كتاب لألفرد نورث هوايتهد

محمّد حلمي عبدالوهّاب |

في كتابه «كيف يتكون الدين» (ترجمة وتقديم: رضوان السيِّد، جداول للنشر، مارس/آذار 2017) يتحدث ألفرد نورث هوايتهد (1861- 1947) عن مسوِّغات الإيمان الدِّيني، وكيف تُبرِّر المقولاتُ الدينيةُ ذاتَها، ويعتبر أنَّ خصوصية الدِّين تتجلَّى في أنَّ موقف الإنسان منه دائمُ التغيُّر والتحوُّل. ويرى أنه ليس ثمة اتفاقٌ على تعريف الدِّين بشكل عام، وماذا يعني الدِّين الحقيقيُّ، والآخَر المُزوَّر؟ كما أنه ليس هناك إجماعٌ على ماذا تعنيه الحقائق الدِّينية السَّائدة، وليس ثمة اتفاق- ثالثاً- على ما تعنيه الحقيقة في الدين. وبسبب ذلك كلّه ينبغي الاستمرار في التفكير والبحث، ويُصبح مطلوباً اعتبار الدِّين واقعةً حاضرةً وقائمةً في كلِّ مكانٍ على مدى التَّاريخ الإنسانيِّ، ويُصبح مطلوباً أيضاً أنْ ندرس تلك الواقعة من أجل التأكُّد من إمكانية مناقشة المبادئ العامة، وإمكان الفهم الصَّحيح لها.


وبحسب هوايتهد؛ فإنَّ العقلنة في الدِّين تبدأ في مراحلها الـمُبكرة بأهل النبوَّة والاصطفاء، وهذا التطوُّر العالي الوتيرة باتجاه «الدِّين العقلانيِّ» هو الذي تمثَّل في التقاليد الدِّينية الثلاثة الكبرى (الأديان الإبراهيمية: اليهودية والمسيحية، وختاما الإسلام). ومع ذلك فإن هوايتهد لا يُفضل التقليد أو الرؤية السَّامية للدِّين في اليهودية والمسيحية؛ لأنَّها- بحسبه- تضع الله خارج مدارك العقول، بحيث يكون مقطوع الصلة الوجودية بالكون المخلوق. كما يأخذ على المسيحية المعاصرة انشغالها من جديد بالرؤية السَّامية هذه، فضلا عن طرحها تصورات سهلة ذات نزوع ليبرالي لجعل المسيحية من دون أشواك على حد تعبيره. وفي الأحوال كلها؛ يمثِّل الدِّين الإدراك المباشر على المستوى الفردي، إذ تمدُّ الأديانُ العالَم بالمعنى، مع ملاحظة أنَّ الله ليس هو العالَم، على غرار ما في الرؤية الشَّرق آسيوية ورؤية وحدة الوجود الصوفية، لكنه هو قيمة العالَم ومعناه، فهو يحضرُ في العمليات الخلَّاقة، كما أنَّه هو الذي يُحدِّد كلَّ أنماط النظام في العالم.

يقول هوايتهد: إنَّ التَّسويغ، أو الإقناع، هو أساس إيماننا. وهذه هي الحقيقة الدِّينية العليا، التي تُطهِّر الدَّاخل الإنساني. فطبيعتُنا وأخلاقُنا تتطوَّر بحسب تطوُّر إيماننا. تلك هي الحقيقة الدِّينية العليا التي لا ينجو منها أحد؛ فالدِّين هو قوة الإيمان الذي يُصفِّي الدَّواخل. وبسبب ذلك، صارت «الاستقامة» هي رأس الفضائل الدِّينية، وهي استقامةٌ داخليةٌ عميقة. كما أنَّ الدين- في رأيه- هو نظامٌ للحقائق العامَّة التي تؤدِّي إلى إحداث تغيير في الأخلاق والسُّلوك، إذا أُخذت على محمل الـجدّ، وإذا عاشها المؤمن باقتناع عاطفيٍّ عميق وحي. ففي المدى الطويل، تتشكَّل أخلاقنا، ويتشكَّل سلوكُنا الحياتيُّ، استناداً إلى قناعاتنا الذاتية. فالحياة الدِّينية في الأصل هي واقعةٌ ذاتيةٌ داخلية، وهي تُعلِّل ذاتَها بذاتِها، ثم إنَّها بعد ذلك واقعةٌ خارجيةٌ، تتَّصل بالآخرين، وبالسُّلوك الحياتيِّ الخارجي الذي يتأثر بالبيئة والمحيط. فالدِّين هو الفنُّ والنظرية للحياة الإنسانية الدَّاخلية، ما دام الإنسان نفسُهُ هو الذي يُشكِّل قناعته به، ومن هذه الطريق يُصبح جزءًا من طبيعة الأشياء بالنسبة إليه.

