«حوليات دمشقية» كتاب لمُؤرخ مجهول

محمد جمال حامد الشوربجي |

في سنة 1968م نشر الدكتور حسن حبشي- رحمه الله- قطعة من تاريخ مجهول العنوان والمُؤلِّف مُعتمداً في ذلك على نسخة هذه القطعة المحفوظة في مكتبة المتحف البريطاني في لندن، وبذل في نشرهِ جُهداً طيباً، وقد واجهت المُحقق شأنه شأن غيره من المُعتنين بنشر التراث مشاكل عدة؛ أولها الاعتماد على نسخة واحدة من الكتاب، والأكثر صعوبة أنها مبتورة الأول والآخر فضاع عنوان الكتاب وخُطبة المُؤلِّف وما تحويهِ من معلومات مُهمة حول مُحتوى المادة وتنظيمها. وتغلب المُحقق على ذلك بالعودة إلى المصادر المعاصرة، ومقارنة هذه النصوص بها. وإذا كان الدكتور حسن حبشي تلافى هذه المشكلة فقد واجهتهُ مُشكلتان هما: عنوان الكتاب، واسم مُؤلِّفه.


أمّا عنوان الكتاب فقد اجتهد المُحقق في الوصول إليه لكنه لم يوفق لأنه مُرتبط بمعرفة المُؤلِّف فوضع له عنوان «حوليات دمشقية» باعتبارهِ كتاب حولي- أي مُرتّب على السنين- وأغلبهُ يتناول بلاد الشام، وبالرغم من وصولي إلى مُؤلِّف الكتاب إلا أنِّي لم أُوفق في الوصول إلى عنوانه، وعلى هذا يبقى عنوان «حوليات دمشقية» عنوانًا للكتاب لحين العثور على العنوان الأصلي للكتاب.

وفيما يختص بمُؤلِّف الكتاب فقد استهل المُحقق هذا الباب بنفي نسبة النصّ إلى الإمام شمس الدين السخاوي (ت:902هـ) ثم سعى إلى معرفة هوية المُؤلِّف لعلها تقوده إلى معرفة من هو، فاستنتج من خلال نعتهِ للمقريزي بمُؤرخ الديار المصرية فضلاً عن الاهتمام بأخبار بلاد الشام إلى أنَّ المُؤلِّف شامي وليس مصري، وأكدَّ على ذلك بأن المُؤلِّف يبدأ أوائل الشهور بقولهِ: «أولهُ يوم كذا وعند المصريين كذا»، وقد أصاب المُحقق فيما ذهب إليه.

ولعِلم المُحقق أن نسبتهِ الشامية غير كافية لتحديد الهوية فقد سعى للبحث عن أدلةٍ أخرى فذكر أنَّ المُؤلِّف حنبلي المذهب، وأنه من تلاميذ ابن مفلح الحنبلي (ت:884هـ)، والحقيقة أنّ المُحقق لم يُوفق في ذلك إذ أنَّ المُؤلِّف شافعي المذهب، ومن تلاميذ التقي ابن قاضي شهبه الشافعي (ت:851هـ)، وسأُثبت ذلك بعد قليل.

وفي ختام مُقدّمة النشرة يشير المُحقق إلى الجُهد الذي بذله في البحث عن عنوان الكتاب ومُؤلِّفه، وأنها لم تُفلح في الوصول إلى ذلك، وختم نشرتهِ بقوله: «ولذلك فإنني أعترف بقصوري عن تحديد مُؤلِّف هذه الأوراق الدمشقية، وأرجو أن ينجح سواي فيما أخفقت فيه بردّ الكتاب إلى صاحبه الذي آمل ألا يظل مجهولاً غير قادر على استرداد حقه في تعريف القراء بأبوته للكتاب، ومن ثم اكتفيت بأن أقول إنه «مؤرخ شامي» مجهول» انتهى.

كانت هذه الخاتمة سالفة الذكر الدافع لي للبحث عن مُؤلِّف الكتاب. قرأت الكتاب بتمعن فوجدت الكثير من الدلائل التي تُؤكد أن المُؤلِّف شافعي المذهب وليس حنبلي- كما ذهب مُحقق الكتاب- منها: اهتمامهِ بتسجيل أخبار الشافعية ووفياتهم، وأنه من تلاميذ التقي بن قاضي شهبه الشافعي وأحد المقربين إليه، ولا ينعته إلا بلفظ «شيخنا»، ومن تلاميذ ابنه البدر محمد. أضف إلى ذلك كثرة نقل المُؤلِّف عن تاريخ شيخه ابن قاضي شهبه، ومن شافعيتهِ وشاميتهِ انطلقت للبحث عمّن تنطبق عليه هذه الشروط في المصادر المملوكية.

مرّت الأيام حتى قرأت كتاب «الضوء اللامع» للسخاوي فوقفت على ترجمة شهاب الدين أحمد بن خليل المعروف بابن اللبودي الشافعي (ت:896هـ) وقد جاء فيها: «وأوقفني على تاريخ استفتحهُ من سنة مُولدهِ استمد فيه من تاريخ التقي بن شهبة وغيره»، ولم يذكر السخاوي اسم هذا الكتاب فلعله كان في المُسودة ولم يبيض حين إذ.

