ثمن الديموقراطية

أحمد الحناكي |

جميعنا نحلم بالديموقراطية، ومن لا يحلم بالعدالة والمساواة؟! بيد أن الديموقراطية ليست عبارات للتشدق ولا نظريات تتبخر في أول عقبة، بل هي كفاح ومبادئ وقناعات راسخة، أما عدا ذلك فهو نوع من الترف «خال من الدسم».


شاهدت مقابلة للفنان الكويتي العملاق عبدالحسين عبدالرضا -رحمه الله- يتحدث فيها عن الديموقراطية، وبأسلوبه اللاذع سخر مما يحدث في مجلس الأمة الكويتي من خلافات تصل حد الشجار فيما بينهم والتراشق بالأحذية ورفع العقل (جمع عقال)، إضافة إلى استخدام عبارات سباب وشتم يترفع عن ذكرها، وأكد عبدالرضا أنه من مناصري الديموقراطية الأشداء، ولكن إذا كانت هذه هي الديموقراطية فإنه لا يريدها، وللأمانة كان يتحدث عن الآونة الأخيرة، متأسياً على المجلس قبل الغزو «الصدامي».

ما ذكره الفنان عبدالحسين عبدالرضا يحدث كثيراً في دول عربية في مجالسها البرلمانية وأحيانا في دول شرق آسيوية، بينما قلما يحدث أو نادراً ما يحدث في الدول الأوروبية أو أميركا الشمالية.

بتصوري أن الديموقراطية في بلداننا تعيش في فترة المخاض، فهي تجربة لم تنضج بعد، والانتخابات تحكمها ظروف لا تتكرر في دول ديموقراطية عتيدة، ففي الكويت على سبيل المثال يصل كثيراً إلى مجلس الأمة من ترشحهم قبائلهم أكثر ممن ترشحهم أحزابهم، على رغم أن التيارات الدينية دخلت على الخط في العقود الأخيرة فأصبحت تتجاوز القبيلة، وفي لبنان العائلات الكبيرة من جهة والطوائف من جهة أخرى، وفي هذه السنة انتظر اللبنانيون تسعة أشهر حتى ترى حكومتهم النور لهذه الأسباب.

أتذكر أن استجواب الدكتور أحمد الربعي -رحمه الله-، إذ كان وزيراً للتربية في الكويت عام 1995، كان بهدف إسقاط الثقة عنه، أقول أتذكر أنه كان سياسياً وبقوة، فطرح الثقة عادة لا يكون إلا عند ارتكاب الوزير مخالفات كبيرة بشكل متعمد تمس جوهر عمله، بينما في حالة الربعي فإن العضو ناصر الصانع أقر في مقابلة له في قناة المحور الكويتية في حزيران (يونيو) 2018 أن استجوابهم وطرحهم للثقة في الربعي كان سياسياً، غير أنه أردف قائلاً: «إننا كتيار اخواني لسنا من طلب الاستجواب، ومن فعله هو مفرج نهار المطيري وهو سلفي»، واعترف ضمناً أن المخالفات المزعومة لا ترقى لمستوى أن يطلب طرح الثقة الذي سقط على أي حال بعد التصويت.

كل ما تقدم لا يعني التقليل من تجربة الكويت الديموقراطية، ولكن المسألة تتعلق بالرغبة في النجاح بأقل قدر ممكن من السلبيات.

ربما هناك من يحتج بأن هذه هي الديموقراطية، فحتى في الغرب فإن رأس المال يعمل على إيصال المرشح أكثر من غيره وهذا صحيح، لكن لا تنسوا أن التجارب الغربية قديمة وترسخت وأصبحت جزءا من ثقافة المجتمع، وبالتالي فإن أي سلوكيات يمارسها الأعضاء في المجالس، سواء قبل أم بعد الانتخاب، ترصد من قبل الناخبين وتؤثر على فرص انتخابهم كثيراً، إما إيجابياً أو سلبياً.

بطبيعة الحال هنالك أسباب خرى لضعف الديموقراطية في الدول العربية، فكثير من الأنظمة الحاكمة تعرقل العمل الديموقراطي في بلدانها، سواء بتأليب القضاء أم باستخدامه أم بالضغط على بعض الأصوات، مما يشكل ضربة للديموقراطية، فلا نجاح لها في ظل خوف أو كبت أو تعسف، وفضلا عن هذا وذاك قصة الصناديق المزورة التي لا أعرف لماذا أصبحت تخصصاً عربياً بامتياز.

أعتقد أن الديموقراطية أشبه بعلاج لداء خطر لكن ثمنه باهظ جدا، لا تريد الحكومات دفعه إلا بالتقسيط المريح، في المقابل يبالغ المطالبون بالديموقراطية بطموحاتهم أحيانا مما يؤدي إلى وأد التجربة الفتية.