وثيقة الأخوة الإنسانية... فرص وتحديات

محمد بدر الدين زايد |

«وثيقة الأخوة» التي وقّعها شيخ الأزهر أحمد الطيب، والبابا فرانسيس أخيراً، تمثل نقلة نوعية في سلسلة التفاعلات الإسلامية –المسيحية عبر التاريخ، وبخاصة منذ بدء ما يسمى بالحوار بين الديانتين وما اتسم به من تذبذب وعدم وضوح وتأثر بتفاعلات آنية. كما أن هذه الوثيقة هي حلقة متقدمة من مجموعة وثائق استنارة بدأها الإمام الأكبر منذ منتصف عام 2011 بوثيقة مستقبل مصر ويضيف إليها اليوم هذه الوثيقة الثمينة.


كان الأمر يحتاج في ما يبدو لحدوث هذه المصادفة التاريخية الفريدة، وهي تزامن وجود رجلين على قدر كبير من النقاء والصدق والتفرد، ربما كانت دلالاته في حرارة لقاء الحبرين الجليلين في القاهرة والفاتيكان، وهي الحرارة التي لا تخطئها العين في شكل تعانقهما في الإمارات. وعندما يسجل الشيخ في كلمته أن أصحاب الفضل في إخراج هذه الوثيقة هما مستشاره السابق محمد عبدالسلام والقس الكاثوليكي يؤانس جيد، فهو يسجل أيضاً قيمة أخلاقية أخرى لا يتوقف عندها كثيرون من أصحاب المكانة في العالم وفي منطقتنا خصوصاً من إعطاء الفضل لأصحابه.

والوثيقة بالمناسبة في نصها العربي قطعة أدبية جميلة ومبهجة بما حاولت أن ترسله من رسائل للعالم وليس لمنطقتنا وحدها في عالم بالغ الصعوبة، وأتمنى أن أجدها في كل مكان- وليس فقط بمناسبة توقيعها- وبخاصة في المدارس والكنائس والمساجد، وبما تتضمنه من قيم وأفكار. يكفي تأكيدها على المحبة والإيمان ودعم ثقافة الحوار ومساواة البشر في الحقوق والواجبات والكرامة، وإن كنت لست متأكداً مما ذكرته من أن أحد مصادر مشاكل العالم هو الفلسفات المادية في نزعة تقليدية للخطاب الديني الكاثوليكي بخاصة، وبعض الإسلامي كذلك، مع تأييدي لما أوردته كسبب آخر لمشاكل العالم وهو غياب الضمير الإنساني والنزعة الفردية، وهذا ليس دفاعاً عن الفلسفات المادية، وإنما لأن المسألة في تقديري أعقد من هذا بكثير ولم تعد هذه الفلسفات المسماة بالمادية في تراث القرون السابقة مصدر إلهام وتأثير في قطاعات كبيرة في العالم المعاصر حتى من المثقفين في الغرب والشرق.

المهم أن هذه الوثيقة الرائعة عن حق لا يكفي في تفسيرها قراءتها وحدها بل لا بد من التوقف كثيراً عند كلمة الدكتور الطيب في هذا الصدد، وما تضمنته من معان أقدر أنها الأكثر تطوراً من شيخ للأزهر. مثلما يمثل البابا أكثر حلقات التسامح والتواضع والمحبة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.

أبرز الدكتور الطيب في حفلة التوقيع عدداً من القيم الواردة في الوثيقة وعلى رأسها العدل القائم على الرحمة وهو إيجاز رفيع لأعلى قيم الأديان والأخلاق معاً، وعن التفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر.

كما تحدث عن ضرورة وقف دعم الحركات الإرهابية بالمال والسلاح والتخطيط، وتحدث عن براءة الأديان كلها من الحركات والجماعات الإرهابية، مؤكداً حقوق المرأة والطفل وضرورة التوقف عن استخدام الله لتبرير أعمال القتل والشر.

وفي كلمات بليغة أخرى دعا الإمام المسلمين في بلاد العالم الإسلامي إلى احتضان إخوتهم المسيحيين، الذين أكد أنهم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات. كما دعا المسلمين إلى الاندماج في بلاد الغربة واحترام ثقافاتها. ولم يفت الرجل أن يؤكد أن المهم أن يعمل كل رجال الدين الإسلامي والمسيحي على نشر هذه الرسالة. هذه الوثيقة التي اكتفيت بذكر بعض جوانبها ربما تشكل أهم وثيقة تعايش ومحبة بين الأديان وبخاصة المسيحية والإسلام عبر التاريخ، كما لم تتردد في أن تشمل كل البشر في العالم. وأقف عند بعض الملامح المهمة، والتي تثير إشكالات معقدة، أولها الإشارة الصريحة للوثيقة وللإمام الأكبر بضرورة التوقف عن توظيف السياسة للدين.

