العصف بالفساد

ساعد الثبيتي |

الأحداث المهمة تبقى خالدة على مر الأزمان ويؤرخ بها في كثير من الأحيان، وعلى مدى العقود الماضية مرت المملكة بأحداث كثيرة لا يزال الناس يتحدثون عنها ويؤرخون بها؛ فلا غرابة أن تجد أحد كبار السن يؤرخ لميلاده أو أحد أقاربه بسنة «الجراد» أو «الجدري»، لأن ذلك العام أصبح «علماً» نتيجة الحدث الكبير الذي شهده ولا يزال عالقاً في الذاكرة المجتمعية.


ربما اليوم لا تكون هناك حاجة لربط السنين بالأحداث؛ إلا أن بعض الأحداث غير المسبوقة تأبي إلا أن تكون خالدة في الذاكرة ومتميزة لأعوامها، فعام 2018 سيظل تذكره الأجيال؛ لما شهده من حدث تاريخي، فهو عام «العصف بالفساد» بلا منازع، إذ لم يسبق أن مرّ عام أسود على المتورطين في قضايا الفساد مثل هذا العام، الذي تعاملت فيه الدولة بجرأة وشفافية وشجاعة مع ملف الفساد.

ليس هناك مجتمع على وجه الأرض يقبل بالفساد في مؤسساته، ولكن تختلف المجتمعات في قوة السلطة التي تواجه الفساد، فكلما كانت الجهة المعنية بملاحقة المتورطين في قضايا الفساد ذات سيادة وحزم كلما كانت قادرة على كبح جماح الفاسدين، وفي مملكتنا، مملكة «الحزم» و «العزم»، ليس هناك أقوى من سلطة اللجنة العليا لقضايا الفساد التي تشكّلت بأمر من خادم الحرمين الشريفين خلال العام الماضي، وباشرت مهماتها المنوطة بها بقيادة مهندس الرؤية وقائد التحول الأمير محمد بن سلمان، ونجحت في استعادة أكثر من 400 بليون ريال من أرصدة خاصة دخلتها بطريقة غير مشروعة وإعادتها لخزينة الدولة، والأهم من ذلك أنها رسّخت نهج المملكة في حماية النزاهة ومكافحة الفساد وحققت مفهوم رسالة ولي العهد التي أعلنها بكل صراحة بأنه لن ينجو أحد دخل في قضية فساد أياً كان.

ماذا يعني أن تستعيد الدولة مبالغ تجاوزت الـ400 بليون ريال من أرصدة بعض المسؤولين والتجار؟ وماذا يعني أن يُعلن في نشرة الأخبار الرسمية إعفاء مسؤول بمرتبة وزير وإحالته للتحقيق؟ ذلك يعني أن الحرب على الفساد دخلت مرحلة حاسمة، و«الحزم» و«العزم» لا يستثني أحداً من المساءلة مهما كان منصبه أو مكانته.

لا شك أن القوة والشفافية في التعاطي مع ملف الفساد أوجد حالة غير مسبوقة من التفاعل الإيجابي في المؤسسات الرسمية، فبات من الطبيعي اليوم أن وزارة «ما» يمكنها أن تعلن بكل شفافية أنها قامت بكف يد عدد من موظفيها بتهمة الفساد؛ فالفساد موجود ولكن، من كان يجرؤ على كشفه وفضح المتورطين ومحاسبتهم؟!

من عهدة الراوي:

جريمة الفساد من أخطر الجرائم التي لها تأثيرات كبيرة على مقدرات المجتمع واقتصاده لما فيها من تعطيل للتنمية واستيلاء على المال العام، ثم إنها جريمة مرتبطة إلى حد ما بشريحة مختلفة ممن لهم بعض السلطة والصلاحية على المال العام، ولكن الفساد لا يكون دائماً مرتبطاً بالمال العام، فهناك العديد من صور وأساليب الفساد التي لا تقل أهمية عن الفساد المالي، فالفساد الإداري الذي يعطل عجلة التنمية ويهضم حقوق الآخرين ويسيء استغلال السلطة هو بوابة أخرى يلج من خلالها أصحاب الأطماع الشخصية لتحقيق مآربهم ومنافعهم الخاصة.

* كاتب ومستشار.

@saedaltabaiti