أشار السخاوي إلى صفتين لهذا الكتاب أنّ مُؤلِّفه بدأهُ من سنة مولده؛ أي سنة 834هـ، وأنه ينقل كثيرًا من شيخه ابن قاضي شَهبه وغيره، فعدت إلى النشرة فوجدتها تبدأ بحوادث 834هـ حتى وإن فُقدت منها بعض الأشهر، وهذا يعني أن المفقود من أول الكتاب صغير، ووجدت مُؤلِّف هذا الكتاب ينقل كثيرًا من شيخهِ ابن قاضي شهبة، فكانت شافعيته، وشاميته، وافتتاح تاريخه، واعتماده على شيخه أدلة كافية على نسبة هذا الكتاب إلى ابن اللبودي، وسعدتُ عندما وجدت أن اجتهادي هذا له من يؤيده فقد نسبه الدكتور صلاح الدين المنجد إلى ابن اللبودي في كتابهِ «مُعجم المؤرخين الدمشقيين» إلا أنه لم يذكر الأدلة التي اعتمد عليها في تحقيق هذه النسبة.

أمَّا ابن اللبودي فقد ذكر السخاوي أنه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خليل بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر الدمشقي الصالحي الشافعي المعروف بابن اللبودي، وُلِدَ في 17شوال سنة834هـ بسفح جبل قاسيون بدمشق، ونشأ بها وحفظ القرآن، واشتغل بطلب العلم فأخذ الفقه عن البدر محمد بن قاضي شَهبه، وعلوم العربية عن الشهاب بن زيد، وسمع من الشهاب أحمد بن حسن بن عبد الهادي وآخرين. تعانى نظم الشعر فبرع فيه، وكان على علاقة طيبة بالشمس السخاوي فأثنى عليه، واستفاد كُلاً منهما من صاحبه. وقد عَمِلَ المُؤلِّف بالشهادة بمنطقة باب البريد بدمشق.

لم ينقطع ابن اللبودي عن التأليف حتى مات يوم الجمعة 6 محرم سنة 896هـ، وصُلِيَ عليه بالجامع الأموي بدمشق ثم دُفن بتربة المُوفق بن قُدامة المقدسي عند أبيه، وقد ترك لنا الكثير من المُؤلَّفات منها: كتاب في قضاة دمشق؛ وهي أرجوزة مع شرحها سمَّاها «الروض البسَّام فيمن ولي قضاء الشام»، و «إخبار الأخيار بما وُجِدَ على القبور من الأشعار» (ط)، و «النجوم الزواهر في معرفة الأواخر» (ط)، و «فهرس مصنفات البرهان البقاعي» (ط)، و «الإشعار بمحاسن الأشعار»، و «تذكرة الطالب والنبيه بمن نسب إلى أُمهِ دون أبيه» (ط)، و «رفع القدر بذكر أهل بدر»، و «غاية المُرام في المُشبّهين بخير الأنام»، و «المحاسن المُكملة في الأخبار المُسلسلة»، وخَرَّجَ الأربعين لشيخهِ البدر بن قاضي شَهبه، و «مشيخة أسماء بنت عبد الله المهراني».

بقي نقطة أخيرة نختم بها هذه المقالة؛ وهي التعريف بمنهج ابن اللبودي في الكتاب، ومصادر مادته، ونقول المُتأخرين منه.

- صَنَّفَ ابن اللبودي كتابه على النظام الحولي فبدأ بحوادث سنة 834هـ؛ وهي سنة مولده كما قلنا وهو في هذا مُقلِّد فقد سبقه إلى هذا ابن حجر العسقلاني في كتابهِ «إنباء الغمر».

- يبدأ المُؤلِّف السنة بذكر أسماء العاملين الجهازين الإداري والقضائي والمُعاصرين للسُّلطَان المملوكي من سلاطين وملوك الدول الأخرى.

- تميز بأنه يذكر حوادث الشهر ثم يُتبعها بوفيات الشهر، وقد تفاوتت حجم الترجمة من شخص لأخر تبعًا لأهمية الشخص وتوفر المعلومات عنه، وعند الترجمة يُترجم معه من يعرفه من أقاربه.

- لم يُهمل المُؤلِّف الحديث عن الشئون الاقتصادية والاجتماعية بل تنوعت مادته بين ما سبق وبين الأخبار العلمية كالمناقشات التي كانت تدور بين الشافعية الحنابلة وأخبار المدارس، والدينية كذهاب الحجيج وعودتهم. بل لم يُهمل حتى الظواهر الجوية والفلكية، وإذا كان المُؤلِّف قد صبَّ مادتهِ في المقام الأول على الشام ثم مصر إلا أنه لم يُهمل الأقاليم الأخرى.

- اهتم المؤلف بتسجيل أخبار شيخه ابن قاضي شهبه وكذا ولده الشيخ بدر الدين محمد.

