لئلاّ يكرّر عادل عبد المهدي أخطاء السابقين

حميد الكفائي |

كثيرون تفاءلوا، وأنا بينهم، بتكليف عادل عبد المهدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة. ولم يكن التفاؤل مجرد تمنٍ أو رغبة طوباوية، وإنما كانت هناك أسس مفترضة للنجاح منها خبرة عبد المهدي السياسية وتخصصه في الاقتصاد واطلاعه على السياسة الدولية وإجادته ثلاث لغات، وأخيرا عدم اكتراثه (المفترض) للبقاء في المنصب، بناءً على سجله السابق. إلا أن الأحداث اللاحقة برهنت بأن الرجل اكثر تمسكا بالمنصب مما تصورنا الى حد استعداده للقبول بمرشحين غير أكفاء لشغل الوزارات إرضاءً للكتل السياسية.


ففي التشكيلة الحكومية الأولى التي قدمها للبرلمان، كانت هناك عجائب ومفاجئات زعزعت ثقة الناس به وكادت أن تطيح بحكومته، ولولا مساومات وتنازلات وصفقات، لما تمكن عبد المهدي من تمرير 14 وزيرا، الأمر الذي جعل من حكومته دستورية، حسب تفسير المحكمة الاتحادية المثير للجدل القاضي بأن إقرار البرلمان لأكثر من نصف أعضاء الحكومة يكفي للإيفاء بالشرط الدستوري، ويمكن رئيس الوزراء إكمال حكومته لاحقا متحررا من قيد الزمن.

بعض الأسماء التي قدمها عبد المهدي لشغل وزارات مهمة تقترب من الفضائح، وحتى بين الوزراء الذين أقرهم البرلمان، هناك متهمون بالإرهاب والفساد، ومنهم من امتنع عن أداء اليمين الدستورية بسبب الرفض الشعبي له. والمستغرب أن كلا من إيران والولايات المتحدة تتباريان في الادعاء بأنهما حققتا «نصرا كبيرا» في تشكيل هذه الحكومة وأن مرشحيهما هم الذين أختيروا للرئاسات والوزارات، حتى أن مبعوث الرئيس الأمريكي إلى العراق، برت ماكغورك، ذكر أربعة وزراء بالاسم، أثناء تهنئته الحكومة العراقية بعد تمرير أكثر من نصفها في البرلمان، بينما ادعت إيران بأنها فازت في مباراة تشكيل الحكومة بثلاثة أهداف مقابل صفر للولايات المتحدة!

وباستعراض سريع للوزراء الذين أقرهم البرلمان نجد أن هذه الحكومة هي الأضعف حتى الآن منذ عام 2003. وباستثناء وزيري النفط والصحة، وهما خبيران متمرسان في مجاليهما، فإن معظم الوزراء الآخرين يفتقرون إلى الخبرة أو القدرة، وبعضهم إلى السجل المهني. أحد الوزراء اتضحت محدودية قدراته في مؤتمره الصحفي الأول، الذي افتقر إلى التنظيم والاستعداد اللازمين، إذ جلس وحيدا دون مستشارين وتكلم بلغة ركيكة وأدلى بمعلومات مقتضبة وأولويات خاطئة وأعلن عن سياسات جديدة دون قرار من مجلس الوزراء وكأنه الوحيد الذي يقرر سياسات البلد ولا يوجد هناك مجلس وزراء أو برلمان، وقد اضطر لاحقا إلى اصدار بيانات يسحب فيها ما قاله.

هناك وزراء لم يعملوا يوما واحدا في المجال الذي أنيطت بهم إدارته، وبعضهم لم يمارس أي عمل حقيقي قبل توزيره. أحدهم لم يعرِف أي وزارة أنيطت به حتى يوم تصويت البرلمان عليه، إذ كان في الخارج واتصل به طاقم عبد المهدي قبل يوم واحد لإبلاغه بالمجيء فورا إلى بغداد للمشاركة في الحكومة حسب معلومات أدلى بها لمقربين! فإن لم يكن هذا الوزير (تكنوقراط) فأي كتلة سياسية يمثل؟ ولماذا استبدِل الوزراء التكنوقراط بوزراء عديمي الخبرة؟

