديمة. وبالتالي فإن تداعيات «الذكاء الاصطناعي» وتطبيقاته ترتبط عضوياً بكل ما سبقها من مراحل وحلقات في نفس المسار في أنها جميعاً نتاج إطلاق طاقات الفكر وإبداعات العقل وابتكارات العلم لدى الإنسان، بشكل فردي وجماعي، إلى آفاق وتطلعات وآمال وأحلام لا تحدها سوي حدود السماء.

ومن كثرة ما صارت المسائل المرتبطة بموضوع «الذكاء الاصطناعي» موضعاً لاهتمام يزداد كل يوم كثافة عما قبله من قبل البلدان والمنظمات الدولية والإقليمية، المتخصصة وغير المتخصصة على حد سواء، فقد باتت مختلف المنظمات الدولية تتنافس لطرح الموضوع في إطاره العام ضمن ولايتها ومجال اختصاصها، وليس ذلك بالأمر المستغرب نظراً لأن الموضوع يزداد حجمه اتساعاً يوماً بعد يوم ويشمل موضوعات فرعية تدخل تحت عباءة ميادين كثيرة تغطيها ولايات منظمات دولية ووكالات دولية متخصصة عديدة، كما بات من الصعب على محفل دولي مؤسسي واحد أن يدفع بأن ولايته تتضمن كافة ما يشتمل عليه العنوان العريض لـ «الذكاء الاصطناعي»، وذلك في ضوء حجم التنوع والتعقيد والاتساع الذي صار عليه اليوم هذا المفهوم.

وضمن الأدبيات العالمية ذات الطابع العلمي في مجال «الذكاء الاصطناعي»، نجد أن هناك حالة اتفاق على أن تطبيقات «الذكاء الاصطناعي» المتوقع تضاعفها في السنوات والعقود القادمة سوف تؤدي في غضون العقود القادمة إلى اختفاء الكثير من الوظائف الموجودة في أسواق العمل العالمية حالياً، ويصل البعض في توقعاته في هذا المقام، المرتكزة على أسس دراسات وبحوث ذات منهاجية علمية وموضوعية، إلى حد افتراض أن أكثر من 65 في المئة من الوظائف الموجودة الآن سوف تختفي من الوجود خلال ثلاثة عقود على الأكثر، أي بحلول عام 2050، بسبب انتشار تطبيقات «الذكاء الاصطناعي» واختراقها مجالات جديدة ومتزايدة من أوجه النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ومن المجالات التي حقق فيها «الذكاء الاصطناعي» تقدماً كبيراً وبشكل متسارع على مدار السنوات الماضية، ومن ثم حلت تطبيقاته محل الكثير من الوظائف، ولا تزال، هو مجال التعليم والتدريب وإعادة التأهيل، حيث اختفى العامل البشري تقريباً بشكل شبه كامل في العديد من مجالات التعليم المدرسي والجامعي وتلك الخاصة بالدراسات العليا، وذلك بصفة خاصة في سياق برامج التعليم عن بعد، والتي بدأت في عدد محدود من البلدان المتقدمة ولكنها سرعان ما امتدت في فترة زمنية قصيرة وقياسية نسبياً إلى عدد من المؤسسات التعليمية التابعة لبلدان ذات اقتصاديات بازغة أو حتى لعدد من المؤسسات التعليمية في بعض الدول النامية. وبالطبع بات ذلك الأمر يمثل هاجساً لدى المشتغلين بالوظائف المتعلقة بالقطاعات التعليمية، في العديد من أنحاء العالم، بخاصة فيما يتعلق بالمعلمين أنفسهم ومساعديهم، ولكن امتد الأمر بحيث صار حتى يشمل العديد من انواع الوظائف التي تتعلق بالعمل الإدارية أو القطاعات المساعدة، والتي أوجدت لكثير منها تطبيقات «الذكاء الاصطناعي» البديل الإلكتروني بصورة متسارعة.

