من أي رحم ولدت الحكومة اللبنانية؟

سليم نصار |

بعد انتظار طويل دام نحواً من تسعة أشهر (270 يوماً)، أعلن رئيس الحكومة السابقة والحالية سعد الدين الحريري ولادة حكومة جديدة مؤلفة من ثلاثين وزيراً.


وقد نتج عن هذا التغيير إخراج 13 وزيراً كانوا في الحكومة السابقة، مع إضافة 17 عنصراً جديداً.

والملفت أن رئيس الوزراء بالتعاون مع رئيس الجمهورية قررا إلغاء وزارة مكافحة الفساد ووزارة التخطيط ووزارة حقوق الإنسان.

ولدى الاستفسار عن الدوافع الحقيقية التي فرضت هذه التغييرات، جاء الجواب على لسان وزير الخارجية جبران باسيل. وكان ذلك خلال الاحتفال الذي أقيم في كنيسة الشياح بحضور محمد القماطي عن «حزب الله». وأمام جمع غفير، تعهد باسيل منح ممثليه الحزبيين مئة يوم فقط كفترة اختبار يثبتون خلالها كفاءتهم ونظافتهم في الحكم. ومَن يسقط في الامتحان يُعفى من منصبه ويؤتى بسواه.

وبما أن مراحل الجمهوريات الثلاث في لبنان قد شهدت تعديلات دستورية غير مطبقة في أي بلد آخر، فقد هاجمه وائل أبو فاعور، ممثل وليد جنبلاط، منتقداً اداءه السياسي الذي يسيء الى عمّه الرئيس، مثلما أساء اداء «السطان سليم» الى دور شقيقه الرئيس بشارة الخوري.

في جواب محازبي جبران باسيل يكمن السبب الأساسي في حملة الزعيم وليد جنبلاط عليه بدون هوادة. ذلك أن جنبلاط يتهم وزير الخارجية والمغتربين بالوقوف وراء تقارب الأمير طلال أرسلان ووئام وهاب... وأن هذا التحالف المدعم من دمشق قد يؤدي الى تأجيج النزاعات الحزبية القديمة لدى طائفة الموحدين.

ويخشى الجنبلاطيون أن تتكرر عملية السابع من أيار يوم استخدم «حزب الله» سلاحه ضد جماعة جنبلاط في بيروت. علماً أن الأمين العام السيد حسن نصر الله دعا اللبنانيين في الكلمة المسهبة التي ألقاها مساء الاثنين الماضي الى تناسي الأحقاد والترفّع عن الحزازات الضيقة، والعمل على إنعاش الوحدة الوطنية حرصاً على اقتصاد لبنان واستقراره.

ومن أجل طرد كل مؤشرات السوء من الأذهان، أعلن الرئيس نبيه بري أنه يقف مع صديقه جنبلاط، ولن يسمح لخصومه السياسيين باستغلال معارضته للحكومة بأن يتطور الخلاف الى صدام معلن.

ويُستدَل من موقف جنبلاط الغاضب، ووصفه الحكومة بأنها مخيبة للآمال، أنه عازم على تشكيل كتلة معارضة من داخل المجلس تكون رقيباً على تصرفات الوزراء، وعامل ردع لكل التجاوزات والارتكابات. أي أنه يريد إحياء دور العميد ريمون إدة، المعارض الدائم، كما هي الحال مع حكومة الظل في بريطانيا. وبسبب عدم اهتمام وريثه تيمور بالسياسة والسياسيين، فإن وليد جنبلاط ندم على نزع العباءة عن كتفيه قبل وقتها.

ومع أن الدكتور سمير جعجع (القوات اللبنانية) حصل على نسبة عالية من حصص الحكومة تتناسب والحجم السياسي الذي يمثله لدى طائفته... إلا أنه على استعداد للوقوف مع جنبلاط في موقع المعارضة من داخل المجلس. ويتوقع بعض المراقبين أن يكون هذا الثنائي مركز جذب لكل المعترضين على تجاوزات الوزارة الجديدة.

مع صدور البيان الوزاري المؤلف من تسع صفحات، توقع المواطنون برنامجاً واعداً يبدأ بمعالجة مشاكلهم العاجلة تعويضاً عن تسعة أشهر من انتظار الانفراج.

وجاء في مقدمة البيان ما معناه أن جميع الحكومات السابقة اعتمدت لتحقيق برامجها السياسية والاجتماعية على بيع الكلام وإهمال الأفعال. بينما أطلقت هذه الحكومة وعدها هذه المرة بالتعريف عن مهمتها بأنها «حكومة أفعال لا حكومة أقوال».

ويقول المطلعون على حقائق الأمور إن لهجة المكابرة والاعتداد بالنفس، صادرة عن دعم «حزب الله» الذي فتح باب الانفراج لأسباب مجهولة، وترك للمراقبين اكتشاف الدوافع الأساسية.

