السياسة الخارجية الأميركية والتراجع عن صدارة العالم

البدر الشاطري |

ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد لا يجامل في معظم كتاباته، فقد أصدر منذ عقد من الزمن كتاباً مع زميله جون ميرشماير يؤكدان فيه أن السياسة الخارجية الأميركية متحيزة لإسرائيل وضد المصالح القومية للولايات المتحدة بسب اللوبي الإسرائيلي، وأثار الكتاب حفيظة، بل سخط، المناصرين لإسرائيل في أميركا. والآن ينبري والت لانتقاد نخبة السياسة الخارجية في كتابه الجديد «النوايا الطيبة: نخبة السياسة الخارجية وأفول صدارة الولايات المتحدة».


يجادل والت بان قادة السياسة الخارجية الأميركية تسببوا، لإخفاقاتهم المتكررة، بانحدار مكانة أميركا في العالم، ويرى أن ما يسمى «الهيمنة الليبرالية»، أي لعب دور المهيمن لإدارة النظام العالمي بحسب الرؤية الليبرالية، فشلت بشكل ذريع. «ومع ذلك، ظلت ثلاث إدارات متعاقبة- كلينتون، بوش، وأوباما- متشبثة بها، حتى حين تفاقمت الكلفة وتضاعفت المستنقعات».

ويستهل الكاتب سرده بالتساؤل عن سبب فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، رغم ما حاط به من مثالب، ورغم توقعات الخبراء المخضرمين. ويعزو والت فوز ترامب إلى كون الناخب الأميركي قد ضاق ذرعا بالسياسات التي تسعى إلى تعمير أراضي الغير وإهمال الوطن- وان النخبة الحاكمة المتمسكة باستراتيجية منيت بهزائم كثيرة جعلت من شعار ترامب «أميركا أولا» ذا جاذبية بين الناخبين.

ولا يدعي الكاتب أن السياسة الخارجية لعبت دوراً حاسماً في الانتخابات الرئاسية في 2016، لكن الأفكار الجديدة التي طرحها المرشح ترامب استقطبت الكثيرين من الناخبين الذين رأوا الفشل الذريع لسياسة الولايات المتحدة الخارجية منذ انتهاء الحرب الباردة. ويعزو والت هذا الفشل إلى «سلسلة من سياسات غير حكيمة وغير واقعية» فرضتها سطوة الولايات المتحدة، واستراتيجية خاطئة وطبقة سياسية خائبة. فقوة أميركا الاستثنائية غررت بالنخب لتبني سياسة خارجية فضفاضة لتحويل العالم في صورة الولايات المتحدة.

ولمناقشة هذه القضايا ذات الأبعاد الاستراتيجية التاريخية، يقسم المؤلف كتابه إلى سبعة فصول يناقش فيها إخفاق السياسة الخارجية الأميركية في ربع القرن الأخير. ثم يشرح أسباب الفشل ويرده إلى الاستراتيجية التي اتبعتها. ويعرج على نخبة أو مؤسسة السياسة الخارجية. ويتناول في الفصول الأخرى كيف استطاعت النخبة أن تقنع عموم الشعب بسياساتها الفاشلة. ثم يختتم بالخيار الأفضل للسياسة الخارجية الأميركية.

ولكن ما هي مفردات هذه السياسة الفاشلة؟ يستعرض الكاتب ما يسميه «السجل المروع» للسياسة الخارجية الأميركية. ويقول أن وضع الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة كان أفضل بكثير من وضعها الحالي بعد ربع قرن. وان واشنطن فوتت فرصاً كثيرة لتحسين موقعها بسبب السياسات الخرقاء التي اتبعتها منذ ذلك الوقت.

ورغم لحظة الأحادية القطبية التي تمتعت بها واشنطن، إلا أنها أخفقت في حل قضايا كثيرة مثل الصراع العربي-الإسرائيلي. كما فشلت في اتباع سياسة حكيمة في منع انتشار أسلحة الدمار الشاملة، ولم تستطع إدارة ملف الإرهاب الدولي بشكل حصيف، مما أزم هذه الظاهرة. بل فاقمت سياسة واشنطن العلاقات المستتبة بين القوى الكبرى بسبب تمدد حلف الناتو شرقا وتصرف الولايات المتحدة في مخالفة صارخة للأعراف والقوانين الدولية. أضف إلى ذلك فشلاً عسكرياً فضيعاً في أفغانستان والعراق أساء الى سمعتها العسكرية.

