«علوم المخطوط» مولد مجلة تراثية جديدة

عبدالحميد صبحي ناصف |

في الوقت الذي تختفي بعض الدوريات أو تفقد بريقها أو يتأخر إصدارها لفترات زمنية طويلة وبخاصة الدوريات العلمية الرضيئة. تفاجئنا مكتبة الأسكندرية بأحدث إصدارتها الهامة وهي دورية علوم المخطوط. حولية تراثية سنوية محكمة في أكثر من 400 صفحة و7 دراسات باللغة العربية ودراسة بالإنجليزية والدورية تصدر عن مركز المخطوطات بالمكتبة ويرعاها مجموعة من خيرة شباب مثقفي المركز (محمد سليمان ومدحت عيسى وليلى خوجة وشريف مصري، وهيئة استشارية على أعلى مستوى في مجال تخصصاته: ماهر عبد القادر وأيمن فؤاد سيد وعبد الستار الحلوجى من مصر وإبراهيم شبوح من تونس وأحمد شوقى بنبين من المغرب ويحيى بن جنيد من السعودية وبشار عواد معروف من العراق ومن ألمانيا المستشرقان فيرنرشغارتس وبيتر بورمان). وتصدر هذه الحولية التراثية تتويجاً لمجهود شاق مضنٍ لمركز المخطوطات استمر على مدار سنوات عدة في العمل بعلوم الكتاب المخطوط والحفاظ على التراث المخطوط وبخاصة العربي الذي يعد واحداً من أعظم التراثيات الإنسانية إذ يمتد بجذوره إلى ما قبل الإسلام وصولاً للعصور الذهبية في كشف الإسلام وقد أنتج هذا التراث صنوفاً شتى من التأليف والعلوم التي أثرت التراث الإنساني. وكان لمركز المخطوطات وتوأمه متحف المخطوطات جهد كبير في المساهمة في عملية الحفاظ على التراث المخطوط من خلال أعمال عديدة استمرت لسنوات عدة بدأ بالفهرسة والتوثيو مروراً بالترجمة والتحقيق والترميم والحفظ والعرض المتحفي، وقد أصدر المركز خلال السنوات السابقة كثيراً من الفهارس المطبوعة لمجموعة بلدية الإسكندرية بالإضافة إلى بعض الكتالوغات لنوادر المخطوطات وبدائع المخطوطات القرآنية ومختارات من نوادر المقتنيات. وقد جاء العدد الأول مناصراً لآمال القائمين عليها في أن تكون موضوعات العدد متنوعة، واتسم محتوى هذا العدد بالتنوُّع، إذ دارت البحوث في أفلاك الكوديولوجى والتحقيق والفهرسة ودراسة منجز الشخصيات التراثية. بالإضافة إلى ما اتسمت به البحوث من تنوع المناهج البحثية المستخدمة وتنوع في طريقة العرض. ففي مجال الدراسات الكوديكولوجية وجدت دراستان الأولى لسامح فكري البنا عن «علم الجمال وعلاقته بفنون الكتاب المخطوط تطبيقاً على نماذج جديدة منتقاة من المخطوطات الإسلامية» وهي دراسة أقرب إلى كتاب في أكثر من مئة صفحة ويهدف الباحث من خلال دراسته توضيح الرابط بين علم الجمال (العلم الفلسفي) وفنون الكتاب المخطوط وهي تلك الفنون التي ازدهرت خلال العصور الإسلامية وأنتجت تراثاً هائلاً من المخطوطات الإسلامية من خلال الإجابة على عدة أسئلة. أهمها: هل تراعي فنون الكتاب المخطوط معايير علم الجمال وفقاً لما ذهبت إليه آراء الفلاسفة القدماء والمحدثين؟ وهل كان للعقيدة الإسلامية وسيرة النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) دور في إرساء جماليات فنون المخطوطات الإسلامية؟ وهل توجد أمثلة من فنون الكتاب المخطوط تحقيق معايير علم الجمال؟ وحاول– ونجح– الباحث في الإجابة على ما سبق، وذيّله بنشر 16 لوحة منها 8 لوحات تنشر للمرة الأولى. والدراسة الأخرى كانت من وضع «جنفيف أمير» من المركز الوطني للبحث العلمي NRS، عن «الورق غير ذي العلامة المائية المستخدم في الشرق الأدنى حتى سنة 1450م) حيث تعد الدراسات التي تناولت الورق العربي قليلة مقارنة بالورق الإيطالي ذي العلامة المائية أو الورق الصيني وتعتمد هذه الدراسة المحاولة التصنيفية على الآثار الموجودة على الورق والمتمثلة في الخطوط المسلسلة الناتجة عن القالب الذي يستخدمه الوراق لصب عجينة الورق وترتكز الدراسة– تحديداً- على الأوراق الموجودة في المخطوطات المنسوخة حتى 1450م والمحفوظة في مجموعات المكتبة الوطنية بباريس. وفي مجال التحقيق والفهرسة وجدت دراستان أيضاً الأولى لخالد فهمي بعنوان «اتجاهات التأليف في علم تحقيق النصوص التراثية في التقاليد المعاصرة. دراسة استكشافية للخرائط المعربية». وهذه الدراسة تؤسس على فرضية تأسيسية تقرر أن علم تحقيق النصوص في التقاليد العربية المعاصرة. كما تسعى الدراسة لرسم خريطة عامة وتفصيلية تعكس طبوغرافية التنظير في علم تحقيق النصوص في الثقافة العربية المعاصرة وقد سلك الباحث لإنجاز الدراسة مسارين هما: رسم خرائط إدراكية أو معرفية للاتجاهات التأليفية وتحليل مكوناتها ووظائفها واستقراء الاتجاهات والأدبيات المندرجة تحت كل إتجاه في محاولة للتوصل إلى تصورات مستقبلية لهذا العلم ومسارات لتطوير بحوثه ومسائله. وللدكتور بيتر– بورمان دراسة في ذاك القسم عن «فهرسة المخطوطات العربية في عصر الرقمنة تجارب جامعة مانشستر الأخيرة والمواد الخارجة عن النص نموذجاً» ويقدم الباحث في المقالة رأيه في عدة قضايا تراثية من خلال خبرته الشخصية بدءاً من المشروع الممول من المجلس الأوروبي للدراسات والذي كان يهدف لدراسة « الشروح العربية على كتاب الفصول لأبقراط» وانتهاء بالمشروع الأولي لفهرسة المخطوطات المكتوبة بالأحرف العربية في مكتبة « بايليو» في جامعة ملبورن الأسترالية وفي هذا السياق يقدم ملخصاً للطريقة التي اتبعها في اعتماد الأسلوب الحديث في إنشاء فهارس المخطوطات والمسمى بـ «مبادرة ترميز النصوص» كما سلط الضوء على قاعدة بيانات جديدة مختصة بالمواد الخارجة عن النص في المخطوطات العربية الأسلامية.


