أميمة الخميس: لدينا تجارب روائية مميزة تستأثر بحيز لا بأس به من العربي

الدكتورة فاطمة الشملان وأميمة الخميس في «ثقافة الدمام». (الحياة)
الدمام - حسين الجفال |

ترى الروائية السعودية أميمة الخميس أن التاريخ هو خطاب نفعي، وأن الرواية خطاب جمالي ويتقدم فيه الإنشائي على الوظيفة المرجعية التوثيقية للتاريخ، مشيرة إلى أن الروائي ملزم بإنزال الأحداث في إطار من المشاكلة. وقالت الخميس في حوار مع «الحياة» إن هناك تجارب مهمة في المشهد الروائي السعودي. الروائية الخميس فازت أخيراً بجائزة نجيب محفوظ عن روايتها «مسرى الغرانيق في مدن العقيق»، ودعتها جمعية الثقافة والفنون بالدمام للمشاركة في لقاء حول الرواية التاريخية.


> ما ماهية الرواية التاريخية في رأيك، وهل من الممكن أن تكون صادقة وموثوقة في طرحها التاريخي؟

- التاريخ هو خطاب نفعي، يسعى إلى كشف القوانين المتحكمة، في تتابع الوقائع التاريخية، على حين أن الرواية التاريخية، هي خطاب جمالي ويتقدم فيه الإنشائي على الوظيفة المرجعية التوثيقية للتاريخ. لكن الروائي وإن غلب لديه المتخيل على الواقعي، إلا أنه ملزم بأن ينزل الأحداث والشخصيات في إطار من المشاكلة. الرواية التاريخية لم تظهر بمعناها الإصطلاحي في الغرب إلا على يد الأب الروحي للرواية التاريخية الإنكليزي والتتر سكوت عام (1771-1832) التي تجلت في رواياته سمات الرواية الحديثة من ناحية (التبئير- الانسجام بين عناصر النص- الاعتناء برسم الشخصيات – الاستبطان... وسوى ذلك من التقنيات السردية)، في حين جعلها والتر سكوت الحادثة التاريخية في المقام الثاني والشخصيات الخيالية في المقام الأوّل، لكي لا يتقيد بحقائق التاريخ. فهو يجعل الشخصيات التاريخية تتحرك على الأفق البعيد، ويكون محور الرواية الشخصيات الخيالية. في العالم العربي نمو الرواية التاريخية ليس نمواً عضوياً للسير والمغازي والمقابسات الموجودة في الأدب العربي، وهي على الغالب مضاهاة للتجربة الأوروبية، وفريد أبو حديد1802 من أشهر كتابها، إضافة إلى سليم البستاني، وجورجي زيدان وأنطون فرح. على رغم بروز عدد من العيوب الفنية فيها، وسيادة الطابع الاستطلاعي الصحافي عليها أكثر من السردي، مع تهويل الأحداث وتضخيمها. إلى أن نضجت على يد بعض الأسماء العربية البارزة مثل نجيب محفوظ وأمين معلوف ورضوى عاشور وواسيني الأعرج... وسواهم.

> النص السردي التاريخي هل يتحقق مع مخيال جامح وإسقاطات تاريخية كبيرة، أليس التاريخ يكتبه المنتصرون؟

- الرواية التاريخية عند لوكاتش، لا تكتمل عناصرها، إلا إذا حملت من زمان كتابتها مشاغله الخاصة، لتجعل القارئ يعيش التاريخ مجدداً ويتماهى معه، ويسهم بصورة جمالية في إبراز القوانين التي تتحكم في التاريخ... والقوى التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت حاضرنا على ما هو عليه. فهي تعبّر عن رأي الكاتب ونظرته للتاريخ. أي ببساطة ارتداء التاريخ كقناع لمحاكمة الواقع. مثلاً «ذهب مع الريح» حتماً تنحاز لقيم الحلم الأميركي في العدالة والمساواة، وإن كانت كتبت من الجنوب الأميركي الإقطاعي. رواية «ليون الأفريقي»، وشخصية حسن الوزان التي تعلن تأزم الهوية ما بين الشرق والغرب، كانت تعبّر عن أزمة أمين معلوف الشخصية، الذي ينتمي إلى أقلية مسيحيي الشرق. فلعل أمين معلوف عبر الرواية كان يرمم هذه الفجوات الكبرى بين الشرق والغرب.

> عمر السرد في بلادنا قصير وحتى هذه اللحظة لم توجد الرواية العظيمة، على عكس الشعر الذي أقام قروناً طويلة وخلد في الجزيرة العربية طويلاً، ما السر وراء ذلك؟

- القصيدة للعربي هي ليست فقط مغامرة لغوية، لكنها هوية، ابنة لسلالات وقوافل تؤم وادي عبقر ليبث لها بوجده ولواعجه وصبواته، لكن الرواية في العصر الحديث، استطاعت أن تختطف صولجان الكتابة من الشاعر، فاتسعت دائرة قرائها، وتكثفت إصداراتها.

> إلى أي حد كانت أميمة الخميس الساردة أمينة تاريخياً في «مسرى الغرانيق في مدن العقيق»، وهل أنت مع تحويل الرواية المحلية إلى عمل درامي، وما اشتراطاتك لو توافر هذا الأمر؟

- الرواية التاريخية بنية زمنية متخيلة، داخل البنية الحديثة الواقعية، والرواية التاريخية يجب أن تخضع ليس فقط لاختبار الصدق والكذب التاريخي، وبما تواضعت واتفقت عليه المصادر التاريخية، بل أيضاً الراوي ملزم بأن ينزل الأحداث والشخصيات في إطار من المشاكلة. والوقت نفسه ملزم بعدد من التقنيات الروائية (السرد، الوصف، الحبكة، الصراع) وما هنالك من التقنيات الروائية.

> كيف تتلمس الأديبة الخميس المشهد الروائي في السعودية، وما المأمول فيه بعد الحضور العربي واقتناص الجوائز المتعددة عربياً؟

- هناك العديد من التجارب المهمة والمميزة في مشهدنا المحلي، وهي بذاتها تستأثر بحيز لا بأس به، من المشهد الروائي العربي على وجه العموم.

> ذكرت في الندوة التي أقيمت في جمعية الثقافة والفنون بالدمام وأدارتها الدكتورة فاطمة الشملان، أن الرواية أخذت منك أربع سنوات من العمل والبحث لدعم الحقائق والوصف وتنقلت في أمهات الكتب؛ ألا يأخذك البحث أحياناً إلى نوافذ متعددة قد تطيل العمل وتأخذه إلى أبعاد أخرى، أم أنك تبحثين عن المعلومة وتكتفين بها من أجل الهدف المنشود؟

- على العكس منح الرواية التاريخية حقها من البحث والتوثيق، التنقيب بين المصادر، يعطيها قوة ومتانة ونسيجاً روائياً متماسكاً، كما أنه يلقي الضوء على ما توارى داخل عتمة المدونة التاريخية. وتستحق الرواية الوقت والجهد من التنقيح والمتابعة، في وقت كثرت فيه الروايات الهشة والضحلة، التي تستخف بعقلية القارئ.

> تدريس الفلسفة قريباً كيف سيسهم في الأعمال الأدبية المقبلة على أيدي الجيل القادم من الشباب؟

- تدريس الفلسفة سيدرب العقل على التفكير العقلاني المنطقي، ويروّض الجموح العاطفي وهيمنة الخرافة، وهما الأساس الأهم في صناعة الحضارات.