وبسبب القوة الفائقة التي ورثتها الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة فأنها اندفعت إلى نشر قيمها ومؤسساتها الديموقراطية. ولكن العالم شهد تراجعاً لتقدم الديمقراطية والنظام الليبرالي، بل أن الولايات المتحدة نفسها شهدت تراجعاً في تصنيفها من ديموقراطية مكتملة إلى ديموقراطية معابة. والترويج لاقتصاد السوق والعولمة تراجع بسبب السخط الشعبي على نتائج الاقتصاد النيوليبرالي الذي أثر بشكل سلبي على قطاعات واسعة من شعوب العالم، وتفاقم سوء توزيع الثروة بين طبقات المجتمع في الدول المتقدمة والنامية.

ويشير الكاتب إلى الاستراتيجية التي تبنتها واشنطن وهي جذر فشل السياسة الخارجية. فالهيمنة الليبرالية والتي قادت الولايات المتحدة إلى الاعتقاد بانها تستطيع صياغة العالم حسب ما تراه أوقعها في ما هي فيه. ولكن، ما هي هذه الهيمنة الليبرالية والتي أدت، بحسب الكاتب، إلى كوارث السياسة الخارجية؟ باختصار يعرف الكاتب أن الهيمنة الليبرالية هي «السعي إلى توسيع وتعميق النظام الليبرالي العالمي تحت القيادة الخيرة للولايات المتحدة» (ص. 54). وهي على المستوى المحلي الحكم الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان والتسامح. وعلى المستوى الدولي تتمثل في الانفتاح الاقتصادي وعلاقات دول يحكمها القانون والأعراف والمؤسسات الدولية.

وعلى رغم ما يبدو من نبل الأهداف التي تسعى إليها هذه الاستراتيجية إلا أنها ابتليت بالإخفاق. والسبب سذاجة أطروحاتها وتهافت فرضياتها. فرغم إمكانات الولايات المتحدة إلا أنها لا تستطيع أن تحول المجتمعات رغم تاريخها وثقافتها وقيمها إلى مجتمع يعكس القيم الأميركية الليبرالية. كما أن فرضية أن الناس في العالم راغبون في هذا التحول فرضية واهية. إضافة إلى أن التوسع الأميركي ومحاولة فرض أجندتها على العالم أدى إلى تحالفات مناهضة لهذا التوجه. وهناك ثمن باهظ للهيمنة الأميركية من ناحية المصادر البشرية والمالية والتي أتت على حساب الوضع الداخلي الأميركي.

وهنا يجب التوقف عند انتقادات الكاتب بشأن كلفة الهيمنة. فمن منظور العلاقات الدولية فان الدولة تمثل وحدة واحدة على المسرح الدولي. ولكن الرؤية من الداخل تختلف. فالدولة ما هي إلا تكثيف لمجموعة العلاقات الاجتماعية-الاقتصادية في أي مجتمع. وقد تكون هناك كلفة وطنية للهيمنة، ولكن بلا شك مفيدة للقوى المجتمعية المرتبطة بعالم المال والأعمال والتي تدفع بالنخبة السياسة إلى ممارسة هذه الهيمنة لتحقيق مكاسب لها. وهو ما يقر به الكاتب لاحقا حين يقول إن العولمة قد تكون جيدة للنخب المتعلمة وشارع وول استريت (شارع المال والأعمال).

ولكن من هذه النخبة السياسة الخارجية؟ يجيب الكاتب بان هذه الطبقة السياسية واسعة وتشمل «أفراداً ومنظمات منخرطة بشكل نشط ومنتظم في القضايا الدولية». وللتوضيح فان أعضاء النخبة هم من محللي وكالة الاستخبارات المركزية، الديبلوماسيين في الخارجية، كبار الزملاء في مراكز البحث، أساتذة العلاقات الدولية، الصحافيون المعنيون بالشأن الدولي، بخاصة في الصحف الكبرى، اللوبيات المختلفة، وآخرون.

والسؤال لماذا كل هؤلاء على نسق واحد مؤيد لدور أميركي فعال على المستوى الدولي؟ يعطي المؤلف إجابتين لهذا التساؤل. الأول، يتعلق بان القياديين يشكلون كتلة رغم الاختلافات الحزبية بسبب العلاقات المتعددة والتنظيمات التي خدموا فيها معاً، وبالتالي تشكل مجتمع سياسي من هؤلاء. ويجتذب معهم آخرين في أول السلم أو نصفه يتسلقون بواسطة التماهي مع هذه القيادة والتي ترى أن دور واشنطن ضروري لقيادة النظام العالمي. والثاني، أن المجتمع السياسي يزدهر ويتوسع بتمدد النفوذ الأميركي في العالم والذي يتطلب مزيدا من الخبراء في الشأن الدولي. وهنا تخلق العلاقة الجدلية بين الانخراط في كل بقاع العالم وازدهار هذه النخب في واشنطن. وانحسار الدور الأميركي في العالم يعني تناقص أو اهتراء هذه الطبقة السياسية.

