الأحكام المتسرعة على ثورة «25 يناير»

محمد شومان |

ظهرت آراء وانطباعات عن الثورة المصرية وعن ثورات الربيع العربي المتعثرة، سرعان ما أصبحت أحكاماً وتقييمات عامة سائدة في وسائل الإعلام وفي الخطابات السياسية المتداولة، لكن المفارقة أن غالبية هذه الآراء والأحكام جرت مراجعتها ونقدها، كما أن بعض هذه الأحكام والتقييمات انقلب على نفسه وانتهى إلى نتائج وأحكام مناقضة، ويبدو أن هذه العملية مرشحة للاستمرار، لأسباب كثيرة أهمها أن المعاصرة كما يقال هي حجاب على الحقائق، وبالتالي فأغلب ما جرى الترويج له على أنه أحكام مستقرة هو انطباعات، أو ربما أمنيات جاءت نتيجة معايشة الحدث أو الاشتراك في صنعه بدرجة أو بأخرى.


أضف إلى ذلك أن الطابع السياسي لـ25 كانون الثاني (يناير) والربيع العربي يجعله موضوعاً للتنافس والصراع والدعاية للقوى الاجتماعية المتصارعة، والتي يقدم كل منها سرديته للأحداث ويروج لرؤيته وأحكامه بغض النظر عن الحقائق، والمؤكد أن تاريخ الثورات والانتفاضات يكتبه المنتصرون، ومن ثم قد تتغير الأحكام والتقييمات تبعا لمصالح المعسكر المنتصر، ففي مصر على سبيل المثال سادت إلى حد كبير رواية الإخوان المسلمين لثورة كانون الثاني (يناير) بعد وصولهم للرئاسة وسيطرتهم على برلمان الثورة، ونجحوا في الترويج لعديد من الأحكام والتقييمات ذات الطابع الدعائي.

ويمكن القول إن تاريخ يناير والربيع العربي لم يكتب ولا تتوافر حتى الآن مقومات ومناخ الكتابة التاريخية، لأن انتفاضة كانون الثاني (يناير) العظيمة - أو الثورة المصرية المتعثرة - تكمل بعد غدٍ الجمعة عامها الثامن وتدخل التاسع من دون نشر أي وثائق أو معلومات مدققة عن ماجرى .. وكيف حدث .. وأدوار الفاعلين فيها سواء كانوا في ميادين مصر وشوارعها، أو أروقة الحكم والأحزاب وداخل مؤسسات الدولة .. وأهمها القوات المسلحة التي لعبت الدور الحاسم في الانتقال بمصر من عصر مبارك إلى عصر جديد ما تزال ملامحه تتشكل حتى اليوم.

أيضاً تغيب الحقائق والتقارير ذات الصدقية عن أدوار القوى الإقليمية والدولية فيما حدث أثناء الثورة وفي وصول الإخوان للحكم ثم الإطاحة بهم، وذلك رغم أهمية العوامل الخارجية خاصة الولايات المتحدة وبعض الدول العربية وتركيا وإيران في رسم مسار الثورة، ولا أقصد هنا التسليم بسردية أن هناك قوى خارجية تآمرت على الدولة المصرية، وحركت الشارع وقتلت المتظاهرين ونشرت الفوضى، لأن هذه السردية لاتستند إلى حقائق على الأرض، وتفتقر إلى قوة الإثبات فضلا عن افتقارها إلى قوة وتماسك المنطق السليم، فكيف يمكن أن نصدق أن مؤسسات وأجهزة الدولة لم تنجح في التصدي لعشرات أو مئات المتسللين من قطاع غزة، والذين كما تدعي هذه السردية عبروا من الأنفاق ثم من سيناء وصولاً إلى ميدان التحرير !! وكيف يمكن أن الاقتناع بأن شباب الثورة وملايين المصريين كانوا مجرد أداة قامت الإدارة الأميركية بالتلاعب بوعيهم وتوظيفهم للتمرد على النظام والمطالبة بإسقاطه، في إطار مؤامرة كبرى ضمت واشنطن وإيران وحزب الله والإخوان والمسلمين، وفي روايات أخرى تضاف إسرائيل إلى هذا التحالف الغريب الذي سعى إلى إسقاط مبارك والدولة المصرية !!

وبعيداً عن سردية الثورة المصرية كمؤامرة ، والتي تستخدم أيضاً لتفسير وتشويه انتفاضات ما عرف بالربيع العربي، فإن هناك عدداً من الأحكام التي جرى الترويج لها ثم مراجعتها وتصحيحها أذكر منها :-

الحكم الأول أن أحد أوجه عظمة وتفرد 25كانون الثاني (يناير) أنها كانت من دون أيديولوجية محددة أو برنامج، كما كانت من دون قائد أو زعيم على غرار حال لينين في الثورة البلشفية 1917، أو الخوميني في ثورة إيران ضد الشاه عام 1979، وقد اعتبر الكثيرون أن غياب القائد والأيديولوجية والبرنامج قد مكن الثورة المصرية من النجاح في الإطاحة بالرئيس مبارك، حيث ساعد في حشد وتحريك طيف واسع من الأفكار ومن القوى السياسية، كما حال دون وقوع الثورة في براثن المستبد أو الديكتاتور الثوري، لكن أعتقد أن هذه الحكم العام ثبت عدم صحته تماماً في ضوء مسار الثورة، فقد شهد العام الأول انقسامات وصراعات بين معسكر الثوار، ونجح بعض رموز الدولة القديمة، والأهم الإخوان في السيطرة على دفة الأحداث وتوجيهها حتى انتهى الأمر بوصول محمد مرسي وجماعته إلى الحكم .