أمَّا مصادر مادة الكتاب؛ فقد اعتمد ابن اللبودي بصورة أساسية على تاريخ شيخهِ ابن قاضي شهبه في إيراد الأخبار الشامية، والتقي المقريزي في إيراد الأخبار المصرية فضلاً عن المُشاهدة والمُشافهة التي سيتميز بها كُلما قارب كتابهُ على الانتهاء، وقد حُرِمنَا هذه المعلومات المُهمة بفُقدان بقية الكتاب. كما اعتمد على: «المُعجَم المُختص» للذهبي، و «البداية والنهاية» لابن كثير، و «ذيل ابن سند على ذيل الحسيني على «العبر في خبر من غبر» للذهبي»، و «السلوك لمعرفة دول الملوك»، و «درر العقود الفريدة» للمقريزي، و «إنباء الغمر بأنباء العمر» لابن حجر العسقلاني، و «طبقات الحنابلة» لابن رجب الحنبلي، و «تاريخ ابن حجي»، و «عنوان العنوان» للبقاعي.

تميز المُؤلِّف بأنه ينقل النصوص بصورة حرفية دون كثير تصرف، وكثيرًا ما يبدأ القول بـ «قال فلان»، وينهي القول بقوله «انتهى». كما أنه يُشير إلى اسم الكتاب الذي ينقل منه مع اسم مُؤلِّفه يقول: «قال المقريزي في درر العقود».

أمَّا الإطار الزمني للكتاب فقد عَرِفنَا بدايته؛ وهي سنة 834هـ لكن بسبب ضياع بقية الكتاب نجهل السنة التي أنهى فيها كتابه إلا أنِّي أميل إلى القول بأنه انتهى منه قُبيل وفاته سنة 896هـ، وقد نقل منه السخاوي وذكر في بعض ترَاجِمهِ أن ابن اللبودي قد ترجم له في كتابه، وهي خمس عشرة ترجمة. كما أن هذه التَراجِم تقع في الجزء المفقود من الكتاب، ومن هنا تكمن أهميتها، وهي على النحو التالي:

1- إبراهيم بن محمد المسند الدمشقي المعروف بابن القطب (ت:861هـ): أرخه ابن اللبودي، وقال أنه أخذ عنه. (الضوء1/166).

2- أحمد بن حسين بن علي الأرزعي ثم الدمشقي الشافعي (ت:864هـ): أرخه ابن اللبودي. (الضوء اللامع1/288).

3- أحمد بن عبد الله الشهاب النحريري المالكي (ت:840هـ): أرخه ابن اللبودي. (الضوء1/372).

4- أحمد بن محمد بن أبي بكر بن سعد الشهاب الدمشقي الشافعي ويعرف بابن عوف: مات في أواخر شعبان841هـ. أرخه ابن اللبودي، ووصفه بالشيخ الفقيه، وقال رأيت خطه على استدعاء، وما وقفت له على شيء. (الضوء2/102).

5- الشهاب أحمد بن محمد بن محمد الحميصي: «مات في أواخر ربيع الأول سنة841هـ، ودفن بمقبرة باب توما، وكانت جنازته حافله» قاله ابن اللبودي. قال: «وما وقفت له على شيء». (الضوء 2/171).

6- داود بن سليمان بن عبد الله الموصلي ثم الدمشقي الحنبلي (ت:844هـ): أرخه ابن اللبودي. (الضوء 3/212).

7- شعبان بن محمد بن جميل البعلي الصالحي الحنبلي (ت:841هـ) مات في سنة إحدى وأربعين. أرخه ابن اللبودي. (الضوء3/301).

8- علي بن حسن بن علي بن محمد العلاء القريري (ت:842هـ): قال ابن اللبودي أنه سمع من جماعة وحدث، سمع منه الفضلاء ومات في شوال بدمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس. (الضوء 5/212).

9- محمد بن إبراهيم بن عمر المرداوي الصالحي (ت:841هـ): مات ببرزة ظاهر دمشق كما أرخه ابن اللبودي في جمادي الآخرة سنة841هـ. (الضوء6/273).

10- الشمس محمد بن أبي بكر الدمشقي (ت:862هـ) مات في جمادي الآخرة سنة 862هـ، ودفن بمقبرة الفراديس. ذكره ابن اللبودي قال: «ولم يسمع منه سواي رحمه الله». (الضوء7/203).

11- محمد بن حسن بن عبد الهادي الشمس المقدسي الصالحي (ت:843هـ): أرخه ابن اللبودي. (الضوء7/218).

12- محمد بن علي بن أحمد الجعفري الدمشقي الحنفي (ت:844هـ) أرخه ابن اللبودي، ووصفه أيضًا بـ «السيد العالم القاضي». (الضوء8/168).

13- البدر محمد بن محمد الحريري الدمشقي (ت:865هـ): أرخه ابن اللبودي، وقال أنه أجاز له. (الضوء9/157).

14- يحيى بن حسن بن عبد الواحد الجيحاني المغربي قاضي دمشق (ت:842هـ): ذكره ابن اللبودي. (الضوء 10/225).

15- محمد بن محمد بن يوسف الدمشقي الحنبلي المعروف بابن الكيَّال وابن الذهبي (ت:843هـ): أرخه ابن اللبودي. (الضوء10/33).