وفي زاوية متابعات وانتقادات كانت دراسة عبدالله يوسف القتيم عن» كتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكري بين نشرتين» وهذا الكتاب تضمن كثيراً من النصوص التي انفرد بها عن بقية الجغرافيين العرب وبخاصة ما يتعلق بالجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقيا وأوروبا واهتم الكثير من الباحثين العرب والمستشرقين به ونشر أجزاء متفرقة منه منذ أواخر القرن 19 ثم طبع في نشرتين كاملتين الأولى في تونس بتحقيق المستشرق فان ليوفن وأندري فيري والثانية في بيروت بتحقيق جمال طلبة والذي اعتمد اعتماداً كلياً على طبقة تونس دون أي إشارة، ويتضمن هذا البحث دراسة نقدية للنشرتين في ضوء ما توفر للباحث من المصادر المخطوطة والمطبوعة التي لم يطّلع عليها المحققون مع تبيان ما وقع فيه المحققون من تحريف شنيع لأسماء المواضع الواردة في الكتاب

وفي باب دراسات منجز الشخصيات التراثية كانت الدراسة الأولى لعماد حسن مرزوق عن» جهود الإمام الكوثري في تحقيق التراث الإسلامي، من خلال عدة محاور منها: ثبت تحقيقات الكوثري والعوامل التي ساهمت في تهيئة الإمام الكوثري ليكون أحد كبار محققي عصره، ودراسة مدرسة الكوثري العلمية في التحقيق وسماتها من خلال تحقيق نسبة بيتين في وحدة الوجود الى ابن عربي وأخيراً درس الباحث الانتقادات التي وجّهت إلى الإمام الكوثرى ومبلغها من النقد العلمي الموضوعي من خلال نموذج من نقد زهير الشاويش للكوثري. وتناول الباحث خالد محمد عبده «آثار شمس الدين الديلمى المخطوطة» والديلمى شخصية صوفية غاب عن اهتمام الباحثين المسلمين والمستشرقين على حد سواء ولفت النظر إلى عطائه في التراث الصوفي الإسلامي. فمنذ أن كتب أرثر أربري مقالة عن أعمال الديلمى في BSOAS عام 1966م لم يكتب عنه سوى مقالين في الإنكليزية وأخرى في الفارسية، كما لم ينشر أي عمل من أعمال الديلمي في نشرة علمية وعليه تأتي هذه المقالة كمقدمة تعريفية بأعماله.

وبالمناسبة فقد نشر وحقق الباحث كتاب الديلمي «مهمات الواصلين من الصوفية البالغين» ضمن منشورات طواسين في بيروت 2017، وفي القسم الأجنبي من الدورية كانت دراسة «فيرنر شفارش» عن «التاريخ قبل الإسلام: مخطوط لإبن خلدون» فمن خلال ثلاث نسخ خطية لكتاب «العبر» لإبن لاخلدون والذي يتناول فيه تاريخ العالم القديم. كان عمل الباحث تتبّع إحدى هذه المخطوطات ودراسة علاقتها بالنسختين الأخرتين من خلال الوقوف على بعض النماذج المختارة منها لتبيان انعكاس تطور فكر المؤلف في ثناياها كما حاول الإجابة على التساؤلات المتعلقة بزمن التأليف من خلال الإجابة على أسئلة مثل: هل يمكن تتبع التواريخ المرتبطة بالمخطوطات الثلاث وترتيبها زمنياً؟ وهل يمكن الحديث عن مسودة المؤلف بوصفها الأصل الذي تم النقل عنها أم أنه من الوارد أن إبن خلدون عمل على عدة نسخ من وقت لآخر؟ وفي الحقيقة فإن غاية هذا البحث هو بيان ضرورة عدم قصر دراسات المخطوطات على الجوانب الكودوكولوجية وحدها. إنها دورية هامة ويا حبذا ان تصدر بصورة فصلية وتوزع وتنتشر بصورة أكبر عن طريق موزعين في شتى البلاد العربية والتحية لكل الكتيبة المثقفة الواعية من القائمين عليها.