والواقع أنَّ محاضرات هوايتهد الأربع التي ألقاها في شباط/فبراير عام 1926 في بوسطن، والتي يتكون منها هذا الكتاب تعدُّ مهمَّة جدًّا في سياق الرؤية التطورية العلمية لجوهر الدِّين ومساره، كما أكَّد مُقدِّم الكتاب. ومع أنَّ هذه الرؤية التطورية العلمية لجوهر الدِّين ومساره عادت سائدة؛ فإنَّها ثبَّتت مقولات الدِّيانات العالمية، وإنْ ما زالت تقولُ بتفوُّق المسيحية. كما أنَّها ربطت الدِّين بالعلم البحْت ربطاً مُحْكماً، وزعْزعت بالتالي الفكرة التي كانت سائدة لأحقاب طويلة عن التعاكُس بين الدِّين من جهة، والتطور العلمي من جهة أخرى.

ففي تمهيد الكتاب يصرِّح المؤلِّف بأنَّ هدف هذه الـمحاضرات كان عرض تحليل مُتماسك للعوامل المتعدِّدة والمؤثِّرة في الطبيعة الإنسانية، وهي العوامل التي تعمل معا وتفعل فعلها في «تكوين الدِّين». وأنه تغيّا من وراء إبراز هذا الترابُط لفتَ الانتباه إلى أنَّ تلك العناصر الثابتة في الدِّين- بحسب إدراكنا- إنَّما يبدو ثباتُها ضمن النظام العام للعالَم، والذي من دون تأمُّل عناصره لا يمكن إدراك متغيرات ذاك العالَم.

وعلى الرُّغم من إقرار هوايتهد بأنَّ الوقائع الاجتماعية مهمَّة جدًّا للدِّين؛ لأنَّه ليس هناك وجود مجرد ومطلق له، لكنه يؤكِّد أنَّ الدِّين يعني التوحُّد والانفراد، فالذي لا يمرُّ بالوحدة والانعزال لن يكون متدينا أبدا. أمَّا الحماسات الجماعية، وحركات الإحياء، والمؤسَّسات، والكنائس، والأناجيل، وأشكال السُّلوك؛ فإنَّها جميعا صيغ مُنقضية، قد تقتضيها احتياجاتٌ عابرة، بيد أنَّ الغائية الدِّينية تقع وراء ذلك كله. فالقيمة الفردية للأخلاق، بحسب هوايتهد إذن، هي التي تدفع لظهور الدِّين. وهذه القيمة قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية. وهكذا ففي دراستنا للدِّين لا ينبغي أن تُسيطر علينا الفكرة القائلة: إنَّ كلَّ اعتقادٍ ديني هو خيرٌ بالضرورة، فالأمر الفاصل في هذا الشَّأن هو الأهمية الـمُتعالية، وحقائق هذه الأهمية تظهر بشكل واضح جدًّا عندما نُحيل على التَّاريخ وتجاربه وظواهره.

أمَّا تجلِّيات الدِّين أو مظاهره الرئيسة؛ فهي أربعة بحسب المؤلِّف، وتتمثَّل في كلٍّ من: الشَّعائر، والمشاعر، والإيمان، والعقْلنة. فالدِّين في تمظهراته يعني شعائر مُنظَّمة، ويعني أشكالا محدَّدة ومُنضبطة من الأحاسيس والمشاعر، ويعني أيضاً تعابيرَ محدَّدة عن الإيمان أو الاعتقاد. وهذه التمظهرات جميعاً تنتظم في منظومة متناسقة ومتماسكة تتلاءم عناصرُها فيما بينها، وإنْ كانت لا تمُارس التأثير نفسه في كلِّ الأزمنة والتَّجارب التَّاريخية.

ففي مرحلة ما من مراحل الإيمان يتحوَّل الدِّين إلى مرجعية، فكما أنَّ الطقوس تثير المشاعر التي تتجاوز ردَّة الفعل باتجاه الضّرورات؛ فإنَّ الدِّين في هذه المرحلة المتقدِّمة يثير أفكاراً تتجاوز الضغوط التي تبعث عليها الظروف، وتفترق عنها. وتبعًا لذلك؛ يمكن للدِّين أن يكون مصدرا للتقدُّم، لكن ليس من الضروري أن يكون كذلك بالفعل؛ لأنَّه في هذه المرحلة من مراحل «تكوُّن الدِّين» فإنَّ الإيمان لا يخضع للاعتبارات النقدية، وبالتالي يسهل على القبيلة أن تقوِّي شعائرَها وتغذِّي أساطيرها من دون الحاجة إلى عوامل خارجية دافعة باتجاه التقدُّم.

لقد مرَّت الأديان بتطورات على المستوى الفرديِّ، واستطاعت أن تتجاوز الأبعاد ذات الأصل الـجماعي والعام، وبدلا من «الجماعة» أصبح «الفرد» هو الوحدة، أو الحلقة الدِّينية الأقوى. وعلى مستوى الشعائر أيضا، فَقَد طقس الرقص القبَلي الجماعي قيمته في مقابل الصَّلاة الفردية التي جرى تبريرها عند البعض بالتأمُّل الفرديِّ. وينتهي هوايتهد إلى تقرير أنَّ النَّظر في تاريخ الأديان يُثبت أن التطوُّر باتجاه «الدِّين المُعقْلَن» إنما يحصل نتيجة ظهور وعي عالمي أو وعي بالعالَم، حيث تمدَّدت دياناتُ الجماعات إلى حدود العقلانية. ولأنَّ هذا الوعي عالَميٌّ؛ فإنَّه يظلُّ بدوره فرديا أو بالأحرى مُتفرِّداً، فالدِّين هو الذي يجعل من الفرد فريدا ومُتفرِّداً في آن معاً. إنَّ عنصر التفرُّد في الدِّين يمكن تلمسه في مختلف التحارب الدينية التي تُجسِّد نوعا من أنواع العقلاني، صادراً عن الحدس المباشر.

