«جو العظيم» لأشرف الخمايسي ... سرد رتيب وأحداث معروفة سلفاً

سمير درويش |

يقيم أشرف الخمايسي بناءه الروائي في "جو العظيم" (الشروق- القاهرة) على أربع دعائم: الأولى القبطان ممثل السلطة العليا المطلقة، وأطلق عليه اسم "الريس زبيبة ربيع الحلو"، أو "الكابيتانو" كما يحب أن يلقب نفسه للتفخيم! ومعه بحار وحيد برجل اصطناعية اسمه "حَمُّود"، يصفه بأنه "كلب سلطة جو العظيم"، ومعهما ضابط أمن دولة غامض! الثانية رجلان: سلفي اسمه الثلاثي "بيضون جلال الرَّائد"، ومسيحي اسمه "شندل بشندي فانوس"، السلفي محروس بأغلبية مسلمة والمسيحي مكشوف بأقلية مسيحية، حرص الروائي على أن يكون تمثيلهما موازيًاً لتمثيل المسلمين والمسيحيين في مصر تقريباً. الثالثة فنان تشكيلي يمثل جماعة المثقفين العلمانيين اسمه "ياسين السيد جرباية"، يرتدي بدلة كثيرة الألوان ويجيد الخطابة. والرابعة يمثلها القطاع الأكبر من ركاب المركب، الذين ينقادون هنا وهناك من دون اعتناق موقفٍ ما، حسب غلبة هذا الطرف أو ذاك، كرمز لأفراد الشعب البسطاء، وقد اتخذ نماذج دالة من بينهم: "كلام طماطم"، "الفلاح الصعيدي"، و"زغلول البيضا" الذي اكتشف أن "حسن المط" ليس سوى امرأة متخفية اسمها "بَهيَّة المط خليل"، فانصرف عن كل شيء لاختلاس المتعة معها، مستغلًاً حاجتها للكتمان كي لا ينكشف أمرها، وتلك الاستجابات الغريزية التي تنتاب الأنثى حين تتعرض للخطر، وتجعلها تحتاج مَن يحميها، ثم "صاحب السنارة" المسكين الذي كاد يموت غرقًاً بسبب بطش البحار لمجرد البطش!

بهذه الأدوات أدار الخمايسي صراعه –في 71 في المئة من حجم روايته- الذي يدور حول السلطة ومقتضياتها ومكاسبها، فأنشأ صراعًاً دينياً –منذ اللحظة الأولى- بين المسلمين والمسيحيين، وجعل لكل فريق قائداً يتحدث باسمه: بيضون وشندل، ثم أوجد الأحداث التي تستوجب إشعال هذا الصراع، وجعل التشكيلي المثقف يراقب من بعيد، ظاهرياً يبدو داعيًاً للوئام والتآخي، وباطنياً ينحاز للمسيحيين ويكره الإسلام من وجهة نظر الراوي- الروائي، ولا يترك وسيلة تقربه من "الريس زبيبة- الحاكم" ليستغل السلطة الممنوحة له في سير الأمور حسب ما يريد، الأمر الذي يضعه في مقارنة مستمرة –خاسرة غالباً- مع "البطل" السلفي في نظر عامة الركاب. كل هذا يدور على سطح مركب متهالك، "شبه مركب"، يطلق عليه صاحبه –زبيبة- اسم "جو العظيم"، وليس فيه من العظمة شيء، كما يُطلق على حَمُّود ذي القدم الواحدة والعين الواحدة لقب "البحارة" بالجمع، ويطلق أوصافاً وأوامر مجانية ليس لها وجود في الواقع عن الهلب والقلوع... إلخ، بينما مركبه يعمل بموتور قديم، ويتم ربطة إلى الشط بحبل! كل هذا "الوهم" لكي يعلي من قدر نفسه كـ"بحار" وفق قوانين البحار التي تضعه فوق رؤوس الجميع.

نحن أمام هجرة غير شرعية، لمواطنين مصريين مختلفي الأصول، إلى إيطاليا، فوق مركب متهالك معلوم مقدمًا أنها ستغرق، انتقل بها الروائي إلى تكوين "دويلته" الرمزية المصغرة التي ترمز لمصر، مستخدماً دوال من الصراع السياسي الآني، كقوله مثلاً: "جو أبو الدُّنيا، وبكره يبقى قد الدُّنيا"، يحاول من خلال دويلته الرمزية إقامة صراع يوازي الصراع الحقيقي، انطلاقاً من خلفيته الفكرية وانحيازاته المسبقة، وهنا تكمن المشكلة الفنية الأولى، وهي الانحياز القَبْلي الذي جعله يصنع الأحداث بذهنية عالية، أراد لها أن تنتصر لوجهة نظر مسبقة، فوقع في فخاخ عدة: منها الإسهاب في تصورات ثقافية تخص الروائي، لا الشخصيات، لأنها ليست سوى عرائس ماريونت تحركها نوازعه، فتجد الراوي ليس عليماً فقط، بل فوق العليم، يقرأ ما في الصدور، ويتوقع المستقبل، فيقول: "لو قُدِّر لـياسين البقاء على قيد الحياة، والنَّجاح في الوصول إلى بلد أُوروبِّي دِيموقراطيٍّ يحترم حقوق الإنسان، والاستقرار في بيت أُنشِئت في ردهته مدفأة كبيرة تُحرق فيها أخشاب فاخرة لا ترسل دخاناً أثناء اشتعالها، حينها سيمُكنه استرجاع كُلّ لحظات الرُّعب تلك، بتفاصيلها الدَّقيقة"، ويؤكد بعدها صراحة: "على هذا النَّحو فَكَّر الرَّيِّس زبيبة. فيما فَكَّر بيضون على نحو آخر"، ليلعب هنا الراوي دور قارئ الأفكار!