الحكم الثاني أن «25 يناير» كانت فعلاً ثورياً ينتمي للقرن الواحد والعشرين وإلى المستقبل فقد اعتمدت على فكر وحركة الشباب وعلى وسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع الشبكي، والمجال العام الافتراضي، فالمواطنون متساوون على الشبكة، والتي يمكن من خلالها تبادل المعلومات والآراء والقيام بمهام الحشد والتعبئة والتنظيم، وبالتالي لاحاجة لوجود تنظيم سياسي يقوده زعيم أو جماعة ضيقة .. كل هذا الأفكار والأحكام انتشرت سريعا بعد 25 كانون الثاني (يناير) وثورات الربيع العربي، لكن ثبت أنها غير واقعية، لأنها فشلت في تحقق فاعلية سياسية مستمرة، من هنا فإن القوى الأكثر تنظيما هي التي استطاعت أن تسيطر وتقود الأحداث، حيث نجح الإخوان في اختطاف الثورة، لأنهم القوة السياسية الأكثر تنظيما وانتشارا في المجتمع وبخاصة في المناطق الريفية، وقد فشل شباب الثورة والقوى المدنية في الإطاحة بهم، وبالتالي كان الجيش والذي يمثل أيضاً قوة تنظيمية منضبطة البديل الموضوعي، والممكن للتخلص من الإخوان وحماية الدولة.

الحكم الثالث دار حول الدور الطليعي للشباب في مصر وفي دول الربيع العربي في تفجير الانتفاضات الشعبية وقيادتها من خلال وسائل اتصال جديدة وأفكار وشعارات مبتكرة، وفي هذا السياق انتشر مدخل الصراع الجيلي في تفسير أحداث الربيع العربي، وبالتالي ضرورة تمكين الشباب العربي من قيادة المجتمعات العربية، لأنه هو الأصلح والأكثر قدرة على التعامل مع معطيات العصر وتحقيق التنمية والتقدم والعدالة الاجتماعية، لكن حقيقة الأمر أن هذا الحكم ليس صحيحاً تماماً، فالثورة المصرية لم تعتمد على الشباب فقط، وإنما شاركت فيها كل الطوائف والأعمار، وذلك رغم الاعتراف والتقدير بأهمية الدور الطليعي للشباب في تفجير انتفاضة يناير. من جهة أخرى وقع شباب الثورة في أخطاء كثيرة نتيجة قلة الخبرة منهاالتسرع والتعامل مع الواقع برومانسية ثورية تحاول تحقيق كل الأهداف بضربة واحدة، ومن دون الاعتماد على سياسة المراحل أو النفس الطويل، علاوة على الاستهانة بخبرة الشيوخ وبتقاليد الدولة والجيش في مصر، لذلك دخل شباب الثورة في عديد من الصدامات غير الضرورية والتي أنهكت قواهم وقوى الدولة، وقدمت وهذا هو الأهم مبررات قوية لجيل الشيوخ لاستمرار حالة حصار ومنع الشباب من الحصول على مواقع قيادية سواء في أجهزة الدولة أو حتى داخل الأحزاب المصرية التقليدية.

الحكم الرابع يتعلق باعتبار أن الإخوان المسلمين فصيل سياسي عانى مثل غيره من الاضطهاد أثناء حكم مبارك، وقد شارك في الثورة ومن ثم من حقه الاشتراك في العمل السياسي وفي بناء مصر، لكن المأساة أن هذا الحكم روجت له كل القوى والأحزاب المدنية، ودعمته الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي، والتزم به المجلس العسكري، من دون أي تدقيق أو شروط تتعلق :

أولا بتاريخ الجماعة الطويل في ممارسة العنف والإرهاب منذ تأسيسها عام 1928 وأثناء الحكم الملكي قبل ثورة 1952 وحتى حكم عبدالناصر حيث اصطدمت بالدولة في الخمسينات والستينات .

ثانيا بأن الإخوان شاركوا في العمل السياسي والأهلي أثناء حكم الرئيس مبارك، كما تحالفوا معه في بعض المواقف، ولكن من دون إعلان.

ثالثا بضرورة منع الإخوان من استغلال الدين في السياسة والخلط بين الدعوي والسياسي. لقد أدى خلط الدين بالسياسة إلى كارثة دخول السلفيين إلى عالم السياسة والبرلمان، ووصول الإخوان إلى الحكم ومحاولتهم السيطرة على الدولة والمجتمع، وبالتالي تدخل الجيش مدعوما من الشعب للاطاحة بالإخوان في ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013.

* كاتب مصري.

الأكثر قراءة في الرأي