من جهة أخرى، يمكن القول: إنَّ عقائد الدِّين ومقولاته تظهر في تجربة الإنسانية، باعتبارها كشفاً واضحاً عن الـحقائق المستورة، وعلى المنوال نفسه تبدو مقولات الفيزياء وتجاربها، والتي تبدو في الإدراك الحسِّي للإنسانية بوصفها حقائق محرَّرة في صياغة واضحة. ضمن هذا السِّياق يتأسَّس الدِّين نتيجة تواصل ثلاثة مفاهيم رئيسة في لحظة من لحظات الوعي الإنساني، وهذه الـمفاهيم تكونُ علاقاتُها بالوقائع والأشياء في تردُّداتِها المُتغيِّرة مع بعضها البعض؛ وهذه المفاهيم الثلاثة هي: القيمة الذاتية للفرد الإنسانيِّ، والقيمة التي تظهر للأفراد فيما بينهم في هذا العالَم، وقيمة العالَم الموضوعي باعتباره جماعة والعلاقات الـمتبدلة والـخصبة الصانعة للعالَم وأفراده، والتي تبدو ضرورية لوجود كلِّ فرد.

إنَّ النقطة الرئيسة في مقاربة هوايتهد هذه تكمن في إلحاحه المستمر على أنَّ لحظة الوعي الدِّيني إنَّما تنطلق من الإحساس بقيمة الذَّات، ثم تتَّسع من بعد لتصبح مفهومًا للعالَم باعتباره فلكاً أو أُفُقاً تنتظم فيه القيم، والتي تتعمَّق بعلائق بعضها ببعض أو تتدمَّر. وتبعاً لذلك؛ فإنَّ الحدْس بالعالَم الـحقيقي يَهَبُ التصورات الفارغة للمبدأ الذي يحدِّد درجات القيمة في مضامين خاصة وواضحة. وهو بذلك يُخالف النظرة السائدة التي تقول بأنَّ «الخبرة الدِّينية» لا تعني حدْساً مباشراً لدى الأشخاص؛ وإنما هي «فطرة» الاتجاه للصحَّة، وأنَّ وجودها في طبيعة الأشياء يُعدِّل الأهداف بحيث إنها تتوافق مع الشُّروط المُتَّسقة، وهذه بدورها تضع نفسها في الاتساق الـمثالي، فالاتساق في العالَم الـحقيقيِّ يتوافق مع طبيعة الأشياء. ضمن هذا الإطار يُحاجج هوايتهد بالقول: إنَّنا إذا اعتبرنا أنَّ «الخبرة الدِّينية» ناجمة عن الحدْس المباشر بالإله؛ فإنَّنا لا يمكن أن نأمل بالحصول على توافق كبير؛ لأنَّ التيارات الرئيسة للتفكير الدِّيني تتقابل وتتناقض فيما يتعلَّق بهذه المسألة. ويستطرد ساخراً: وبالنِّسبة لأولئك الذين يسيرون في هذا السَّبيل (سبيل تأسيس الإيمان على الحدس المباشر)، فإنَّ هناك أملٌ واحدٌ؛ وهو إحْلال «العاطفة والإحساس» محل «العقل»، وعندها يمكن البرهنة على كل شيء، لكن ليس للأناس العقلاء!

ختاماً، إنَّ كتاب هوايتهد يُثير بدوره الكثير من الأسئلة أكثر مما يقدِّم إجابات مُقنعة حول المسائل الرئيسة المتعلقة بتكون الأديان، والإشكالات المرتبطة بها. كما أنه يحتكم إلى منطق رياضي، أو ثنائي صارم، بحيث يجعل «العاطفة» في مقابل «العقل». ومعلوم أنَّ منطق الثنائيات هذا تشوبه العديد من الانتقادات المنهجية، خاصَّة فيما يتعلَّق بتعامله مع المسائل غير الحسية، كالروحانيات والتصوف والعاطفة الدِّينية. وليس أدلَّ على ذلك من المقولة التالية التي وردت عرضا في سياق ردِّ هوايتهد على القائلين بالحدس بوصفه مرجعا للخبرة الدِّينية؛ حيث يقول: «إنَّ العقل هو الضمان الحقيقيُّ لموضوعية الدِّين. فهو يضمن له الاتّساق العام، الذي تفتقر إليه الهسْتيريا»! والواقع أنَّ ما افتقد إليه كتاب هوايتهد هو البُعد الأنثربولوجي في النظر إلى تاريخ الأديان .. وتلك قضية أخرى.