ويتحسر الكاتب على غياب أصحاب المدرسة الواقعية من أمثال ريتشارد نيكسون، هنري كيسنجر، وبرنت سكوكروفت من هذا التكتل المناصر للهيمنة الليبرالية. ولكن لم يكن أصحاب هذه المدرسة يوماً معارضين للهيمنة الأميركية. بل إن والت يقتبس من كيسنجر الذي يقول إن الاختبار الحقيقي للسياسة الخارجية الأميركية هي حماية «الفرصة الغير عادية والتي أتت لإعادة صياغة النظام الدولي» (ص. 127). إذن ما الفرق بين دعاة الليبرالية الدولية وأنصار الواقعية؟ لا يبدو الفرق كثيراً بخصوص هذه المسألة.

وإذا كان هناك من يستنفع أو يؤمن بالهيمنة الليبرالية والتي لا تجلب منافع وطنية يعتد بها، بل قد تأتي بوبال على البلاد، فلماذا لا يقاوم المواطن في بلد ديموقراطي هذه السياسات الخرقاء؟ يعتقد الكاتب أن النخبة تستخدم أساليب فيها كثير من الخداع لدعم التوجه نحو الانخراط في الشأن الدولي، حيث يبالغ المجتمع السياسي في المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة، ويضخم منافع الولوج في الشؤون العالمية، ويتستر على الكلفة المادية والسياسية في التورط في الصراعات الخارجية. وبما أن الإعلام والمؤسسات البحثية متحيزة للهيمنة الليبرالية، فان النخبة تستطيع ممارسة الحيل وتمريرها على الجماهير، إلى أن استوعب الناخب الأميركي بالتدريج وانحاز إلى الانعزالية التي كان يروج لها المرشح دونالد ترامب.

وإذا كان الفشل في السياسة الخارجية متفشياً بهذا الشكل فلماذا لا يتم تغيير النخبة واستبدالها بأخرى أكثر حنكة؟ هذه إحدى الحقائق المخيبة بالنسبة للكتاب والتي هي غياب المحاسبة والمسؤولية في هذا الوسط السياسي. بل يرى الكاتب أن الفشل قد يؤدي إلى ترقية للمتسببين بالإخفاقات المتكررة. ويورد على سبيل المثال المشتغلين بالمسيرة السلمية مثل دينس روس، وإرون ميلر، ومارتين أنديك. فرغم فشلهم المتكرر في التوصل إلى حل سلمي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلا أن هؤلاء يعاودون العمل مع إدارات متعاقبة. والعكس يبدو انه صحيح. فالذين يسدون نصائح جيدة لا يتلقون أي اعتراف أو تعين في مناصب عليا. فعلى سبيل المثال، الذين اعترضوا على غزو العراق وحذروا من نتائجه الوخيمة لم يدعوا لاستشارة الحكومة أو لإلقاء محاضرة للمؤسسات البحثية أو الفكرية.

هل من بديل؟

خطابياً كان ترامب يروج لبديل للهيمنة الليبرالية، ولكن، كما يرى الكاتب، أخطأ في تنفيذ ما يراه. والأدهى أن ترامب لم يستطع أن يغير الكثير من التوجه السابق، بل زاده سوءاً لقلة خبرته ورعونته السياسية. وواجه الرئيس بدوره معارضة قوية من المجتمع السياسي والذي يرى ازدهاره في سياسة خارجية منخرطة في القضايا الدولية. وقد أدى سوء الأداء والتوجه الخاطئ إلى فقدان الولايات المتحدة مكانتها وسمعتها الدولية.

وأخيرا يعرض الكاتب البديل للاستراتيجية الأميركية حيث يقول إن أفضل بديل يحفظ للولايات المتحدة مكانتها وامنها ورفاهيتها هو استراتيجية «التوازن عن بعد». أي أن الولايات المتحدة تحتفظ بقوة بحرية وفي الأفق ودون التدخل المباشر في البر. وتشجع الدول في الإقليم للحفاظ على ميزان قوة يمنع هيمنة أي قوة على ذلك الإقليم. وإذا ما سعت دولة لتغيير ميزان القوة لصالحها، فان الوجود البحري للولايات المتحدة يتدخل لإعادة كفة الميزان ومنع تلك القوة من السيطرة على منافسيها. وهذه الاستراتيجية تطلب من شركاء الولايات المتحدة تقاسم عبء امن منطقتهم مع واشنطن. وبذلك يتسنى للولايات المتحدة الحد من كثير من نفقاتها العسكرية واستثمار هذه الأموال في الداخل.

* كاتب وأكاديمي إماراتي.