في زمن عبد الباري اقرأ الأهلة!

ديوان "الأهلة" (فيسبوك)
عدي الحربش |

إن ديوان «الأهلة» لمحمد عبد الباري أهم ديوان شعري في الخمسين سنة الأخيرة، وإن كنت مثلي تؤمن أنّ الدهرَ لا يجود إلا بشاعرٍ أو اثنين في كل عصر، انظر في ديوان «الأهلّة» وستعلم أنّ محمد عبد الباري هو الطائر المحكيّ والآخرين الصدى. أقولها دون مجاملة، ولو كنتُ شاعرًا وسمعتُ عبد الباري يُنشد، لكان لزامًا عليّ أن أكسرَ القلم وأهجرَ الشعر كما هجر السحرةُ سحرهم حين ألقى موسى عصاه.


يفتتح عبد الباري ديوانه بقصيدة «الأسوار»، وخيرًا فعل، هي تلخص كل ما قلته آنفًا عن الذات والآخر واللغة، ويحيل فيها إلى أسطورة انهيار برج بابل، وتشظّي اللغة، لكنّ ما يجذب الانتباه هنا حصته التي ارتضاها من بابل؛ ليست الكلمات فقط، بل الصمت، وهو ما سيستخدمه بكفاءة على طول الديوان: «الصمتُ والكلماتُ في متناولي/ هو في النهاية حصتي من بابلِ/ آخيتُ آلهة الأولمب فلم أغبْ/ إلا لأكشفَ عن حضور كاملِ».

إنّه يلجأ إلى نصف المنطوقِ كي يتكلمَ المسكوتُ عنه، طريقة استفادها من آلهة الأولمب، حيث الغياب حضور كامل، لكن ماذا يفعل في وحدته؟ في ضفته الأخرى تلك؟ إنّه يتوق إلى التواصل، فبروق المعنى تكاد تملؤه، وغرفته -بعد أن أفرغها من أثاثها- آهلة مزدحمة به وبأفكاره وبالمعنى، لكنه متردد، فالأشجار تفقد شيئًا من حكمتها لو صادقت ظلًا زائلًا، أما القصيدة الثانية فهي «شكل أول للوجد» نموذج لما أسميّه القصيدة شبه الصوفيّة، فهي قصيدة غزل صرفة، غاية في العذوبة، تتكئ كثيرًا على المعجم الصوفيّ:

«تهبّين كالتعبِ النبوي/مُلألأةً بالوضوح الخفي/أيا أمرأة اللحظات الثلاث/تجليتِ قبل وبعد وفي/ لوجهك متقدًا في الجبال/ أشقُّ الدروبَ ولا أقتفي/ يُسمّيكِ وقتكِ ما لا يُذاق/ أسميكِ من ذاق لم يكتف/ِ أسميكِ هذا الهواء الغريب/ لأني عرفت ولم أعرف».

والأمر جدّ طريف، ذلك أنك لن تجدَ أيّ وصفٍ حسيّ لمعشوقة عبد الباري، فهي دهشة مجاز، وتعب نبويّ (يا لبراعة التشبيه!) وتكاد تنحلّ فإذا بها هواء محض! ورغم أنك لن تجد معشوقةً من لحم ودم، إلا أنك ستلقى وجدًا وغرامًا وتبتلًا حقيقًيا، أليس يناجيها:

«يقول لكِ الوردُ في داخلي/ بحقّ صلاتي عليكِ اقطفي».

والأمر أحد اثنين: إمّا أنّ الشاعر يعمّي في وصف محبوبته حذرًا عليها وإشفاقًا وغَيرةً، أو أنّه -هو الجالس في ضفته الأخرى- لا يعرفها تمامًا، فعشقه مثل لغته، أقرب ما يكون إلى الحدس، وأظنه يريده أن يبقى هكذا أبدًا، في منطقة المثال:

«دعي للبدايةِ إيقاعَها/ فأوراقُنا بعدُ لم تُكشَفِ!».

وقصيدته الثالثة «أندلسان» تدخل ضمن قصائد الحنين والنوستالجيا التي قيلت توجعًا على الأندلس الضائعة، وأشهرها قصيدة نزار قبّاني الدالية:

«في مدخل الحمراء كان لقاؤنا/ ما أطيبَ اللُقيا بلا ميعادِ».

