«إعلام المصريين» لتطوير «ماسبيرو»: تضارب مصالح أو تكامل أهداف؟

القاهرة – هبة ياسين |

اجتاحت حالة من الغضب أبناء التلفزيون المصري وبعض العاملين والخبراء في الساحة الإعلامية المصرية بعد الإعلان عن توقيع بروتوكول بين «الهيئة الوطنية للإعلام» برئاسة حسين زين و»مجموعة إعلام المصريين» برئاسة تامر مرسي، أُسند بموجبه عملية تطوير «ماسبيرو» إلى «مجموعة إعلام المصريين» التي أصدرت بياناً جاء فيه أن هذا البروتوكول يهدف إلى تقديم محتوى أفضل ومتطور على شاشات التلفزيون المصري وذلك بتعاون الخبرات الموجودة لدى التلفزيون المصري و»مجموعة إعلام المصريين» خلال خمس سنوات هي مدة البروتوكولات.


ويضم التلفزيون المصري كوادر كبيرة عملت وساهمت في تأسيس ونجاح قنوات خاصة وإقليمية شهيرة وأخرى دولية ناطقة بالعربية، ويعد واحداً من أقدم التلفزيونات الحكومية في الشرق الأوسط، اذ انطلق بثه في العام 1961، ويقع مقره في مبناه الشهير «ماسبيرو» الراسخ على ضفاف النيل وسط العاصمة المصرية ويتولى إدارته «الهيئة الوطنية للإعلام» المنوط بها إدارة المؤسسات الإعلامية الرسمية المملوكة للدولة.

وسرت الهمهمات بين العاملين في المبنى العريق عبر مواقع التواصل الاجتماعي رفضاً لتلك الخطوة، متسائلين كيف لشركة إعلامية عمرها سنوات معدودة أن يسند إليها تطوير كيان كبير مثل التلفزيون المصري، بخاصة أن «إعلام المصريين» تعتبر منافساً له. واستنكروا تجاهل أبناء ماسبيرو في خطط التطوير المتوالية والتي لم تحقق المرجو منها على مدار سنوات. وسرت التساؤلات الاستنكارية عن مصير عمليات التطوير السابقة، فيما أبدى آخرون تخوفهم وخشيتهم على كنوز التلفزيون المصري من أفلام ومسلسلات وبرامج ومحتوى نادر والاستعانة بها لملء فراغ القنوات الخاصة، معتبرين أن الدولة تتخلى عن المبنى العريق.

وقال الرئيس السابق لقطاع الأخبار بالتلفزيون المصري إبراهيم الصياد لـ «الحياة»: «لا أحد يرفض التطوير بل نسانده بشرط الاعتماد على أبناء ماسبيرو بما لديهم من تراكم خبرات ربما لا يتمتع بها آخرون، ولكن ينبغي منحهم الإمكانات اللازمة وتهيئة المناخ المناسب لهذا التطوير». وأضاف: «حاولت قراءة ما بين سطور هذا البرتوكول مع شركة «إعلام المصريين» التي يبلغ عمرها سنوات قليلة معدودة وكيف يسند إليها تطوير صرح إعلامي تقترب سنواته من الستين عاما».

وبموجب البروتوكول اتفق الجانبان على إنشاء قناة فضائية جديدة تهتم بخدمات الأسرة العربية ومحتواها بالدرجة الأولى موجهة للمنطقة العربية لتكون تلك القناة هي باكورة مجموعة قنوات فضائية تبث عبر الـ»نايل سات» لتغطية المنطقة العربية بخدمات إعلامية متنوعة ومتطورة في مجالات عدة تهم المنطقة العربية.

وقال الصياد: «المفاجأة أن الاتفاق يستهدف استحداث باقة جديدة من القنوات، منها قناة للأسرة بينما يوجد بالفعل في التلفزيون المصري قناة بالاسم ذاته، وهو ما يتطلب توضيحاً، كما يفترض الاتجاه إلى تطوير القنوات الرئيسية. كما أتصور أن إنشاء قنوات جديدة أمر يحتاج التوقف أمامه والتساؤل هل هناك حاجة إليها وما مصير القنوات الحالية؟». وأسند إلى مجموعة إعلام المصريين بالشراكة مع الهيئة الوطنية العمل على تطوير المحتوى الإعلامي. وجاء ضمن بنود الاتفاق الشراكة في الحقوق الإعلانية من أجل تعظيم العائد المادي لتلك القنوات سواء الموجودة حالياً منها أو القنوات الجديدة.

وحذر الصياد من مغبة الحديث الدائم عن تعظيم موارد التلفزيون المصري وزيادة مساحة الإعلانات من دون الانتباه الى أن ماسبيرو «إعلام خدمي» بالدرجة الأولى، ومن ثم يجب على الدولة أن تقف إلى جانبه وتسانده، وعدم التعامل معه كما لو كان قناة خاصة لكونه يمثل شأناً مختلفاً فهو «إعلام الدولة» ولا يمكن لها أن تتخلى عن إعلامها ونوافذها، وتلك حقيقة ينبغي التوقف عندها وثمة حاجة للبحث عن مبادرة لإنقاذ ماسبيرو». وطالب بالتريث في عقد صفقات مع الجهات المختلفة لتطوير ماسبيرو طالما لا تمتلك رؤية شاملة».

