الحرية الشخصية وأهميتها للسياحة الداخلية

عقل العقل |

لا يختلف الكثير على أن السياحة في أي دولة في العالم هي صناعة مختصة ومتداخلة مع جهود جهات أخرى، فمثلاً صناعة النقل والمواصلات إحدى هذه الجهات، فلا يكفي أن تكون لدينا مواقع سياحية أثرية ضاربة في التاريخ، ولكن لا يمكن الوصول إلى تلك المناطق لضعف في بنية الطرق البرية وخدماتها المتكاملة من محطات طرق سريعة وموتيلات منتشرة على طول تلك الطرق، أو أهمية وجود مطارات داخلية في تلك المناطق، وعدم وجود احتكار لشركات طيران معينة لها، ما يجعل هناك صعوبة في الحصول على حجوزات في أيام العطل والمناسبات، مثلاً جنوب المملكة منطقة جذب سياحي من حيث الطبيعة الخلابة والتنوع بين الجبال والسهول والبحر، وما زلنا نعاني من صعوبة الوصول السهل لها، كم أتمنى أن تكون لدينا شبكة سكك حديدية تؤخذ في اعتبار إنشائها السياحة الداخلية، كما يحدث في الدول الأخرى، وتكون مرتبطة مع الدول المجاورة والعالم.


قضية أخرى لا تقل أهمية عن موضوع المواصلات، هي قضية توافر ووجود الفنادق والمنتجعات في المناطق السياحية بأسعار تناسب جميع الطبقات الاقتصادية، وتكون ذات مستوى عالٍ من حيث الخدمات والنظافة، أحد الزملاء مثلاً يتساءل قبل أيام عن كيفية الوصول والسكن في منطقة العلا، التي تشهد حراكاً ثقافياً وسياحياً غير مشهود، كثيراً ما سمعنا أن السياحة الداخلية ستوفّر ملايين الوظائف الدائمة أو الموسمية، ولكن هل تحققت تلك الأرقام؟ علينا أن نكون أكثر صراحة لمعرفة المعوقات لمثل هذا الإخفاق في خلق مثل هذه الوظائف ومعرفة الأسباب في هذا التعثر، لا يزال الآلاف من المواطنين يتدفقون في موسم الإجازات إلى الدول المجاورة، وهذا من حيث المبدأ حق مشروع لهم وسيستمر سنوات مقبلة ولا إشكال في ذلك، ولكن ليس بتلك الأعداد المليونية، وعلينا أن نركز على أهمية الحرية الشخصية وتسهيلها وتأصيلها لدى الجهات المقدمة للخدمات السياحية، فالناس أصحاب أذواق وآراء مختلفة وسلوك قد لا يتفق معه البعض، على رغم عدم معارضته لمفهوم الأخلاق العامة، ولكن يرفض نتيجة عزلة اجتماعية أو ادعاء خصوصية محلية، فنحن لسنا أوصياء على الناس ماذا يفعلون ونحلل ونحرم ونصور سلوكيات معينة بأنها خارجة عن الدين والأخلاق، فها نحن نشهد مشاريع تحديثية لها علاقة بموضوع الجذب السياحي من إنشاء دور سينما مثلاً، ويا حبذا أن يكون للمناطق السياحية نصيب فيها.

لا نريد سياحة نخبوية، بل صناعة تقوم على الجذب من خلال منظومة متكاملة من الخدمات وثقافة احترام الآخر وسلوكه، فالمملكة تشهد إقامة مشاريع تنموية جبارة في «نيوم» و«القدية».

نريد أماكن سياحية بمواصفات عالمية، فمصر - وهي دولة سياحية بامتياز- أقامت مدناً كاملة تختلف عن السياحة التقليدية فيها، كما هو في شرم الشيخ والغردقة، تحس وأنت فيهما بأنك في دولة أوروبية من حيث البنية التحتية والمساحة المتاحة لسلوك السائح فيها مقارنة ببقية البلاد، «الفوبيا» التي يعبّر عنها البعض من هذا الانفتاح ستجعلنا نرجع للمربع القديم نفسه، من اجتهادات منغلقة فوتت علينا فرص تنمية هذه الصناعة المهمة في الاقتصاد الوطني غير المعتمد على النفط. كم أتمنى أن تكون لدينا معاهد تخرج المؤهلين في العمل السياحي في كل قطاعاته.

جميلٌ أن يكون هناك تسهيل أو بداية تسهيل للسائح الأجنبي لزيارة المملكة، من خلال سهولة الحصول على التأشيرة السياحية، والتي سيبدأ العمل بها قريباً كما قرأت أخيراً. الدول تتنافس على جذب هذا السائح، وعلينا أن ندخل هذا المعترك بكل قوة، وننفض غبار الماضي من أوهام وتعقيدات قد تضر المشروع بأكمله. أن يترأس ولى العهد الأمير محمد بن سلمان الأسبوع الماضي في قصر الطريف ورشة عن السياحة هو مؤشر مبشّر في مستقبل واعد لهذه الصناعة، ومعرفة آفاقها والصعوبات التي تواجهها، وولي العهد هو قائد التحديث والرؤية في وطننا.

@akalalakal