وإنّي أحبُ لك أن لا تقرأ «أندلسان» حتّى تمرَّ على قصيدة قبّاني؛ كي تدركَ أنَّ عبد الباري خاطبه وتجاوزه عندما تناول الموضوع من زاوية فلسفية. يقول عبد الباري:

«الذاهبون أهلةً وغماما/ تركوا شبابيك البيوتِ يتامى/

خرجوا ولم يجدِ الفراغُ خلاصَه/أبدًا ولم تلدِ الجبالُ خزامى/

خرجوا ولا أسماء تحرسهم وقد/ كانت ملامحهم تسيل هلاما/

لا يحملون سوى القليل من الذي/ في ضوئه نحتوا المجاز رخاما».

الأندلس في هذه القصيدة أندلسان: أندلس المكان وأندلس الزمان، والشاعر كتب قصيدته هذه بعد أن زار قرطبة غرناطة، وأخاله دار في الجامع الكبير، وقصر الحمراء، وبحث عن أندلس ابن زيدون، والأعمى التطيلي، وابن زُهر، ولسان الدين بن الخطيب، فلم يجدها، فأندلس الزمان ليست أندلس المكان، وهو ما عبّر عنه في بيته البديع:

«غَرناطةٌ ما لا يُزارُ لأنّها/ وقتٌ وهذا الوقتُ صار حُطاما».

والقصيدة الرابعة «أشواق الضفة الأخرى» تكاد تكون رجعَ جوابٍ لقصيدته الأولى «الأسوار»، بل تكاد تكون قرارًا لها، وثورةً عليها:

«أودّ أن أتناهى/ في الله كي لا أودا/ وأن أكون خفيفا/ على المنازل جدا/ وأن أرى معجزاتي/ تقولُ: لن أتحدى/ لقد تعبتُ وصمتي/ نأى وصوتي استبدا».

إنه لم يعد يطيق البقاء في الضفة الأخرى، مكتفيًا بنصف الحضور ونصف المنطوق، هو يودّ أن لا يود، وأن لا يأبه، لكنه يدرك أنّ هذا شيء إلهي لا يُطاق، فالمعنى يتفجّر داخله كالطوفان، وكذا توقه إلى الآخر، والطريف أنّ هذا الطوفان الذي دهمه في مدينة أبوظبي – كما وُقِّعت القصيدة- وهذا الفيض- تمثل في وزنٍ رشيقٍ قصيرٍ كالمجتث!

وفي القصيدة الخامسة «ما سقط من تغريبة بني هلال» التي قد تكون أحبَّ قصائد عبد الباري إلى قلبي، كتبها في مدينة الرباط، وأكاد أتخيّله وقد وقف على الأطلسيّ ونظرَ إلى الموج، فوقرَ في قلبه أنّ حاله في تطوافه وسفرِه كالموج تمامًا يمتد وينحسر:

«سنسمّي آخرَ الموجِ بِلادا/ ونعانيها انحسارًا وامتدادا/ سفرٌ يفرُدنا أجنحةً/ دونها ينتفخُ الأفقُ انسدادا/ الليالي في مدى غربتِنا/ لبست أسودها العالي حِدادا/ يا اقترابَ الخيلِ من أبوابنا/كلمّا قلناكِ نزداد ابتعادا».

أخاله تذكّرَ سلَفه عقبةَ بن نافع وهو يناجي المحيط قائلًا: «والله يا بحر الظلمات لو كنتُ أعلمُ أنّ خلفَك أرضاً عليها بشر لخضتك»، ثمّ تذكّر ما قرأه في طفولته عن أبي زيد الهلالي، وذياب بن غانم، وحسن بن سرحان، وبني هلال، وتغريبتهم الطويلة المستميتة من صحراء نجد إلى أقاصي تونس والمغرب، وكل البلاد التي فتحوها وتركوها خلفهم، ولعلّ هاجسَه اللغوي والفيلسوف داخله تمكّن منه، فأراه تقابلًا بين تغريبة بني هلال والسفر وراء المعنى، وما يسقط من المعنى أثناء الصياغة: ولنصدها فكرةً «يا طالما/غيّرت عنوانها كي لا تُصادا».

والآن، تخيّل أنّك في زمن المتنبي ولم تقرأ لأبي الطيّب! أو في زمن بودلير ولم تشترِ «أزهار الشرّ»! إنّك في زمن عبد الباري، اقرأ «الأهلّة»!