وقد انتقل هذا التأثير أيضاً بشكل سريع إلى مجالات التدريب وإعادة التأهيل، حيث إن غالبية وظائف «الموجهين» و»المحاضرين» في العديد من برامج التدريب وإعادة التأهيل، خاصة تلك التي تدار من بعد، صارت موضعاً للإحلال من قبل تطبيقات «الذكاء الاصطناعي»، وهو ما قام بتوفير الكثير من الوظائف، وهو ما بدا أمراً اقتصادياً جذاباً من جانب أصحاب وملاك المؤسسات القائمة بتلك الأنشطة، ولكنه عني الأمر نفسه من منظور المشتغلين بهذه الوظائف التهديد المستمر بالاستغناء عن أعداد متزايدة منهم، وهو الأمر الذي تولد عنه تزايد ملحوظ في بعض مناطق من العالم في معدلات البطالة من جانب المعلمين أو العاملين في ميادين التعليم والمجالات الأخرى المتصلة بها، وبالتالي كانت هناك انعكاسات مجتمعية، سواء اقتصادية أو اجتماعية، ذات طابع سلبي لتلك التطورات التكنولوجية التطبيقية المذهلة.

إلا أن هناك وجهة نظر مهمة في المقابل تدفع بأن ما سيحدث في نهاية المطاف نتيجة لانتشار وتوسع تطبيقات «الذكاء الاصطناعي» هو إعادة تقسيم خارطة الوظائف والأعمال على الصعيد العالمي، حيث إن المسألة ليست نشر البطالة أو زيادة معدلاتها بل هو إعادة توزيع وإعادة تخصيص للوظائف في ظل تقدم تكنولوجي أيضاً يشمل منظومة عريضة من القطاعات وليست مقصورة على تطبيقات «الذكاء الاصطناعي» وتأثيراتها على سوق العمل وحدها دون غيرها. وترتكز وجهة النظر تلك على استحضار التجربة التاريخية الخاصة بالثورات الصناعية السابقة، بخاصة الثورة الصناعية الأولى، وما أدت إليه من إعادة رسم خارطة سوق العمل على صعيد العالم، وليس فقط البلدان الصناعية، في ذلك الوقت، ولم تؤد إلى انتشار واسع للبطالة كما كان متوقعاً أيضاً من جانب بعض المفكرين في ذلك الزمن. ومن ثم يراهن أصحاب هذا الموقف على التشابه التاريخي بين الظرف الراهن وما سبقه من ظروف مماثلة أو متقاربة.

وهكذا نرى في قطاع واحد على سبيل المثال لا الحصر، هو قطاع التعليم والتدريب وإعادة التأهيل، كيف ساهمت تطبيقات «الذكاء الاصطناعي» في إحداث تغييرات كبرى في فترة زمنية قصيرة نسبياً، وكيف من المتوقع أن يتضاعف هذا التأثير ويتعاظم بمعدلات متسارعة في السنوات القليلة القادمة. ولا يقتصر الأمر على تحولات تكنولوجية فقط، بل يتعداه إلى تأثيرات اقتصادية واجتماعية، تم تناول بعضها في هذا المقال، تمس حياة البشر اليومية ومعاشهم ومصدر رزقهم كما تمس مستقبلهم ومستقبل أسرهم، وكذلك تمس من منظور أشمل المجتمعات والاقتصاديات القائمة في مختلف أنحاء العالم، حيث ترتبط هذه التطورات بشكل عضوي بإعادة رسم خريطة سوق العمل على المستوى العالمي، وما يستتبع ذلك من إعادة تخطيط وتخصيص الوظائف وفرص العمل حتى لا تؤدي آثار تطبيقات «الذكاء الاصطناعي» إلى نتائج سلبية يتخزف ويحذر منها البعض، كذلك فإن هذه التطورات لها انعكاساتها المتصلة باعتبارات قيمية وثقافية وكذلك بمواءمات قانونية وتشريعية، تتعلق على سبيل المثال بتحديد ملكية الفعل المنبثق عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهل حقوق هذه الملكية تعود لكائن افتراضي أو منتج إلكتروني أم للبشر الذين كانوا وراء إيجاد هذا الكائن والمنتج، ومن ثم كيفية تحديد المسؤولية القانونية المترتبة على هذا الفعل وعلى من تقع الالتزامات وإلى من تعود المكاسب.

* مفكر وكاتب مصري

الأكثر قراءة في الرأي