الإسلام والمسألة السياسية

ضحى الخطيب |

ليس ما تشهده الساحة الإسلامية اليوم من صراعات حول السلطة حالة مستجدة إذ ما استل سيف على الإسلام كالسيف من أجل السلطة، حتى من قبل المسلمين أنفسهم...


فبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بدأت تلك الإشكالية في الخلافة والحكم تبرز كحالة ملحة، تعمل على تقويض المجتمعات، على يد تنظيمات أو جماعات حملت في توجهاتها العقدية والفكرية راية الإسلام خالقة مناخات قلق وتوتر وبؤر ساخنة ما تفتأ تتحول إلى براكين تحرق الجميع بمضامينها..

وعليه.. فإن مسألة الحكم لدى المسلمين هي مسألة مركزية سواء نظرنا إليها من الناحية التاريخية أو من الناحية العقدية... وحول هذه الإشكالية تدور هذه الدراسات، والتي شكلت مواضيع لندوات ومؤتمرات ولقاءات علمية كان قد شارك فيها المفكر الزواوي بغورة وجمعت في كتاب «الإسلام والحكم» منشورات ابن النديم. وطمح المؤلف من خلالها إلى الوقوف عند بعض العلامات المعاصرة لهذه المسألة الإشكالية في محاولة للإجابة عن سؤال مركزي يمكن صياغته على النحو التالي: ما المظاهر الجديدة لمسألة الحكم في الإسلام؟

هذا شكل للباحث منطلقا‌‌‌‌‌‌ً للبحث في مواضيع.. فهي وإن اختلفت عناوينها.. إلا أنها اشتركت في سمات أساسية يمكن إيجازها في ثلاث: أولها الطرح المنهجي الذي ينظر للمسألة موضوع المناقشة في سياقها التاريخي المعزز بالنصوص، وثانيها محاولة التمييز بين المعتقد الديني والطرح الإيديولوجي الذي حول الإسلام إلى أداة معينة بغرض الاستيلاء على رأسماله الرمزي، ومن ثم تحويله إلى سياسة بضروراتها واحتياجاتها ومصالحها وفنونها. وثالثها تقديم تحليل نقدي لجملة القضايا المطروحة.. وهذا وبالتأكيد، وكما يشير الباحث، لم يكن بغرض رفضها أو نقدها أو حتى الرد عليها.. وإنما من أجل بيان حدود الأفكار والرؤى المقدمة، إذ هو يرى أن الذين يرفعون شعار الخلافة الإسلامية اليوم، لا تعنيهم حقيقة الخلافة في التاريخ، ولا محدودية معاييرها الدينية، بقدر ما يعنيهم تحقيق مخططاتهم السياسية... وعليه وسم مقالاته هذه بـ (دراسات في المسألة السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر).

وإلى ذلك، وعليه فقد تمحور جزء من هذه الدراسات حول التجديد والإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر في العالم الإسلامي والعربي، ولدى مفكري الجزائر على وجه الخصوص، حيث تناول مفهوم الخلافة في منظور الحركة الإصلاحية، وموقف الإمام عبد الحميد بن باديس، ثم النموذج الحضاري وأثره على الفكر الإسلامي المعاصر وموقف مالك بن نبي من ذلك.

وبالنظر إلى صلة الفكر السياسي العربي والإسلامي الحديث والمعاصر بالفكر السياسي الغربي، فقد كانت للباحث وقفة لاستجلاء الموقف النقدي لبعض المفكرين العرب في الديموقراطية الليبرالية، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الهوية الثقافية، والهوية الدينية على وجه التحديد، وذلك على ضوء نصوص محددة حاولت مقاربة القيم الإسلامية والقيم الديموقراطية، عند كلٍّ من مالك بن نبي وعلي شريعتي ومحمد أركون، على أنه أشار، إلى أن هذه القضية، أو هذا الطرح ليس بالطرح المستجد، إذ إنه كان يثار جدل منذ حقبة من الزمن، فعلى سبيل المثال كان لعباس محمود العقاد إطلالة عليه في العام 1952 من خلال كتابه: «الديموقراطية في الإسلام». وفي سياق تعقيبه، على مفهوم الديموقراطية التي دعا إليها مالك بن نبي، يرى الباحث أنه في نظرة نقدية من المؤكد أن هذا المفكر لم يذهب مذهب الإسلام السياسي في القول بأن الإسلام دين ودولة، كما أنه لم يدع إلى تطبيق الشريعة الإسلامية؛ بل إن مالك بن نبي كان حذراً للغاية فيما يتعلق بالمسألة السياسية في الإسلام، رغم أن عمله الفكري كان في مجمله عملاً سياسياً وإيديولوجياً يهدف إلى التغيير الحضاري الشامل، ورغم كونه قد عمل من أجل أن يكون له أتباع ومريدون؛ إلا أنه كان دائماً يضع مسافة بينه وبين التنظيم السياسي المعلن والصريح، مكتفياً بالعمل الثقافي في ظاهره والسياسي في جوهره، ناقداً كل ما اعتبره لا يتفق وروح الحضارة الإسلامية، وبتعبير أدق، لا يتفق ونظريته في الحضارة. وفي هذا السياق كانت للباحث وقفة عند نظرية الإمامة والموقف من الديموقراطية عند علي شريعتي، وفي هذا يرى بأن البحث عن الديموقراطية في أعمال علي شريعتي يُعدُّ نوعاً من المصادرة على المطلوب، وذلك لأن القارئ لنصوصه لا يحتاج إلى جهد كبير ليتبين أن الديموقراطية لم تشكل موضوعاً أو إشكالية أساسية في مختلف أعماله؛ وأنه وإذا ما تساءل هذا القارئ عن الهدف من أعماله وجهوده ونضاله، فإن سؤال الديموقراطية يصبح سؤالاً مشروعاً، وبخاصة أنه لم يكفّ في مختلف نصوصه، عن نقد ورفض للاستبداد، والعمل والدعوة إلى التحرر والحرية من الاستبداد والاستعمار على حدٍّ سواء، وعملاً على تقديم تحليل نقدي لآرائه في هذا الموضوع، نظر الباحث في مختلف نصوصه، وذلك وفقاً للعناصر الآتية:

