وزير التعليم .. ووضْع اليد على الجراح

جامعة الملك عبدالعزيز (تويتر)
مسفر بن علي القحطاني |

عندما يضع الجرّاح الماهر يده على موضع الألم ويحدد طبيعة المرض فإن الخطوات الأخرى تأتي تباعاً حسب إجراءاته المهنية وجودة عمله، وفي الغالب تتم مداواة المرض وانتهاء الشكوى بهذه الخطوة الهامة في العلاج، وهذا ما قرأته من تصريحات وزير التعليم الدكتور حمد آل الشيخ بعد الورشة التي اجتمع فيها قرابة 300 من قيادات وخبراء التعليم الجامعي والمهني في جامعة الملك عبدالعزيز يوم السبت 19 يناير 2019م، فمن خلال هذه التصريحات التي اعتبرها نقطة التشخيص الصحيح لحال التعليم في المملكة؛ اعتقد أننا أمام انفراج قادم وأمل واعد يزيل عنا كافة الإحباطات ويعالج الإشكالات المزمنة في هذا الحقل التنموي شديد الأهمية، ولعلي أسلط الضوء بمزيد من التساؤلات التي طرحها الوزير في تشخيصه لمشكلات التعليم، تأكيداً لما قال، وتأييداً لمساره المبارك في العلاج، أضعها في المسائل الآتية:

أولاً: أعاد الوزير وضع رؤية 2030 أمام نصب عينيه، وهي كما أشار بتناوله لأحد أهداف الرؤية المتعلق؛ بدخول خمس جامعات سعودية ضمن أفضل مائتي جامعة عالمية. قال مؤكداً أن الوصول لهذا الهدف ليس صعباً، شريطة أن تدار هذه الجامعات بشكل «احترافي» و «حقيقي» و «مهني»، ونرفع من خلالها المحتوى الوطني للبحوث. وهذا الهدف الذي ذكره الوزير بالفعل ليس صعب المراد لوطن يملك إمكانات هائلة وكفاءات عالية، لكن المشكلة المزمنة والمعقدة تكمن في كيفية إدارة هذه الإرادة الطموحة. والانطلاق نحو الريادة العالمية في التعليم، التي تصبو لها رؤيتنا المستقبلية؛ لا يتم إلا بعد تفكيك جيوب الشلّلية في إدارات ومراكز التعليم العام والعالي، وضبط مؤشرات الأداء بمعايير التميُّز والتفوق، والتخفيف من القضايا المغرقة في الانشغال والمضيعة للجهود على حساب أولويات الوزارة والوطن، مثل الاحتفالات المبالغ فيها، والانشغال بالإعلام المعرض عنها، ووضع الكفاءات الأكاديمية الجيدة في العمل التعليمي المباشر وليس وضعه في مهام متابعة المشاريع والمناقصات والخدمات العامة.

ثانياً: ذكر وزير التعليم في أكثر من مقام إشكالية البحث العلمي، وأن المصروف عليه يمثل مبلغ 100 مليون ريال في مقابل 6 مليارات ريال مخصصة للإنفاق عليه، وأن دور المراكز البحثية ينبغي أن يقوم بدور مراكز القوى الناعمة، ويدافع عن الوطن ويخدم احتياجات المجتمع، وهذا التفكير من الوزير بالغ الأهمية لتحقيق رؤية 2030 ، وأكثر أهمية في ظل التحديات المعاصرة التي تعيشها بلادنا، وللأسف أن واقع البحث العلمي اليوم لا يحمل في غالبه جديداً ولا تجديداً، وإعادة النظر في بحوث الترقية والرسائل الجامعية بات واجب الوقت اليوم، كما أن الإدارات المعنية في وضع المكافآت على الأبحاث اقتصرت على أمرين أثنين: هما النشر في قائمة المجلات العالمية المعروفة بـ «ISI» وبراءات الاختراع، ومعنى هذا أن الدعم الحقيقي يذهب للأبحاث المكتوبة باللغة الإنجليزية سواء كان الباحث سعودياً أو وافداً، فإنها في الغالب بعيدة عن النفع المجتمعي الداخلي، والجامعات التي تمنح الدعم للبحوث المنشورة في مجلات عربية محكمة هي في نظر الجامعات الأخرى مخالفة للنظام، واعتقد أن الخروج من هذه المعضلة هو أن يُترك الدعم مفتوحاً ويُجعل من اختصاص الجامعات، ثم تُوضع معايير الدعم في ثلاثة أمور: الابتكار في التخصص، والتأثير في تنمية المجتمع، وتحقيق نفع عملي للوطن من خلال المشاركة مع الجهات ذات الاهتمام بموضوع البحث.


