المواطنة والانتماءات الدينية البديلة... مصر نموذجاً

5.jpg
خالد أبو الليل |

تتعدد أشكال الانتماء البديل، ما بين الانتماء للأحزاب السياسية، انتماء لا يهدف إلى خدمة الوطن، ولكنه يخدم مصالح لشخصية، وكذا هناك الانتماءات الرياضية البديلة، كأن يكون انتماء الفرد المشجع لأحد الأندية أكثر قوة من انتمائه لمنتخب وطنه. غير أن أخطر هذه الانتماءات البديلة يتمثل في الانتماءات الدينية البديلة، كأن يقوم شخص ما بإزاحة الوطن أو الدين ليحل محله انتماؤه لأحد التيارات الدينية، على نحوٍ يصير معه هذا الانتماء الديني الجزئي بديلاً عن الوطن والدين.


لقد تخلت الدولة المصرية في عصر مبارك عن دورها في تقديم بعض الخدمات الاجتماعية، كمساعدة الفقراء، والتأمين الصحي، وهو ما سمح لبعض التيارات الدينية بالتغلغل بين صفوف الطبقات الشعبية، فقامت بهذه الأدوار، مدعية أنها- من ناحية- تساعد الدولة في القيام بما عجزت عن القيام به، وكذا- من ناحية ثانية- أنها تقدم يد العون لمن يحتاج المساعدة من الفقراء والمرضى. فالمرضى كانت تقدم لهم القوافل الطبية التي كانت تجوب القرى المختلفة، والفقراء كانت تدعمهم بالشاي والسكر والزيت، والمال. وظنت الدولة أن هذا التيار الديني عندما يقوم بذلك فإن هذه غايته، وأنه لا يستهدف أشياء أخرى، وأن أنشطته تحت سيطرة الأجهزة المختصة. الأمر الذي سمح لهذا التيار ولغيره بالتغلغل في القرى المصرية. لقد أدرك «الإخوان» أن امتلاك زمام الأمور لا بد أن يبدأ من تكوين قاعدة شعبية عريضة. ولكي يتحقق ذلك، فإن سبيلهم إليه هو استغلال آفتي الفقر والجهل. هذا إلى جانب استغلال ثقة الناس في الشخصية المتدينة، أو التي تقدم نفسها على أنها متدينة (تِعرف ربنا). فالفقر والجهل قد يدفعان المرء إلى أن يكون فريسة سائغة لمن يرغب في استغلاله. لقد أدى غياب الدولة في الفترات السابقة، وتقديم التيارات الدينية البديل الاجتماعي لهذه الطبقات، إلى أن ينصرف انتماء الناس عن الوطن ليذهب إلى هذا الفصيل. وهو استبدال منطقي؛ إذ ماذا تنتظر من فتاة كاد زواجها ألا يتم، لولا مساعدة «الإخوان» لها ولأسرتها في شراء جهاز عرسها؟ وكذا ماذا تنتظر من شاب كاد استكماله لتعليمه يتعثر لوفاة والده، أو لفقر أسرته، لولا أن «الإخوان» قاموا بتبنيه والإنفاق عليه، حتى انتهى من دراسته؟ بل ماذا تنتظر من شخص كان يُلقى في المستشفيات الحكومية لأيام عدة من دون اهتمام أو عناية، إلى أن أنقذته قافلة طبية إخوانية؟ وأيضا ماذا تنتظر من طفل كان يلقى تعنتا من أسرته، وعدم احترام لآرائه، إلى أن ينتشله إخواني فيقوم باحترام رأيه، وإعادة ثقته بذاته، من خلال استقطابه إلى حلقات تربية وتنشئة إخوانية؟ أضف إلى ذلك وسائل الدعاية الإخوانية التي تروج لصورة الإخواني المُخَلِّص «بتاع ربنا»، الذي يحلم بأن يملأ الأرض عدلاً. كثيرون انخدعوا في الهدف من تقديم هذه الخدمات، فالتصقت بالإخوان صفة «دول بتوع ربنا». إن هذه الأعمال الخيرية- أو التي ظنها البعض كذلك- جعلتهم يوصفون بتلك العبارة، وهي التي جعلتهم يستحوذون على نصيب كبير في انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) عام 2005. ولولا الاتفاق الذي أبرم بين الدولة آنذاك وبينهم بالاستحواذ على عدد محدد من المقاعد، لربما استحوذوا على أكثر من نصف المقاعد برغبة شعبية حقيقية. وإلى جانب انتصار الانتماء البديل (الإخوان) على الوطن، فإن الأخير صار هو العدو والخصم.

