من مصدق إلى الخميني

مصطفى زين |

في مطلع خمسينات القرن الماضي أطاحت الاستخبارات الأميركية والبريطانية محمد مصدق وحكومته في إيران وأعادت الشاه إلى سدة الحكم. هذا لم يعد سراً. كان مصدق يمثل التوجه القومي الذي ساد المنطقة والعالم في تلك الحقبة التي شهدت هزيمة الاستعمار القديم المتمثل ببريطانيا وفرنسا لتحل مكانهما الولايات المتحدة وتهيمن على "العالم الحر" وتقوده إلى حروب لا تنتهي. بعودة الشاه أصبحت إيران "شرطي الخليج" والجبهة المتقدمة في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمد الشيوعي في آسيا الوسطى والمشرق.


في تلك المرحلة كانت الولايات المتحدة تدعم الحركات الإسلامية المناهضة للتوجهات القومية واليسارية، ولا ترى فيها خطراً على النظام الرأسمالي العالمي. لكن تجذر الإسلام السياسي في المجتمعات جعله يتمتع بنوع من الاستقلالية لم تعرفه الأنظمة المستحدثة، خصوصاً في الشرق الأوسط وفي الدول المستقلة حديثاً التي اصطدمت أنظمتها المستوحاة من التجارب الغربية بتقاليد راسخة تحتاج إلى قرون كي تتطور على مستوى شكل الحكم والانتقال من التمثل بالخلافة والإمامة وولي الأمر والولي الفقيه إلى عصر الدولة الحديثة.

استطاع الشاه، من الخمسينات حتى نهاية السبعينات، القبض على الدولة بدعم غير محدود من الولايات المتحدة، قمع كل الحركات اليسارية والقومية، فيما استطاعت حركة الخميني ورجال الدين إحكام السيطرة على مفاصل المجتمع الذي وقف معه في ثورته وأوصله إلى الحكم، فحول إيران من نموذج غربي للاستهلاك في كل المجالات إلى نموذج مختلف لم تعرفه الشعوب الإسلامية منذ قرون، ما أحدث صدمة تحولت إلى انقسام حاد في صفوف الإسلام السياسي واستعيدت سجالات تاريخية وفقهية بين المذاهب انساقت خلفها جماعات وشعوب.

وسط هذه الخلافات اشتعلت الحرب الإيرانية - العراقية التي استمرت ثمان سنوات، وأنهكت البلدين، وخرجت الولايات المتحدة بنظرية "الاحتواء المزدوج" وبدأت حروبها الاقتصادية عليهما وعندما لم تفدها شنت حربها على العراق ودمرت كل مؤسساته وبناه الاجتماعية وأعادته إلى عصر القبائل المتناحرة. كما احتلت أفغانستان لتصبح إيران محاصرة بالجيوش الأميركية من كل الاتجاهات ولم يعد لديها اي منفذ سوى آسيا الوسطى المتصلة بروسيا الطامحة للعودة إلى أيام الاتحاد السوفياتي، ولكن بروح أرثوذوكسية وليس بالايديولوجيا الشيوعية.

في ظل الحصار، وعلى رغم كل التهديدات الأميركية، استطاعت إيران بناء ترسانة يحسب لها ألف حساب، ومدت نفوذها في الإقليم من لبنان إلى العراق مروراً بسورية، من دون أن ننسى اليمن، وغيرت كل الواقع الجيواسترتيجي في الإقليم، ما اضطر الولايات المتحدة إلى تبديل استراتيجيتها حيالها، من تهديدها بالحرب ايام جورج بوش الإبن إلى الحوار وتوقيع الإتفاق النووي في ايام أوباما، الى إلغاء هذا الاتفاق في عهد ترامب الذي يعبئ الجميع ويسلحهم استعداداً للمواجهة الكبرى، ويرى أن العقوبات ستدفع الشعب الإيراني إلى الانتفاضة على الحكم، لكنه في الوقت ذاته يدعو هذا الحكم إلى حوار غير مشروط لتعديل الاتفاق وتضمينه بنوداً تحد من تعزيز نفوذها في الإقليم وتمنعها من تطوير قدراتها الصاروخية. وهي شروط رفضتها خلال المفاوضات على برنامجها النووي وما زالت ترفضها حتى اليوم. وتستغل كل فرصة لتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية.

ترامب الساعي إلى الانسحاب من الشرق الأوسط لم يعد لديه شاه ليوكل إليه مهمة التصدي للخطر القادم من روسيا ويهدد، بالتعاون مع الصين ودول أخرى، بإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب تشكل إيران أحد مرتكزاته في الشرق الأوسط. أما أنقرة التي كانت مع طهران، الدرع الواقي من التغيير الجيواستراتيجي، فلم تعد كما كانت أيام العسكر، ولم يعد الحلف الأطلسي يملي عليها ما يجب أن تفعله. سياستها في ظل رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي أقرب إلى طهران منها إلى لندن أو باريس أو برلين، وقد استثنيت مع بعض الدول من العقوبات وهي مستمرة في تعزيز علاقاتها التجارية والإقتصادية مع طهران، وتتعاون معها في سورية وفي العراق لاحتواء الأكراد الذين يشكلون خطراً على الدولتين.

العالم تغير خلال أربعين سنة من عمر الثورة الإيرانية، وتغيرت التحالفات والاستراتيجيات، فيما نحن ثابتون مخلصون لتحالفاتنا، ندفع ثمن التحولات من دماء أبنائنا.