«الأمر ليس كما تظن» لمحمد إبراهيم يعقوب... وصايا أبوية

دلال بنت بندر المالكي |

الأبوة حالة إنسانية تسعى إلى نقل التجربة المعرفية من جيل إلى جيل مع تركيزها على القيم الوجدانية؛ والركيزة الأساسية لهذه العلاقة هي تدعيم البناء الأخلاقي؛ ذلك البناء الذي ينضوي تحت مسمى الفضيلة؛ وليس من سبيل لاختباره إلا بالحرية؛ ومن منطلق هذه الحالة يفتتح محمد إبراهيم يعقوب ديوانه «الأمر ليس كما تظن» بمقولة إيمي لامارتين: «أية قيمة للفضيلة.. إذا لم توجد الحرية»؟ وتشعر عتبة الإهداء التي يوجهها الشاعر لأبنائه، بأن نصوص الديوان هي جملة وصايا من الأب للأبناء كما جرت العادة في هذا النوع من الأدب؛ ولكن الأمر ليس كما نظن؛ إذ يتماهى الديوان بين حالتين: الأبوة والبنوة؛ وقد لخصت عتبة الإهداء جملة ما يريده الأب من أبنائه، فيما تكشف قصائد الديوان عن الحالة الثانية وهي البنوة.


وتتجلى أولى العلائق التي تربط بين الابن وأبيه في رابطة النسب والانتساب واعتراف الأب بهذه العلاقة؛ التي غالبًا يفاخر فيها الشاعر بانتسابه ووالده لقبيلة عريقة، يمجد أفعالها ويزهو بمناقبها، ويؤكد على المعدن الشريف الذي يجتمع عليه آباؤه وأجداده؛ غير أن مفاجأة البدء تظهر في الديوان من خلال القصيدة الأولى المعنونة بـ«سوى اعترافك بي» تكشف كم هي بعيدة هذه العلاقة بين الوالد والولد عن تفكير الشاعر، وأن مجمل الشبه والصلة التي يريد إثباتها تكمن في اللغة الفريدة التي يمتلكها الاثنان: «شغفي ../ بحرف الجيم / إرث من أبي/ كم في الأبوة من ضلال طيب.../ متواطئ والنون / أسرق من فمي / عنب الحكاية من غوى لم يسكب.../

هاء الهوية جينة يا سيدي/ فاقرأ/ على ماء الجذور تسربي...».

هذه العلاقة التي تبلغ أوجها في مرحلة من العمر تمثل مرحلة اكتمال النضج العقلي للابن؛ وهو يركز على نضج (اليد) في إشارة إلى العلاقة التي تجمع الابن بأبيه، وهي اليد الكاتبة: «أدنو لسور الأربعين/ معي يد/ لم ترتهن يوما/ لسيرة مخلب»

ويمنح الأب ابنه سيرته التي لا ترتهن للنسب أو المكان؛ لكنها مع ذلك تمتلك القوة الرابطة التي تحقق له الامتزاج التام؛ يقول: « أنا ابن مائيك ../ فامنح سيرتي مددا /

وخذ من الرمل/ ما يكفيك معتقدا...». هذا الامتداد في الامتزاج يتأكد حين يقول:

أرى بعينيك... أنا حناياك».

وشيئاً فشيئاً يتجلى ذلك الأب الروحي الذي يخاطبه محمد إبراهيم يعقوب مباشرة في قصيدته «عد من تجليك»، وهي قصيدة مهداة للشاعر محمد الثبيتي غائبا وحاضرا، هذا الحضور لسيد البيد في الديوان يعيدنا مرة أخرى للتنبه إلى أن عتبة الإهداء الأولى التي استوقفتنا هي نفث من روح الثبيتي؛ الذي أهدى تجربته في ديوان التضاريس لابنته هوازن، وأهدى ديوانه تهجيت حلما تهجيت وهما لابنيه يوسف ونزار، ويعيد محمد إبراهيم يعقوب سيرة الثبيتي فيهدي هذه التجربة لأبنائه مؤكدًا على تأثير روح الأبناء على الآباء والعكس كذلك.

وإذا كان الابن هو الامتداد لبقاء الصفات الوراثية من جيل آبائه إلى أبنائه؛ فإن محمد يعقوب يحمل هذه الصفات التي تضمن للمدرسة الثبيتية البقاء والاستمرار، فقد استطاع محمد إبراهيم يعقوب أن يخلق عالمه الشعري المتفرد بسماته الخاصة؛ مع ما اكتسبه من إرث رؤيوي وقاموس لغوي من المورث، إضافة إلى تحمل مسؤولية تبليغ مشروعه الشعري؛ الذي يمثل فيه الوفاء للجيل الرائد جزءًا كبيرًا منه؛ التي يمكن أن يجليها قوله: «أنا سوءة الظل التي واريتها/ حتى يفيض الضوء عن آبائي».

لقد كانت عتبة البدء محرضًا مهمًا في الربط بين الحالتين، فالحرية مطلب إنساني، على ألا تتخلى عن الجانب الأخلاقي، الذي يتقاطع مع الأدب ويمنحه صفة الديمومة والبقاء، على أن ينم عن ذاته، وهنا يستعيد يعقوب روح الأب موصياً: «كن أنت../ منزلة تسبح وحدها في الفلك/ لا شمس ولا جوزاء!/ كن أنت لا تجرح سماءك/ إنما يبقى من الشعر العظيم/ الماء»!