1- السياق التاريخي.

2- في فلسفة التاريخ والإيديولوجية.

3- في نظرية الإمامة.

4- الموقف من الديموقراطية.

وبالمقابل، يؤكد الباحث أن العلمانية احتلت مكانة مركزية في مشروع محمد أركون، ما يؤكد على ذلك مجموع الدراسات التي اصطلح على تسميتها (الإسلاميات التطبيقية) سيراً على نهج روجيه باستيد في كتابه (الأنثروبولوجيا التطبيقية)، ثم بمصطلح (العقل الإسلامي) تماثلاً وتعارضاً مع (العقل العربي) للجابري، وسؤال يطرحه أركون في هذا السياق: كيف تتبدى لنا العلاقة بين الدين والسياسة في القرآن وفي عمل النبي؟

وبهدف الإجابة على هذا السؤال، يرى الباحث بأن أركون عمل على تفكيك نصوص التراث الإسلامي المؤسسة منها والشارحة، وذلك عند محاولته الإجابة عن السؤال الآتي: كيف تتبدى لنا العلاقة بين الدين والسياسة في القرآن وفي عمل النبي؟ مجيباً على ذلك بخطوة منهجية تمثلت، برأيه «اختراق هذا الحجاب السميك من المفردات والتشكيلات الميثولوجية والحكايات التاريخية - الميثولوجية والممارسات الشعائرية ثم المؤسسات التي أدت تدريجياً إلى ولادة الإسلام السنّي والشيعي والخارجي بكل تكويناتها الحنفية والحنبلية والزيدية والإسماعيلية... إلخ.

ويستوقف الباحث القارئ في مقاربته النقدية: فمع أنه لا يقرأ في مشروع أركون نظرية شاملة للروابط بين الدين والسياسية؛ إلا أنه، أي أركون، ووفقاً لتحليله، فإن التراث الإسلامي قد سارع إلى تحويل الفترة النبوية، والفترة الخاصة بالخلفاء الراشدين إلى عصر أسطوري وتأسيسي، كما أصبحت السلطة المنبثقة عن الأحداث الدامية التي عرفتها الخلافة، تمتلك وتدير الأوضاع وتحافظ على النظام القائم، بواسطة الإكراه والتقييد [...].

وبالعودة، وبما أن العلمانية شكلت العنوان الأساسي لدى تسليط الباحث الضوء على منزلتها في نظرية العقل الإسلامي، ولدى أركون على وجه التحديد، فكان لا بد من مقاربته لنصوص أركون في محاولته لكتابة تاريخ للعلمانية في الفكر الإسلامي وإجرائه لنوع من التأصيل لهذا المبدأ، وقد عمد الباحث إلى إجراء ذلك في إطار السياق الثقافي العام وبخاصة لما يعرف بـ «الإسلام السياسي». وكان للباحث أيضاً وقفات عند مواضيع مختلفة في سياق تناوله لإشكالية الفكر الإسلامي والعلمني، وذلك في مقالته حول التعددية الدينية والسياسية، مناقشاً التعددية الدينية على مستويين المستوى اللاهوتي (الكلامي)، والمستوى الاجتماعي السياسي الأخلاقي، مؤكداً أن الدين لم يهجر المجال العام رغم كل عمليات العلمنة التي أصابت المجتمعات الغربية، وأن الدين لا يزال حاضراً في شكل المؤسسات اجتماعيةً وثقافيةً، وأن الانتماءات ما تزال قائمةً في مجتمع الحداثة.

إلى جانب ذلك كانت له مقالة حول تسييس الدين والثورة، مناقشاً مسألة تسييس الدين، وعلاقته بالثورات في الحاضر الإسلامي، وصولاً إلى بحث مفهوم المدنية في مقالة أخرى، ليتم تسليط الضوء من ثم على ما استجد بصورة ملحة على الساحة الإسلامية.. وهو قضية الإرهاب، وذلك من خلال حوارات صحفية أجريت معه بما يتضمن إجابته عن سؤال في موضوع ثورات الربيع العربي، ورؤيته لتحولات ما بعد «الربيع العربي».