عباس آل رقية: في مشهدنا التشكيلي يصبح أي هاوٍ فناناً مفاهيمياً

عباس آل رقية.
الدمام - حسين الجفال |

التشكيلي السعودي عباس آل رقية، فنان منشغل بالتراث وأصالته، متعلق بالبيئة والخضرة والبحر والسفن. المرأة سر اشتغاله ومباهجه. آل رقية يميزه التريث وكأن الوقت كله فائض عن الحاجة، يربي ذائقته بالقراءة والاطلاع المستجد على الساحة التشكيلية محلياً وعربياً. شارك في معارض عدة، ويستنهض همم رجال الأعمال والمسؤولين من أجل تشييد صالات عرض تليق بمنجزنا الفني، كما يأمل بمتحف يضم الأعمال التي أنجزها جيل الرواد والفنانين المميزين. «الحياة» التقته فكان هذا الحوار:

> منكب على رسم التراث وبيئته وكأنك تبحت عن كنز سيغيب أو ينتهي؛ ما السر في تعمقك هذا؟

- نعم الخوف من ضياع البقية الباقية من هذا الإرث الحضاري الذي تركه لنا الأجداد، هذا الإرث سواء آمنا به كمنجز حضاري أو رائحة الأجداد فهذا من الأدعى لنا شم عبقه عند نخلة متدلية سعفاتها أو كتابة جدار. وهناك همهمات الأجداد. آه إنها فتاة أحلامي انتظر مرورها بين زانيق الديرة، لا يعجزني الحب والأحلام والحنين جميعها في لوحة.


> يقول فان غوخ: «الألوان في اللوحة مثل الحلي في القميص عند اختياره». أنت تعتني باللون حد الهوس؛ ما الذي يغويك بفتنة الألوان في مشوارك الطويل؟

- هذه هبة السماء، ضوء ينبثق من عنان السماء إلى الأرض حاملاً الفرح، تتجاذبه الموسيقى اللونية في لوحة أو شعر أو نثر. واللون هو الهاجس الفني في الكثير من لوحاتي وهو الجزء المختص بي. ثم يأتي التراث والأحلام. واللون هو دليل الانطباعيين وهو لغة الجمال والكشف عن مضمونها. والنساء بالملابس المزخرفة تأخذ في لوحاتي من ضوء الشمس الفرح والبهجة، استلهاماً من نظرية رامبرانت في الظل والنور.

> في رأيك، هل يعيش الفنان مشكلة في عرض أعماله أو تثقل كاهله المشاركات الداخلية والخارجية، لو أن ذلك صحيح، ما الحلول؟

- في مشواري الفني الذي تعدى ربع قرن لم تستهوني المشاركات وإنما حب الاستطلاع، بعيداً عن الأضواء. والفنون عموماً منتج شخصي يفيض عبقه للآخرين، وبرامج التواصل الاجتماعي تتيح الكثير من السبل للتواصل مع المهتمين والمثقفين فنياً. وربما الرصيد الفني له مدلولاته في عالمنا سواء معرض شخصي أو مشاركة فعالة. لكني محافظ على اتزاني لا أعرض إلا ما أقتنع به، وعندما لا يوجد هناك جديد أو طرح فكرة فمن الأفضل التريث وعدم اللهاث وراء العرض من دون طائل. غير أن الفنان يقول ها أنذا هنا من دون أثر. وربما التكتل في صورة جماعات، أو كما يسيء إليها البعض بقوله الشللية، هي من أبقى بعض الفنانين على الاستمرار.

> شكل نادي الفنون بالقطيف نواة مدت الوطن بفنانين ومبدعين في التشكيل والتصوير الضوئي، الآن خسرت هذه الجماعات المبدعة صالة عرض كبيرة وتفرقت الجماعة من دون إغراء آخر ومكان يعيد دفق الحياة فيها؛ برأيك أين ممكن أن تأخذهم البوصلة وهم بهذا العدد الهائل والخلاق؟!

- نادي الفنون نافذة حضارية ومقصد الفنانين في المنطقة، خرّج أجيالاً وقد مرّ النادي بكثير من الصعوبات لكنه وقف شامخاً. لكن الفنان لا يعوقه المكان وإنما هي الرسالة، وبعزم الشباب سوف نصل ورب ضارة نافعة، فقد ذهب الكثير من الفنانين للتنقل داخل المملكة وخارجها، ومن هنا أهيب برجال الأعمال والمهتمين برعاية الشباب والفنانين بفتح هذه النافذة الحضارية، فالمقر للنادي مهم جداً للمنطقة وأيضاً تجهيزه فنياً أسوة بجميع مناطق المملكة.

