أزمة المقاتلين الأجانب وإمكانية دمجهم في بلدانهم

مقاتلو «داعش» في سورية. (رويترز)
منير أديب |

يقف المجتمع الدولي أمام مشكلة كبيرة بخصوص المقاتلين الأجانب بعد تحرير الأراضي التي سبق واحتلها تنظيم «داعش» في 29 حزيران (يونيو) 2014، فبعد إعلان تحرر مدينتي الرقة والموصل بعد ثلاث سنوات من احتلال التنظيم الأكثر تطرفًا في العالم؛ طفت على السطح ظاهرة عودة المقاتلين الأجانب وإمكانية التعامل معهم، والتي اختلفت الجهات الأمنية والدولية في تحديد أعدادهم على وجه الدقة. وعندما أعلن وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، وجود قرابة سبعمئة مقاتل أجنبي في حوزة «قوات سورية الديموقراطية»؛ بدت المشكلة أكثر وضوحاً وباتت سيناريوهات التعامل مع هؤلاء المقاتلين متباينة، بخاصة وأن ماتيس رأى أنه من الصعب أن يبقى هذا الكم الكبير من المقاتلين في السجون في ظل كثافة هجمات «داعش» التي تستهدف «قسد».


وجود مئات من المقاتلين الأجانب بعد إعلان تحرير «داعش» في 9 كانون الأول (ديسمبر) من العام 2017 دفعنا للبحث عن سيناريوهات التعامل مع هؤلاء المقاتلين وإمكانية دمجهم داخل مجتمعاتهم التي انحدروا منها، مع النظر لخطورة هؤلاء المقاتلين الذين يتوزعون بين أكثر من 40 بلداً عربياً وأجنبياً. لا توجد رؤية لدى غالبية العواصم العربية خصوصاً بالتعامل مع المقاتلين الأجانب بعد أن عادوا من المناطق التي تشهد صراعاً مسلحاً، فهناك مشكلة كبيرة خاصة بدمج هؤلاء المقاتلين وهم الأكثر شراسة عن غيرهم ممن ينتمون للتنظيمات المتطرفة، ففكرة دمجهم لا تقل أهمية من محاولة تفادي خطورتهم.

المجتمع الأوروبي يرى مشكلة في وجود المقاتلين الأجانب، فتارة يرفض استقبالهم خشية وجود صعوبات ترتبط بجمع أدلة حولهم، وفي الوقت نفسه تفادياً لتأثير هؤلاء المقاتلين على السجناء الآخرين، فهم الأقدر على نقل فيروس التطرف العنيف داخل هذه السجون.

المجتمع الأوروبي لديه مشكلة خاصة باستقبال المقاتلين الأجانب وخشية تأثير وفود المقاتلين في الأقليات واللاجئين الذين نزلوا عليها، وهؤلاء يشعرون بالتهميش مما يضعهم في خانة الأكثر خطورة، وهو ما يدفع الحكومات الأجنبية بالوقوف أمام استقبالهم بأي صورة حتى لو كان من أجل محاكمتهم.

هذه الدول لديها مشكلة أكبر ترتبط بعدم وجود أحكام خاصة بالإعدام، كما أن هذه الدول سوف تلتزم بالتعامل مع هؤلاء المقاتلين وفق ما ينص عليه القانون الدولي والتزامات حقوق الإنسان، وهو ما يصب في صالح التنظيمات الأكثر تطرفاً، ويتيح عودتهم من جديد للساحة، ولذلك تُفضل هذه الدول عدم وعودة المقاتلين الأجانب إليهم ومحاكمتهم خارج حدود دولهم مع نزع الجنسية عنهم.

واشنطن ترى ضرورة عودة المقاتلين الأجانب إلى العواصم التي انحدروا منها، لأنه ليس بمقدور «قوات سورية الديموقراطية» التي لديها عدد كبير من هؤلاء المقاتلين، وهي غير قادرة على اعتقال هؤلاء المقاتلين على المدى الطويل. ولذلك لا بد من إتاحة فرصة أكبر للحوار والنقاش بخصوص التعامل مع المقاتلين الأجانب يجمع الدول التي سبق واحتل «داعش» جزءاً من أراضيها مع الدول الكبرى التي تُعاني من ظاهرة عودة المقاتلين الأجانب أو التي سافر عدد كبير من أبنائها لتنظيم «داعش» بحضور الدول التي تضع على كاهلها مواجهة الإرهاب الدولي مثل مصر والإمارات والسعودية، فهذه الدول لديها تصور للتعامل مع المقاتلين الأجانب. تنظيم «داعش» من التنظيمات عابره القارات، وهو ما يضع تحدياً يرتبط بمواجهته التي لا بد ألا تكون محدودة وغير مقتصرة على الدول التي تُعاني من إرهاب هذا التنظيم للسبب الذي سبق ذكره، وهو أنه ليس تنظيماً إقليمياً أو محلياً، وهو ما يفرض التحدي ذاته في مواجهته يستلزم فتح نقاش دولي حول صور التعامل مع المقاتلين الأجانب الذين أتوا من أكثر من أربعين دولة. من المهم أن يتسع الحوار لمناقشة مدى قابلية هؤلاء المقاتلين لمراجعة أفكارهم وعما إذا كانت مناصحة بعضهم مجدية من عدمه، ومصر لها دور سابق في مراجعة أفكار الجهاديين على أراضيها وقد نجحت في تجنيب آلاف المتطرفين من استخدام العنف ومن قبل تبني الأفكار المتطرفة، وتم دمج هؤلاء المتطرفين وبعضهم أصبح من دعاة الوسطية ونجح في إيصال رسالته من واقع تجربته السابقة.

المقاتلون الأجانب قنبلة موقوتة في وجه العالم ولكنهم قد يصبحون دعاة سلام ومنابر متحركة تدعو للوسطية إذا حسُن التعامل معهم وفق خطورتهم ورغبة البعض منهم العودة عن أفكارهم السابقة، مع مراعاة أن التشكيك في بعضهم ممن يراجعون أفكارهم قد يحملهم للعودة للأفكار السابقة.

• كاتب مصري.