وعن حلوله المقترحة للخروج من هذه الدائرة المفرغة أشار إلى أن الإعلام المصري يفتقد وجود رؤية واستراتيجية مستقبلية، رغم أن مبنى ماسبيرو يعج بالخبرات القادرة على صناعة استراتيجية لمستقبل الإعلام المصري، لكن السير في ركاب أي شركة تطرح مشروعاً للتطوير فهو أمر غير مستحب».

وشهد التلفزيون المصري محاولات عدة لتطويره خلال السنوات الأخيرة جاء آخرها العام الماضي، حين أسند إلى مؤسسة «أخبار اليوم» (مؤسسة صحافية) تطوير القناة الأولى، لكنه لم يحقق نتائجه المرجوة وانتهت المهمة بفشل ذريع.

وعن تفاصيل عملية التطوير والقلق المثار بفعل الأخبار المتداولة والمتضاربة حول هذا الاتفاق، أوضح عضو الهيئة الوطنية للإعلام الدكتور جمال الشاعر لـ»الحياة» أنه لن يتضرر أحد في ماسبيرو جراء ذلك، وهذا البروتوكول يخص الشراكة بين الهيئة و»إعلام المصريين» في بعض المواضع بينها امتياز الإعلانات، بخاصة أن المنافسة على «التورتة» الإعلانية جبارة وعروض الوكالات الإعلانية التي تلقاها ماسبيرو كانت أقل من طموحنا ومطالبنا، وجاء عرض إعلام المصريين كأفضلها».

ونوه بأن «هذه الشراكة تأتي لصالح المشاهد والجمهور، إذ تتعلق بحقوق بث المباريات الدولية، فثمة اتفاق بين الجانبين على بعض الإجراءات التي من شأنها إتاحة مشاهدة تلك المباريات للجمهور». وأشار إلى «أن التحدي الكبير هو تطوير المحتوى، ما يتطلب جهداً أكبر وإيجاد شكل جديد لبرامج مؤثرة تكون «براند» للقنوات وليس مجرد ملء فراغ».

وعن تخوفات البعض على كنوز التلفزيون المصري وانتقالها إلى المؤسسات الخاصة، نفى الشاعر القيام بذلك قائلاً: «القانون يحكم الجميع. فهذه مسألة لا يملك قرارها أحد والسماح بعرض مواد أرشيف التلفزيون المصري يتم وفقاً لاتفاقات ونظير مقابل وإلا تعرض فاعلها للمساءلة».

وعن تفاصيل تأسيس قناة للأسرة في حين يضم التلفزيون المصري قناة تحمل الاسم ذاته، قال عضو الهيئة الوطنية للإعلام: «حدث التباس في شأن هذه القناة التي ستوجه للأسرة العربية عموماً. فهي لا تحمل المسمى ذاته ولا تركيبة قناة «الطفل والأسرة» التابعة لقنوات النيل المتخصصة، لكنها فكرة جديدة نتوجه بها إلى الجمهور العربي».

وفي شأن الانتقادات الواسعة التي وجهت لهذا الاتفاق وكيف يمكن لشركة وليدة القيام بتطوير التلفزيون المصري وإغفال كوادره الحالية أو المهاجرة، أكد أن «التطوير سيكون على أيدي أبناء ماسبيرو، وهناك بعض البرامج ذات الإنتاج المشترك بالتنسيق مع «إعلام المصريين»، والإنتاج المشترك يضم الامتياز الإعلاني وستعرض الأفكار الجديدة على الهيئة للبت فيها سواء جاءت هذه الأفكار من ماسبيرو أو من «إعلام المصريين». وجرى العرف أن يكون هناك تفاوض بين الوكالة الإعلانية والجهة العارضة حول شكل البرنامج والوصول إلى أفضل صيغة بغية تحقيق أعلى نسبة مشاهدة وبالتالي أعلى نسبة إعلانات في حالة الانتاح المشترك فقط».

وشدد الشاعر على أن «المنافسة صارت كبيرة جداً بين القنوات ولا يمكن لجهة ما أن تتحرك من دون شراكة أو اندماج، إذ لا يمكن لأي مؤسسة المنافسة منفردة، وثمة ضرورة للتكامل الإعلامي المصري، وتكون التخوفات مبررة إذا كانت المنافسة مع قنوات خاصة أو قنوات عربية لغير صالح المشاهد المصري، أما «إعلام المصريين» فهي ليست ببعيدة من توجه الدولة المصرية وهذه الشراكة بين كيانات إعلام مصري بأجنحته المختلفة سواء كان مؤسسات الدولة ممثلة في ماسبيرو أو «إعلام المصريين» وهو التجمع الجديد الذي يخدم توجهات الدولة في شكل واضح وأكيد».

وأضاف الشاعر أن «التحدي الحقيقي أمام الإعلام العربي والمصري ليس الاندماجات والشراكات بل هو مدى الاستعداد للمنافسة، فالقضية ليست التواجد، ولكن هي التطوير والتدريب المستمر وتحسين الأداء. وهنا تكمن الخطورة بخاصة مع تنامي ثورة تكنولوجيا الاتصالات مع اتجاه الشركات العالمية الكبيرة لإنتاج المحتوى الإلكتروني وضخ بلايين الدولارات لصناعة محتوى إعلامي سواء عبر إنتاح مسلسلات أو أفلام أو برامج. هذه الأشكال الجديدة من المنافسة هي الخطر، فالشكل التقليدي الحالي للشاشات سيختفي في غضون سنوات مع انتشار شركات إنتاج المحتوى الإلكتروني».