فريق يزعم أن وراء قبول «حزب الله» الإفراج عن رهينته تكمن رغبة ايران في تحقيق طلب الرئيس ايمانويل ماكرون. وكان الرئيس الفرنسي قد ناشد طهران التدخل من أجل تحريك عجلة النشاط الاقتصادي في لبنان عبر مؤتمر «سيدر». أي المؤتمر الذي تقدر قيمة تنفيذه 17 بليون دولار تُستَثمر على مدى عشر سنوات. وهو يعالج مشاريع النقل والمواصلات والكهرباء والنفايات الصلبة... وخلافها.

ويرى الخبراء أن هذه الحكومة ستقف عاجزة عن تلبية شروط مؤتمر «سيدر». وهي شروط صعبة كونها تطالب بالإستغناء عن فائض في الوظائف يتجاوز العشرين في المئة. ومثل هذا الضمور في وظائف الدولة أول ما يمسّ نفوذ الرئيس نبيه بري الذي تتجاوز حصته داخل المؤسسات الرسمية أكثر من خمسة آلاف موظف.

الشرط الثاني يطالب بتعيين خبراء ماليين من أجل الإشراف على تطبيق سياسة مالية ونقدية تخفض نسبة الدين العام. إضافة الى خفض النفقات الاستهلاكية في الموازنة العامة بما لا يقل عن عشرين في المئة.

الدول الخليجية العربية ترى أن استجابة طهران لرغبة فرنسا ناتجة عن قناعة المسؤولين بأن هذه الدولة الاوروبية كانت متحفظة بالنسبة لتطبيق المقاطعة التي فرضتها الولايات المتحدة على ايران. إضافة الى هذا العامل السياسي، فإن الوضع المعيشي في المدن والقرى الايرانية بدأ يشهد مظاهرات واحتجاجات شعبية. خصوصاً بعدما نشرت الصحف الاميركية تحقيقاً عن الأحوال الاقتصادية في ايران، زعمت فيه أن المحتاجين من الإيرانيين كثيراً ما يشاركون في مآتم أشخاص لا يعرفونهم بهدف تناول الطعام المقدم عن روح الفقيد.

فريق آخر يزعم أن روسيا، شريكة ايران و«حزب الله» في سورية، كان لها دور مؤثر في الإفراج عن الحكومة المغلولة. ذلك أن القرار الذي اتخذه الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سورية مهّد الطريق أمام تمدد النفوذ الروسي الى لبنان عبر مصافٍ في طرابلس لتخزين النفط الذي تصدره الشركة الروسية «روزنفت».

وبما أن طرابلس لا تبعد أكثر من ثلاثين كلم عن الحدود السورية، وستين كلم عن القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، فإن بوتين يرغب في استخدام لبنان منصة ثانية لطموحاته. وتقول مصادر رسمية لبنانية إن الرئيس فلاديمير بوتين وعد الحكومة اللبنانية بحلحلة مشكلة 950 ألف لاجئ سوري مسجلين في الدوائر الرسمية. بينما يقفز العدد النهائي الى مليون وثمانمئة ألف لاجئ سوري.

ومن يرى الكاتدرائية الضخمة التي أمر بوتين ببنائها على مدخل إحدى قرى لبنان الشمالي، يدرك أن لطموحات روسيا أسباباً أخرى تتعلق بحماية النصارى، مثلما كان دورها بعد الحرب العالمية الأولى.

المؤشر المحلي الأكثر صدقية جاء على لسان الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله، الذي نفى أن يكون وزير الصحة جميل صبحي جبق من عناصر الحزب، وإنما هو صديق متعاطف.

وكانت الصحف اللبنانية قد لمحت مراراً وتكراراً الى الدوافع الحقيقية التي تكمن وراء إصرار الحزب على أخذ حقيبة الصحة ضمن التشكيلة الوزارية الجديدة. علماً أن هذه الوزارة لا تُصنَّف في عداد الوزارات السيادية كالداخلية والدفاع والمالية والخارجية.

وحول هذا الموضوع طُرِحت عدة سيناريوهات كان أبرزها التفسير التالي: انتشرت في الفترة الأخيرة إشاعة تقول إن المخصصات التي كانت تغدقها ايران على «حزب الله» قد تضاءلت الى درجة غير عادية. وبما أن الحزب يتولى مهمات اجتماعية – صحية بغرض تأمين العناية لأكثر من نصف مليون محتاج ومعاق، فإن تراجع وضعه المالي سيؤثر حتماً على هذه الشريحة من أبناء الجنوب والبقاع. إضافة الى تأمين الرعاية لعائلات قتلى الحزب في سورية الذين يزيد عددهم على ألف وثمانمئة قتيل.

ويزعم مروجو تفسير استئثار الحزب بوزارة الصحة أن حاجة محازبيه وأنصاره الى الاستشفاء والدواء تدفعه الى الحصول على حقيبة الصحة باعتبارها تؤمن له بعض ما فقده من التمويل الايراني.

مصادر «حزب الله» رفضت هذه الحكاية الممجوجة، وقالت إن الحزب لا يعاني من الشح في موارده... وإن لديه من الأنصار والمندفعين ما يغنيه عن كل ميزانية وزارة الصحة اللبنانية!

* كاتب وصحافي لبناني