والمساءلة في النهاية ينبغي أن تتوجه نحو الكيف المعرفي وليس الكم الورقي، وأحب أن أشير أن بعض إدارات البحوث في الجامعات تضع لنفسها محترزات وشروط مبالغ فيها، ظناً منها أن هذا أصلح للوطن وأبعد عن المشكلات؛ بينما هي مزيد من خنق الحريات البحثية وخوف لا مبرر له، وقيام الوزارة بوضع معايير أخلاقية للبحث أسلم من تلك الاجتهادات التي وضعت مراكزنا البحثية في مؤخرة قطار البحث العلمي، وكم هو غريب أن نجد أنفسنا نستغني عن كل ما لدينا من مراكز وكراسي بحثية بالاتجاه نحو المراكز الأجنبية التي لا تتميز عنا إلا بالمرونة والحرية، وأعتقد أن الميدان الأهم اليوم في المنافسة العالمية؛ يكمن في دفاعنا التقني والمعلوماتي، وعدد مراكزنا العلمية المرموقة، ومدى معالجتنا المحلية للأزمات الراهنة.

ثالثاً: ذكر الوزير في الفترة اليسيرة من توليه المنصب عدداً من التصريحات التي تعيد الاعتبار للمعلم والأستاذ الأكاديمي، ووجّه الوزير للاستفادة من مخرجات الابتعاث، وكل ما سبق يؤكد أننا عدنا لمربط الفرس– كما في المثل العربي- فكل العملية التعليمية في أساسها تقوم– كما هو معلوم للجميع- على المعلم والطالب والمنهج، وتفوّق الطالب وحسن تدبير المنهج مرجعه أيضاً المعلم والأستاذ، وأظن هذه الرؤية قد اعتراها بعض الغبش في ظل السعي نحو متطلبات السوق أكثر من ضرورات الوطن، والتعاطي مع الموضات التطويرية التي أغفلت تركيزنا على حجر الزاوية وهو المعلم، وإلا فمن سيقوم بتلك التوصيات والمقترحات غير المعلم والأستاذ الأكاديمي؟!، وأعتقد أن المؤشر سوف يتجه نحو الأعلى في الجامعات والمدارس، لما نجد الكفاءة التعليمية ترى مكانها في الفصل وبين الطلاب وليس في المكتب بين الأوراق، وأيضاً عندما نرى المعلم يأتي مقبلاً محباً إلى فصله مبدعاً مبتكراً أساليب جديدة في نقل المعلومات وترسيخها، وليس ذاك المعلم المحبط الذي يبحث عن أي فرصة للخروج والابتعاد عن قاعة الفصل. وإذا كانت الميزات المادية تذهب للإداريين في قطاعات الوزارة؛ فكذلك ينبغي أن تكون الميزات الأعلى لمن بقي في الفصل بين الطلاب مكابداً تعليمهم ومعالجاً همومهم ومصلحاً لأخلاقهم.

وفي الختام.. لا أظن أني جئت بأي جديد، فكل ما ذكره الوزير وأكدّتُ عليه هو ما ذكره الوزراء من قبل ويؤكده غالب الزملاء في قطاع التعليم، ويبقى المحك الحقيقي هو في الانتقال نحو الفعل الواجب بدلاً من المراوحة في ردود الفعل، فالإمكانات التي قدمتها الدولة رعاها الله، والغيرة والهمّ التطويري عند غالب من يعمل في قطاع التعليم من الجنسين؛ يحتاج إلى قيادة تعليمية ماهرة في توظيف الجميع نحو خطط رؤية 2030، وتدفع بالجميع أيضاً نحو الإنجاز والاشتغال بالمنتج التعليمي دون سواه.

والعمل بصمت وترك النطق للغة المنجزات أن تتحدث هو ما يريده وطننا في عهده الواعد بالتقدم والرفاه.