جمال خاشقجي مرة أخرى

أحمد الحناكي |

بداية أود أن أعتذر من عائلة الزميل الراحل جمال خاشقجي، فربما، بل من المؤكد أنهم لا يحبذون أن تستمر هذه الإسقاطات ومسائل الشد والجذب حول قضية فقيدهم، غير أن كون خاشقجي شخصية عامة فإن هذه من الأمور التي عليهم التعايش معها و«ما باليد حيلة»، خاصة عندما تُستغل قضيته من أطراف خارجية لا يهمهم البعد الإنساني للحالة بالقدر الذي يريدون به تصفية حسابات سياسية.


أحسنت الخارجية السعودية صنعاً عندما رفضت السماح للمقررة الخاصة للأمم المتحدة أغنيس كالامار بدخول القنصلية السعودية في إسطنبول للتقصي والتحقيق حول مقتل خاشقجي، وبحيث أنه لم يصدر بيان رسمي من الخارجية عن مبررات الرفض، وبما أننا فهمنا من الأخبار أن طلبها قد رفض، فإن استنباط الأسباب يبدو لي ليس بتلك المعضلة.

أن يأتي الطلب بعد حوالى أربعة أشهر منذ اختفاء خاشقجي وبعد ثلاثة أشهر ونصف من إعلان المملكة عن مقتله، يعني محاولة بائسة ويائسة، وإلا أين هم قبل ذلك؟ ثانياً المقررة هنا تتصرف بشكل فردي تحت سلطتها وبناء على طلبها. ثالثاً أن المملكة سبق وأن سمحت للأمن التركي بالدخول والتفتيش والتحقيق والتقصي، وبالتالي ما الجديد الذي تستطيع السيدة اكتشافه أكثر مما عمل الأتراك وهم في بلدهم وبين أجهزتهم واستخباراتهم؟ وبحسب موقع الأمم المتحدة فإنه يشير إلى أن المقررين الخاصين والخبراء المستقلين، يعيّنون من قبل مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وهو جهة حكومية دولية مسؤولة عن تعزيز وحماية حقوق الإنسان حول العالم. ويكلف المقررون والخبراء بدراسة أوضاع حقوق الإنسان وتقديم تقارير عنها إلى مجلس حقوق الإنسان. تجدر الإشارة إلى أن هذا المنصب شرفي فلا يعد أولئك الخبراء موظفين لدى الأمم المتحدة ولا يتقاضون أجراً عن عملهم.

بظني أن المقصود هو النبش ومحاولة تدويل القضية بأي طريقة كانت، وإذ إن اتفاق فيينا واضح وصريح فإن تجاهل هذه المنظمات «الكرتونية» هو الأجدى، ليس احتقاراً أو تقليلاً من دورها، ولكن عندما تصبح يوماً مستقلة من دون معايير مزدوجة ولا تدار من الغير أو ترضخ للدول الكبرى أو تفرق بين بلد وآخر نستطيع بعدها أن نفتح أبوابنا لها ولغيرها.

وعودة للمقررة، فقبل توجهها لتركيا بأيام وعلى خلفية الفتاة السعودية رهف كتبت عنها أنها ذكية وقوية وشابة ناضجة، وتنشد الخصوصية والعدالة والحرية والاستقلال، وهنا لست بصدد مناقشة السيدة كالامار برأيها، إنما أتعجب من هذا الحكم الإيجابي لمجرد أنها قرأت بياناً من رهف، وهي محاطة بجيش من السيدات المتعاطفات معها والمناصرات الدائمات لحقوق النساء، فمن الطبيعي أن تكتب - على افتراض أنها من كتبت - ما يكسبها مزيداً من التعاطف والشعبية، مع أن البيان فيه كثير من المبالغات، وبالذات في هذه الأيام التي يشهد ملف المرأة السعودي تطوراً واهتماماً أكثر (داخلياً) من السابق بكثير.

الحكم السريع يعطي انطباعاً أولياً عن كيفية تفكير كالامار، سواء بتحقيقها عن خاشقجي أو غيره، وفي هذا السياق لا تختلف المقررة عن أي مغيب ويملك حكماً مسبقاً.

قبل أيام قتلت دولة الاحتلال في فلسطين المحتلة طفلة فلسطينية عمرها 16 عاماً، بمزاعم أنها أرادت طعن جندي من المحتلين، ولم يكلف أو تكلف منظمات حقوق الإنسان نفسها بالتساؤل عن أسباب عدم منعها إذا صحت المزاعم دون اللجوء لإطلاق النار، أو على أسوأ الظروف توجيه الرصاص إلى أي منطقة في جسمها دون أن تصوب في مقتل! الحادثة بالمناسبة ليست جديدة، فهي تحدث في دولة الاحتلال كل يوم، سواء بقتل أم اغتيال أم تفجير أم قصف.

هذا النفاق المزدوج من الدول الكبرى ومن المنظمات التي لا حول لها ولا طول، يجعلنا نحن الدول الأخرى في موقف المتهم الدائم، وبالتالي قبول ما يفرض علينا منهم ليس بالحل الأمثل ولا الأجدى، لأنه وبكل بساطة ابتزاز مستمر ولن ينقطع.