«تراب الماس»... تشويق أفسده ادعاء «العمق»

رواية "تراب الماس" (ويكيبيديت)
القاهرة - محمد بركة |

حين صدرت رواية «تراب الماس» لأحمد مراد عن دار نشر قاهرية كبرى في العام 2008، حققت مبيعات هائلة لتثير مجدداً أزمة صامتة بين مؤلفها والوسط الثقافي المصري الذي نظر إليها في سياق «الكتابة الخفيفة التي تستهوي المراهقين». هذه النظرة الاستعلائية من جانب مبدعين لا توزع أعمالهم سوى عشرات من النسخ، قابلها مراد باستعلاء مضاد وأكثر حدة، معتبراً أنه أكبر من أن يبحث عن صك «المشروعية» من حفنة من «عجائز الفرح» الذين لا يحركهم سوى الحقد تجاه الأصوات الجديدة الناجحة، مستشهداً بندواتهم التي لا يحضرها سوى أصدقائهم المقربين بينما أصبح هو «نجماً» يتهافت الجمهور على حضور ندواته. تمر السنوات ويزداد بريق مراد خصوصاً بعد تحويل روايته «الفيل الأزرق» إلى فيلم ناجح بالعنوان ذاته، بينما يزداد «المثقفون» نفوراً بعد أن أضافوا لنجاح الشاب الطموح أسباباً تآمرية أخرى منها أنه كان أحد المصورين الشخصيين للرئيس السابق حسني مبارك وتعتمد رواياته على خلطة الجريمة والجنس. وفي غمرة الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، تاهت الحقيقة وهي أن المؤلف الشاب نجح بالفعل في اجتذاب شريحة كبيرة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي للقراءة الأدبية، ولا يعيبه أن أعماله تدور في أجواء بعينها على غرار روايات أغاثا كريستي تماماً، كما أنه لا يعيب مبدعي الأدب «الأعمق» أن رواياتهم لا تجد رواجاً رغم ما قد تحتويه من قيم فنية وإنسانية، فهذه مسؤولية الناشر الكسول الذي يفتقد للحماسة والابتكار في آليات التسويق.


بعد سنوات من الانتظار تخللها العديد من المنازعات القضائية، يظهر أخيراً الفيلم المأخوذ عن الرواية وبالاسم ذاته. إنه فيلم تشويق بامتياز يلعب فيه عنصر المفاجأة والجريمة دوراً مركزياً في بناء الحبكة، وبالتالي يفترض أن يكون الإيقاع السريع سمته الأبرز، لكن رغبة أحمد مراد الذي تولى مهمة كتابة السيناريو والحوار في أن يثبت للمثقفين أن أعماله ليست بالسطحية التي يرموه بها ولا تفتقد للعمق الذي يعايرونه بغيابه أوقعته في فخ الملل والتطويل من دون داع، فجاءت المساحة الزمنية للشريط ساعتين ونصف، كما خلعت عليه شيئاً من الافتعال!

«طه الزهار» شاب صيدلي يعيش حياة مملة وهو متفرغ لخدمة أبيه المقعد على كرسي متحرك. يبحث عن شيء من التغيير عبر ممارسة العزف الموسيقي على الدرامز ليجد نفسه فجأة على موعد من الإثارة والقسوة حين يلقى والده مصرعه لأسباب غامضة. يسعى لمعرفة القتلة والأخذ بثأره منهم ليقابل في سبيل ذلك مفاجآت عدة. كان من المفترض أن تمضي تلك القصة البسيطة في مسارها الطبيعي كخيط رئيس في حبكة بوليسية، لكنها فجأة أصبحت محملة بحمولات تاريخية وسياسية وقضايا كبرى مثيرة للجدل في التاريخ المصري الحديث من نوعية: هل كان الأفضل لمصر البقاء كملكية أو التحول لجمهورية؟ وماذا عن 23 تموز (يوليو)، هل نحن أمام ثورة أو انقلاب عسكري؟ وهل عندما خلعنا الملك فاروق أتينا بألف ملك غيره، وفق تعبير الإعلامي الانتهازي «شريف مراد» الذي جسد شخصيته إياد نصار. وكأن كل هذه اللقطات الأرشيفية لمصر الملكية ثم قيام الجمهورية لا تكفي، فيأتي السيناريو بلقطات لهزيمة حزيران (يونيو) 67 ثم نصر تشرين الأول (أكتوبر) 1973 بحجة استرجاع ذكريات نائب البرلمان الفاسد (محروس برجاس) الذي لعب دوره الفنان المخضرم عزت العلايلي.

في سعيه للبحث عن «العمق» المنشود، لا يكتفي المؤلف بما سبق وإنما استنطق الشخصيات بعبارات وجمل تبدو جميلة بحد ذاتها، لكنها لا تتوافق مع ثقافة الشخصية أو قاموسها اللغوي على الإطلاق، فبدت غريبة عن نسيج العمل وموغلة في الافتعال. جمل من نوعية «ويل لأمة لا ترى طريقاً للخير سوى الشر» و»أطرق باب الجحيم» و»حين يصبح القتل أثراً جانبياً». هذا هو التعاون الثالث بين المخرج مروان حامد وأحمد مراد بعد تجربتي «الفيل الأزرق» و»الأصليين» الذي لم يحقق نجاحاً جماهيرياً.

مروان يبدو ها هنا أكثر نضجاً في السيطرة على مفردات شريط تشويق، فالإضاءة خافتة والموسيقى محملة دوماً بحالة من الترقب والانتظار، وزوايا الكاميرا مركزة عن قرب على وجوه الممثلين وكأنها تحاول فهم حالة الكذب أو الادعاء التي تهيمن على العديد من الشخصيات. العنصر الوحيد الذي فشل مراون في التعامل معه هو السيناريو نفسه، باستطراداته الكثيرة واقتباساته التاريخية وعودته غير المحسوبة للوراء عبر تقنية «الفلاش باك»، ما أفقده السلاسة والإيقاع السريع.

قدم آسر ياسين شخصية الصيدلي «طه» في شكل نمطي جداً. وعلى عكس المتوقع، لم يحمل أداؤه جديداً يذكر رغم ما يُفترض أن تحويه الشخصية من ثراء في أبعادها على نحو يستفز أي ممثل. النظرات المعتادة ذاتها ونبرة الصوت الخافتة من دون انفعالات مستحدثة. الموقف مع ماجد الكدواني جاء مختلفاً، فها هو أخيراً يخوض تجربة دور الشرير سينمائياً بعد أن تكرست صورته عبر أفلام عدة في صورة الكوميديان أو الشخصية صاحبة التناقضات الاجتماعية. إنه اختبار جيد لفنان معجون بالموهبة ولديه حضور مدهش على الشاشة. بشاربه الكث وضخامة جسده ونظرات عينيه الضيقتين، استطاع الكدواني أن يجيد في تجسيد دور ضابط شرطة فاسد ومتورط في علاقات مشبوهة مع شبكات دعارة، وإن كان لم يبلغ ذروة جديدة في أدائه التمثيلي أو يقدم لنا دوراً نؤكد أنه سيصبح علامة فارقة في مسيرته.