«رحلة إسماعيل»... جولة في المدن المصرية عام 1924

أحمد كمالي |

أول ما يتبادر إلى الذهن حين نقرأ عنوان كتاب «رحلة إسماعيل» هو أننا بصدد رحلة قام بها الخديوي إسماعيل، علماً أنه صدر العام 1927 في عهد الملك فؤاد (ابن الخديوي نفسه) وتوجد على غلافه «الطغراء»؛ وهي طريقة لكتابة أسماء الملوك والسلاطين. وما إن تفتح الكتاب حتى تجد غلافاً آخر فتكتشف أن إسماعيل هو رجل من عامة الناس قام بجولة في ربوع المدن المصرية عام 1924 على مرحلتين، الأولى شملت مدن الوجه البحري واستمرت من 12 أيار (مايو) حتى 23 تموز (يوليو) ثم أخذ راحة حوالي ثلاثة أشهر. وشملت الثانية مدن الوجه القبلي من 29 تشرين الثاني (نوفمبر) إلى 26 كانون الأول (ديسمبر). وبالطبع حاول المؤلف واسمه إسماعيل محمد مصطفى وشهرته الحنفي، أن يضفي على ما قام به نوعاً من الفخامة؛ تشبهاً بشخصيات معروفة دوَنت رحلاتها، ومنهم الأمير محمد علي، على سبيل المثال. ورغم أنها جولة داخلية، فإنها مليئة بالتفاصيل التي يندر أن نجدها في كتب المؤرخين أو الأجانب الذين زاروا مصر. ونتعرف من المقدمة على بعض أسباب الرحلة؛ ومنها أن إسماعيل كان يريد أن يلقي الضوء على مدن مصر لأصدقائه وأهل الفيوم، إذا قرروا السفر إلى القاهرة أو الإسكندرية أو باقي مدن مصر. فنجده يتكلم بالتفصيل عن 23 خطاً للترام تجري في شوارع القاهرة؛ باعتبارها أسرع وسيلة تنقل داخل المدينة وقتها. ويقدم وصفاً تفصيلياً لخط سير كل ترام: من أين وإلى أين، والمحطات التي يمر عليها. كما اهتم بذكر أسماء الفنادق في القاهرة؛ وبخاصة القريبة من محطة القطار، ومنها «القطر المصري»، و «البرازيل»، و «أسيوط» و «اللوفر» و «محمد علي». وتوقّف سريعاً عند الحمامات العمومية ومواعيدها وأسماء بعضها؛ على خلاف معظم الأجانب الذين كتبوا عن مصر؛ إذ أنهم اهتموا بتفاصيل الحمامات كافة باعتبارها مِن عجائب الشرق. وتطرق إسماعيل إلى التماثيل الموجودة في القاهرة، ومنها تمثال لم يكن تمت إقامته بعد، وهو تمثال «نهضة مصر» لمحمود مختار، وذكر المكان الذي سيوضع فيه ونشر صورة له قبل أن يكتمل وإلى جانبه سعد باشا زغلول. فبعد ثورة 1919 تقررت إقامة تمثال يرمز إليها وأسندت المهمة إلى الفنان محمود مختار، وتم عمل اكتتاب بين المصريين للمساهمة في تكاليف التمثال وجموع الشعب بذلك الحدث لذلك كان من الطبيعي أن يشير إليه إسماعيل الحنفي في كلامه عن رحلته. وصحيح أن التمثال تمّ وضعه في المكان المحدّد له ولكن كان ذلك عام 1928 بحضور كبار رجال الدولة ولم يكن فيهم سعد باشا الذي توفيّ قبلها بعام. وتكلم عن كباري (جسور) القاهرة واعتبر كوبري «قصر النيل». هو بالطبع كان يتكلم عن الكوبري القديم الذي أنشئ في عهد الخديوي إسماعيل. فبعد ذلك التاريخ بسنوات قليلة تم تفكيكه وإقامة الكوبري الحالي (1933) ليتحمل العدد الكبير من السيارات التي عرفت طريقها إلى القاهرة وقتها. ثم وصفَ الإسكندرية، وأهم البنوك فيها، ومنها البنك السلطاني العثماني والبنك الشرقي الألماني، وبعضها يعد تحفة معمارية. ومِن بورسعيد، ذكر معلومة؛ نادراً ما نجدها لدى المؤرخين، وربما يكون إسماعيل الحنفي انفرد بها، وهي خاصة بتمثالين؛ واحد لفرديناند ديلسبس (مهندس حفر قناة السويس) والثاني للملكة فيكتوريا؛ ملكة بريطانيا التي كانت تحتل مصر حينذاك. والكل يعرف تمثال دليسبس والذي أثير جدل بشأن تحطيمه في أعقاب تأميم القناة عام 1956، ثم ظهرت قبل بضعة أعوام أصوات تقول أنه لم يتم تحطيمه بل تم نزعه من قاعدته وأنه مازال سليماً. وفي المجمل هو معروف لدى الكثير مِن المصريين. لكن تمثال الملكة فيكتوريا لم نسمع به ولا نعرف مصيره ومتى تم وضعه ومتى تم التخلص منه وكيف؟

ووصف إسماعيل «الغربية» بأنها أكبر مديرية من حيث المساحة والسكان في مصر. والمديرية هي التي صارت تعرف بعد ذلك بالمحافظة. وقال إن مساحتها تقارب المليون ونصف فدان، وتعداد سكانها حوالى المليون ونصف من السكان، وذلك طبقاً لزمن الرحلة عام 1924.

كما وصف مدينة الزقازيق بأنها أهم مدينة في القطر المصري (وهي مدينة عامرة ذات قصور شاهقة). وأشار إلى مدارس المنوفية، ومنها مدرسة «جمعية المساعي المشكورى الثانوية»، وقال إنه التحق بها عام 1917. ويُذكر أن تلك الجمعية اضطرت لتسليم مدارسها لوزارة المعارف العمومية لتساعدها في المصاريف وسير العملية التعليمية فيها أثناء الأزمة الاقتصادية التي ضربت مصر والعالم في الثلاثينات من القرن العشرين، وكان الرئيس المصري السابق حسنى مبارك، من خريجي إحدى تلك المدارس.


ومن المدهش أن إسماعيل في حديثه عن الجيزة، اهتم بشدة بحديقة الحيوان ونوعيات الحيوانات الموجودة فيها، ونشر جدولاً للمواعيد التي تتناول الحيوانات الطعام فيها وذكر سعر تذكرة دخول الحديقة، وكان وقتها خمسة مليمات، وهو ما يساوي حالياً خمسة جنيهات. بينما مرّ مرور الكرام على آثار الجيزة وعلى رأسها الأهرامات وتمثال أبو الهول. وفي المقابل أفاض في وصف الفيوم وآثارها، ربما باعتبارها مسقط رأسه. وتضمّن الكتاب جدولاً بأسماء أشخاص تعرّف المؤلف عليهم أثناء الرحلة، وهم ستة موظفين وثلاثة طلاب واثنين «مِن ذوي الأملاك»؛ وهو وصف لم يعد مستخدماً في مصر. وختم رحلته بعبارة: «هذه الرحلة هي بادرة عملي»، لكننا لم نعرف له غير ذلك الكتاب، الذي يعتبر من بواكير أدب الرحلات العربي في العصر الحديث.