لقد كان هذا التمسك منطقياً من قبل الأنصار؛ خصوصاً أن هذا الانتماء البديل يقوم على تحقيق مصالح الفقراء، قليلي المعرفة، ممن يرتبط مفهوم الانتماء عند الكثيرين منهم بمدى ما يقدمه المنتمى إليه من خدمات وإعانات وإعالات. لهذا وجدنا أثناء ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، ثم حزيران (يونيو) 2013، من يقدم روحه فداء لهذا التيار عن اقتناع وإيمان، واقفاً في مواجهة الوطن. هذا الوطن الذي- من وجهة نظره- تخلى عنه، فلم يعلمه، ولم يعالجه، ولم يساعده، وإنما من قام بذلك هو فصيل ديني معين، فطبيعي أن يكون الانتماء للجزء وليس الكل، ويصير الجزء بديلاً عن الكل. كل هذا لأن تيار الإخوان عمل بين الطبقات الشعبية الكادحة (الفقر والجهل)، وهو ما قام به هذا الفصيل وفق خطة ممنهجة، ومن خلال أدوار للقيادات والكوادر الإخوانية حسب شبكات تنظيمه السرية القائمة على استقطاب وجوه جديدة وتجنيدهم ضمن هذا التيار دون علمهم بذلك، رافعين شعار الدين. هذا في الوقت الذي انحصر فيه دور «الحزب الوطني» الحاكم - في تلك الفترة- في أمور عليا تتعلق بالصفوة من أصحاب البلايين، من خلال «لجنة السياسات» التي لم تعبأ أو تهتم بالطبقات الشعبية، وإنما انشغلت بوضع سياسات عليا، من خلال استقطاب علماء ومفكرين ورجال دولة جدد، يرسخون للنظام القائم أو النظام المتوقع قدومه. فلقد أدرك الإخوان أن البدء من القاعدة الشعبية سينتهي- لا محالة- بالوصول إلى الحكم، ولم يدرك «الحزب الوطني» أن تجاهل البسطاء والفقراء وتهميشهم وتهميش حقوقهم سينتهي- لا محالة أيضاً- بإقصائهم من الحكم.

كل هذا- ربما- يفسر لنا من أين جاء هذا التمسك والاستبسال في الدفاع عن الجزء وليس الكل، وهو استبسال يتساوى فيه أبناء هذا التيار، رغم اختلاف شرائحهم أو مستوياتهم الثقافية أو التعليمية. فالكل مدين لهذا الفصيل بحياته؛ إذ تلقفه طفلاً فرباه أمام عينيه. تلقاه عجينة طرية، وشكَّلها على نحو ما يرغب. تلقاه زجاجة فارغة وملأها بما يريد من الأفكار، المنافية لفكرة المواطنة المدنية، أو حتى لمفهوم الدين في معناه الصحيح. في مثل هذه البيئات الفقيرة، والأقل- وربما المنعدمة- تعليمياً، يتولَّد - تلقائيا- موقف عدواني تجاه الدولة؛ لاستشعارها الظلم والإهمال والتهميش.

والآن، تدرك الدولة خطورة هذا الأمر، بخاصة بعدما تبدى الدور الأكبر لهذه الشرائح الشعبية البسيطة، في تحريك أحداث الثورتين. ومن هنا أدركت الدولة- أخيراً- أن ترك هذه البيئات لقمة سائغة في أيدي التيارات الدينية، يجعل أفرادها قنابل موقوتة. لذلك شرعت في القيام بعدد من المشروعات وإطلاق العديد من المبادرات التي تخدم المواطنين. أصبح هناك معاش «تكافل وكرامة»، ومبادرة «مئة مليون صحة»، إلى جانب مشروعات السكن، والقضاء على فيروس التهاب الكبد الوبائي، وغيرها. هذا هو التحول المهم، هو أن تقوم الدولة بدورها تجاه أبنائها ممن يحتاجون الدعم والمساعدة أو العلاج. ولذلك فإنني أتفهم تماما موقف البعض ممن يشككون في قيمة هذه المشروعات أو المبادرات الوطنية، ولكنني لا أتفهم هذا التجاهل الإعلامي- بخاصة في شقه الحكومي- لمثل هذه المبادرات. والغريب أن البعض لا يكتفي بالتجاهل بل يسعى إلى التشكيك في جدوى كل ما يقوم به النظام الحالي، من خلال نشر الشائعات. مع أننا لو تأملنا ما تقوم به الدولة المصرية الآن لوجدنا أنه يمثل عودة إلى تفعيل دورها تجاه مواطنيها، وعدم السماح للكيانات الوهمية في منازعتها القيام بدورها. وعلى أية حال لازال على الدولة المصرية أن تبذل الكثير من الجهود لإعادة بنور جسور الثقة بينها وبين المواطنين، تلك الجسور التي تهدمت على مدار أكثر من ثلاثين عاماً. هذه الثقة هي التي ستجعل المواطنين يقدرون مثل هذه المبادرات الوطنية، ويضعونها في الاتجاه الصحيح، دون الاستماع للمتشككين من زارعي الفتن أو الشائعات.

• أكاديمي مصري.