إن التأمل في هذه المسألة يكشف أنها أكثر صعوبة مما قد يبدو للوهلة الأولى، فمن يتابع أحوال السياسة في بلاد العرب والمسلمين عبر تاريخهم الممتد، بل في حضاراتهم القديمة وعلى رأسها المصرية، سيجد أن توظيف الساسة والحكام للدين كان نهجاً مستمراً ما تسبب في خلط الأوراق. وعندما حاول القصر الملكي المصري إخراج هذه الورقة للوصول إلى الخلافة وتعطيل آلية النظام الدستوري، ثم أدى فشله إلى ابتكار أداة «الإخوان المسلمين» لدعم القصر في 1928. وأثبتىت هذه الأداة قدرتها المخيفة على المساعدة في تقويض النظام البرلماني الدستوري. وعبدالناصر وقف في صحن المسجد الأزهر عام 1956، ليشحذ عواطف المصريين والعرب والمسلمين لدعمه وبلاده في معركة العدوان الثلاثي على مصر، وقام السادات بأكبر كارثة في تاريخ مصر الحديثة باستخدام الخطاب الديني وجماعاته لمواجهة المعارضة اليسارية ضده. والمشكلة ذاتها نجدها عندما يسارع هذا المفتي أو ذاك الشيخ إلى تأييد تصرفات حاكم أو مسؤول ما باعتبار أن هذا متفق مع أحكام الشريعة. ونجد أن دونالد ترامب يستند في تصرفاته، وقبله بوش الإبن وريغان؛ إلى عدد من رجال الدين المتطرفين الذين يتبادلون الدعم والمصالح مع هؤلاء الساسة. وقبلها وحتى الآن هناك تراث ضخم لدور الكنائس في السياسة، فماذا يكون كل هذا؟ ربما يسأل المرء نفسه: أليس من حق رجال الدين هؤلاء التعبير عن أنفسهم سياسياً أو حتى ممارسة التقرب للسلطة مثلهم مثل كتاب ومفكرين وساسة آخرين ورجال أعمال ونقابات؟ القضية إذن صعبة وشائكة، حتى في المجتمعات التي تتبنى فصل الدين عن السياسة. ودليل ذلك الأحزاب الغربية المسيحية، فهي جزء من ممارسة الديموقراطية والحريات، ولكن الفارق أن هناك ضوابط وقواعد للممارسة السياسية، ولا يتدنى الأمر إلى وصف المخالفين أو الآخر بأنه كافر؛ وهو ما اعتادت عليه جماعات توظيف الدين في بلادنا. ومع التقدير لهذا البعد، فإنه في الأحوال كافة تتضاعف أهمية هذه الوثيقة في هذه المرحلة؛ كون هناك تراجعات كبيرة على مستوى العالم الغربي في ما يتعلق بقيم الاختلاف وقبول الآخر، وبعضها تحاول توظيف الدين، ما يجعل من أهمية مواجهة التوظيف السلبي للدين مضاعفة في زمننا الراهن، وأمراً في حاجة إلى استشراف الدين بمنطق المحبة والشفافية على نمط الطيب وفرانسيس.

هنا أيضاً أتوقف عند قلق الرجلين من أن الإرهاب دفع البعض إلى الإلحاد والبعد من رسالة الدين؛ إذ يذكرني هذا بتوسطي منذ زمن لدى راعي الكنيسة المصرية في أحد بلاد الهجرة –وكان صديقاً عزيزاً- بناءً على طلب أسرة مصرية طيبة في أمر ما.

أذكر أن أحد أهم حججي للرجل في حوار مطوَّل هو أن النهج المتشدد قد يدفع بأبنائنا في الخارج إلى العزوف عن كنيستنا، وكان هذا الأمر متكرراً أيضاً مع بعض الأسر المصرية وغير المصرية المسلمة والتي تريد من أبنائها التشدد والإغراق في المحافظة في المجتمعات الغربية. من هنا كانت دعوة الطيب وبصيرته بدعوة المسلمين إلى الاندماج في مجتمعاتهم الغربية مع الحفاظ على هويتهم، إدراكاً منه أن هذه العزلة هي منبت ظاهرة التطرف التي خرجت منها عناصر «داعش» الغربية. كما أنها أيضاً مصدر تباعد أعداد من شبابنا العربي عن مؤسساتنا الدينية وعن الدين ذاته في الغربة.

والتحدي الأكبر للوثيقة هو أن تصبح دستوراً للسلوك في العالم، وليس فقط العالمين الإسلامي والكاثوليكي، وأن يتبناها كل رجال السياسة والدين والفكر، وأن تنتقل إلى أروقة الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية والإقليمية، وتتبناها المؤسسات التعليمية ودور العبادة، على أن تتولى الأخيرة شرحها بعد استيعابها بصدق وإخلاص.

هي فرصة تاريخية عظيمة للبشرية إذا أرادت أن تخرج من تحديات عالمنا الصعب إلى أفق عالم أفضل يستفيد من هذه الفرصة الباعثة على البهجة في عالم ليس مبهجاً.

* كاتب مصري