> يقوم اشتغالك على المحافظة على الأزياء القديمة والبيت الخليجي القديم وطرازه الراسخ والمؤرخ لحقب بعيدة، هل فكرت في طبع هذه الأعمال في كتيبات تعريفية أو بطاقات معايدة أو حفظها في صفحة إلكترونية تحمل اسمك؟

- ما ذكرته ذريعة الفنان، وقد كانت لي طريقاً يوصلني إلى جمال وروعة اللوحة الفنية. وقد قمت بدراسة الزخارف الشعبية، سواء في البيت الخليجي أو في اللباس الخليجي للمرأة. نعم هناك تفكير في طباعة بعض الأعمال، وهي تجربة ربما تخفف عبء سعر اللوحة الأصلية وأيضاً الانتشار لأبعد مدى، وربما هي وسيلة الانتشار الفني وكثير من الفنانين المحليين طبعوا أعمالهم، وهي وسيلة ربما لتصل إلى عدد أكبر من محبي الفن والمتذوقين.

> الفن الحديث مثل قصيدة النثر الحديثة في حاجة إلى دراية وبناء وأيضاً معرفة بأسس الشعر وأسس الفن. في الآونة الأخيرة دخلنا ما بعد الحداثة ونحن لم نستوعب الحداثة نفسها! هل تلمس هذا الإشكال مع الأجيال الجديدة أم هو شعور يراودني وحدي وقصور تلقي الأعمال من جهتي؟

- الحداثة وما بعد الحداثة يجب استيعابها كمخرج فني تشكيلي، وبخاصة في مرحلة التطور وتكنلوجيا العصر الحديث، ولكن نقف هنا لحظة تأمل وتدقيق للمخرج الفني العبثي وبخاصة للفن في المملكة، الذي لم يتجاوز مرحلة الهضم للفنون التشكيلية. ومن هنا وقفة تأمل وتبسط للأجيال القادمة، في الجامعات والمعاهد الفنية في أوروبا يتخرج الطالب ومن حوله المتحف والفنانون أصحاب الرؤية. ونحن بين لحظة وضحاها يصبح فيها أي هاوٍ فناناً مفاهيمياً وتجريدياً. أناشد المعنيين بتأسيس معاهد فنية متخصصة ومتحف فني دائم ليتربى النشأ على الثقافة الفنية والنظر إلى الفنون التشكيلية بعين الاهتمام.

> يفيض الحب الدافئ في كل لوحاتك، وكأن كل امرأة فيها هي أم، أخت أو حبيبة. ما سر هذا الحب الذي يتحوط اللوحة بكل هذا العمق والصدق؟

- هذا الجانب اهتمّ به فنانو عصر النهضة وما بعده من الرسم، المرأة وجعلها زهرة جميلة تزين القصر. عندي هي الدفء اللوني وهي الجزء الذي لا يمكن المساس به وإخراجه للناس. وفي اعتقادي أن لوحاتي يتقبلها المحافظ. المرأه تعني لي دفء القلوب والحنين للماضي. إنها المرأة تتجسّد في كل مكان وتعطي حميمية للمكان، وقديماً قيل: «المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه».

> الرسم في الطرق وخارج البيوت أكثر حرية، هل جربت أن تفتح الباب وترسم ما خلفه؟

- نعم كانت لنا تجارب كثيرة من الرسم عن البيئة، من نخيل وسفن لكون منطقتي غنية جداً. فهي لوحة مكتملة العناصر من دون عبث. وأيضاً كانت لنا تجرية بالرسم في بعض المناطق المفتوحة، مثل دوار الأشرعة في الدمام وفي الجبيل وغيرهما. أتذكر بعد خروجي من الجامعة، حاملاً أقلامي متجهاً صوب السفن المتبعثرة هنا وهناك على ساحل دارين، وأقف هناك ساعات محدقاً بالسفن، وربما مرّ صياد أو بناء للسفن فنتبادل قليلاً من الأحاديث. إنه الانفتاح إلى الآخر من دون تكلف.

> «إيمانك بالرسم يتطلب عدم الاكتراث بالرأي العام». ذاك رأي فان غوخ. هل يخشى آل رقية أو يستمع للناس في حالة الرسم؟!

- رسالة الفنان هي عدم الاستماع للناس والتعليق من دون رقيب، هي رسالة صافية من القلب للقلب. إشكالية المتذوق العام هي البصر وعدم تدريب العين والولوج في اللوحة والتنقل بين مواقع اللون، والاهتمام بالموسيقى الفنية للعمل التشكيلي. من المهم جداً أن يعي المتذوق أن الفنان يهتم بالعمل الإبداعي في كل لوحة، من دون خشية.

> «الفلاح لا يتحدث قط عن الفن.. وإنما يصنعه»: حسن فتحي. ما رأيك في قول هذا المعماري العمق؟

- هي الرسالة الفنية الحقيقية من دون الخوض في مضمون الرسالة أو التعليق عليها، وهي مهمة الفنان. ثم يأتي دور المتذوق في نثر الكلمات. الفن هو ناتج حياتي لا ينفصل عن الواقع. وأدوات الفنان نابعة من بيئته، فهو ابنها كما هي لغته التي لا يستغني عنها، كما أن الفنان يخوض في مسارات متعاكسة تاركاً تاريخاً جميلاً ورائعاً.