المشكلة الثانية الرسم المنحاز للشخصيات الذي يوافق هواه، فالمثقف –ياسين جرباية- يدور في فلك السلطة ويتزلف للحاكم متمنياً رضاءه، مغلفاً أداءة بشكل يبدو معارضاً للفت الانتباه إليه لا أكثر، انتباه الناس وانتباه الحاكم: "رجاؤه المخلص في تَفهُّم الرَّيِّس زبيبة أنَّه، كمُثقَّف، مهما عارض سلطة نظام جو العظيم فلن يكون خائناً لها! بل العكس، إذا استَجدَّت طوارئ الأحداث، لتنكأ بأشواكها مضجع النِّظام السُّلطويّ فسيكون أَوَّل من يَمدّ يديه لانتزاع هذه الأشواك"!، وبالفعل يورد مواقف يغير فيها المثقف رأيه بين لحظة والتي تليها! وفي المقابل يجعل للسلفي معجزات (!)، وإن لجأ إلى تفسيرات معاكسة هشة لينقي انحيازه له، فما إن دعا الله أن يُظهر الشمس كي يقدِّر موعد صلاة الظهر، حتى انقشعت الغيوم وتوقف الإعصار!: "يا رَبّ. نريد قياس الظِّلّ لنُؤدِّي لك صلاة الظُّهر في وقتها، فاكشف لنا الشَّمس. قالها مَرَّة. وقالها أخرى فيما ينتفض لفرط صدقه. ولم يكد ينتهي من قول الثَّالثة حتَّى ركضت السُّحب الكثيفة، السَّوداء، إلى نواحي السَّماء منزاحة عن القلب منها، حيث شمس الظَّهيرة ساطعة بوهج أَشعَّتها الحَارَّة"!

وتظهر قمة انحياز الروائي في هذه الفقرة: "على هذا، مهما كان بيضون مخلصًا فإنَّ الرَّيِّس زبيبة، دون أَقلّ نسبة من تأنيب الضَّمير، سيَظلّ يخشى على بويضته من القُوَّة التي يتَمتَّع بها هذا المخلص. ما سيدفع به نحو الاستمرار في تنفيذ الخُطَّة الأَمنيَّة الهادفة إلى القضاء على تأثير (السَّلفيّ المخلص)، والتي وضعها (العَقلانيّ الحقود)، وأَيَّدها (التَّشكيليُّ معدوم الشَّخصيَّة)".


لكن المشكلة الأكبر –في ظني- هي الاستاتيكية، فالقارئ يطوى صفحات كثيرة من دون أن يتقدم الحدث خطوة واحدة، صفحات ليست سوى سرد قناعات الروائي، وتدوين خطبه وتسجيل أحكامه القيمية على الآخرين مستثنياً نفسه، وهي لا تقدم جديداً في بناء مكشوف، يستطيع القارئ العادي أن يمسك خيوطه من الصفحات الأولى، حيث سلطة عسكرية على نحو ما تحكم شبه سفينة/ شبه دولة، يناوشها خطابان متضادان لكسب ثقتها والفوز بمنحِهَا، وفي الوقت نفسه تتحيان فرصة القفز عليها: أحدهما ديني متعصب يستخدم الدين مطية للوصول إلى هدفه، والآخر ثقافي- مدني متهافت منافق يتشدق بالمقولات الثقافية دون أن يؤمن بها!: "ها هو ضميره يَتَّهمه بأنَّه ليس ذلك النَّبيل المُعلَن صاحب المبادئ. بل المخادع السِّريّ الذي يلعب بحجرين، ويمشي على حبلين، ويكيل بمكيالين"، "لم يكن إذًا خطابه التَّنويريّ حديدًا ليَفلّ حديد الأُصوليَّة، بل خطابًا زجَاجيًّا تَهشَّم بسهولة عند أَوَّل نزال".

ورغم أن كتابة رواية عن "الهجرة غير الشرعية" انتُهِكت كثيراً، فإنها انتهت عمليًّا بعد 53500 كلمة بغرق السفينة "جو"، وبدأ الخمايسي رواية أخرى ترصد سيرة ستة ناجين تتكون من 22000 كلمة، أي بواقع 29 في المئة من الحجم الكلي للكتاب، لا يجمع الروايتين سوى الأبطال، وهذا النقاش الذاتي الذي يجريه الروائي –بوعي- بين فكرتين: السلفية والعلمانية، لينجاز كلياً للأولى. الصراع في الرواية الأولى كان على سلطة "جو"، حيث من يجلس على مقودها يحكم ويتحكم، بينما كان الصراع في الثانية على سلطة "بهية"، فمن يتزوجها سيكتب له الاستمرار والبقاء، وقد قفلها الخمايسي بما ظنه صدمة، فقد اختارت بهية المسيحي الوحيد زوجاً لها دون أربعة رجال مسلمين، وهي قفلة غريبة على السياق السردي، وغير مبررة فنيّاً، حيث لم يتم التمهيد لها، لتضيف القفلة نتوءًا يضاف إلى الكثير من النتوءات!