هناك وزراء آخرون متهمون بالإرهاب أو الفساد. أحد الوزراء لم يباشر بعمله بسبب المعارضة الشعبية لتعيينه لاتهام بعض أفراد عائلتها بالتواطؤ مع جماعات إرهابية. أحد المرشحين لتولي وزارة الثقافة لم يعرف عنه أي نشاط ثقافي بل لا يعرفه أحد في الوسط الثقافي، لكن الضجة التي أثارها ترشيحه دفعت رئيس الوزراء لاختيار مرشح ينتمي إلى الوسط الثقافي ومتخصص في الآثار، علما أن الثقافة أوسع من الآثار والتراث وتتعلق بالحياة العصرية وكيفية تنظيمها وتطويرها.

ماتزال ثلاث وزارات شاغرة، هي الداخلية والدفاع والعدل بسبب الخلافات السياسية، بينما بقيت وزارة التربية معطلة. المعضلة الكبرى هي وزارة الداخلية التي تصر جهات سياسية معينة على أن يتولاها شخص معروف بقربه من إيران. الإصرار على هذا الترشيح هو إفلاس واضح، فهل يعقل أنه لا يوجد مرشح آخر تثق به الكتل البرلمانية؟ هذا الإصرار يؤشر إلى خلل كبير بل ويخبِّئ أمرا خطيرا. وزارة الدفاع مخصصة للسنة ووزارة العدل للأكراد، وفق نظام المحاصصة العرقية الطائفية المبتكر، ولكن، لا (السنة) ولا (الأكراد) اتفقوا على مرشحين يرتضونهم.

كان كثيرون يأملون بأن تكليف عادل عبد المهدي، غير المنتمي (رسميا) إلى حزب أو كتلة، سوف يشكل بداية واعدة للعراق، بعيدا عن المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية، وقد توقعوا بأن يأتي بوزراء أكْفاء يديرون وزاراتهم من أجل النهوض بالعراق وليس لفائدة أحزابهم. إلا أن معظم العراقيين أصيبوا بخيبة أمل من إصرار عبد المهدي على التقيد بالمحاصصة أكثر من رؤساء الوزراء السابقين. كان متوقعا منه أن يكون مستقلا ويفرض شروطه على الكتل خصوصا وأنه جاء بطريقة غير مالوفة، فلم تسمِّه الكتلة الأكبر، التي لا نعرف من هي حتى الآن، بل كلفه الرئيس دون أن يعرف الناس كيف حصل ذلك وهل اتفقت الكتلتان المتصارعتان المتخاصمتان عليه، أم أن هناك أمرا غيبيا لا يعرفه الناس قد جاء بعبد المهدي رئيسا للوزراء؟ لقد آن الأون أن يطلع الناس على الحقائق وأن يعرفوا كيف تشكل حكوماتهم (الديمقراطية). فإن كانت الحكومات تُعين بوسائل أخرى غير صناديق الإقتراع، فما الهدف من إجراء الانتخابات أساسا ولماذا نوهم الناس بأن لدينا ديمقراطية؟

يبدو أن الضعف في حكومة عبد المهدي متأصل وغير قابل للإصلاح. فإن كان رئيس الوزراء يقبل بأي مرشح حتى لو كان عديم الخبرة أو متهما بالإرهاب، فهذا يعني أنه غير قادر على إحداث التغيير المأمول منه، لذلك لن نتوقع من سنواته الأربع المقبلة غير أن تكون امتدادا للضياع والفشل السائدين منذ 15 عاما. وفي حال أُسقطت حكومته عبر إجراء حجب الثقة، فسيكون صعبا تكليف شخص آخر بسبب عدم وضوح الكتلة الأكبر التي كان يجب أن تعلن عن نفسها في الجلسة الأولى للبرلمان. خيار الانتخابات لن يلجأ إليه أحد لأن نتائجه غير مضمونة. ومع كل هذه المعوقات، لازالت لدى عبد المهدي فرصة في أن يكون قويا ومستقلا، لكنه لن يستثمرها على الأغلب خشية ضياع المنصب منه.

* كاتب عراقي.