قناع الدرويش يسقط عند شاهد قبر «كيميا»

مختار سعد شحاتة |

تقدم رواية «كيميا» (دار الشروق- القاهرة) كاتبها وليد علاء الدين، للمرة الثانية على التوالي بعد رائعته الأولى «ابن القبطية»؛ كروائي مميز. هو أصلا شاعر، وربما كان هذا سر تميزه كروائي وهو يثبت عدم دقة المقولة النقدية المروج لها بأننا نعيش عصر الرواية.


نحن بصدد عالم كتابي أرحب وأكثر اتساعا لطرائق كتابية معاصرة، أكثر - في ظني- انفتاحا من مجرد سرد طويل النفس. نحن في عصر كتابة الحياة، وهو ما يدفع الأديب الموهوب إلى التنقل بمهارة بين أنواع الكتابة من دون انشغال بتسمية النقد الأدبي لنصه.

أعود إلى النقطة الأولى مع الشعراء، وأذكر نموذجين مصريين، أحدهما منذ سنوات مع تجربة الشاعر أحمد زغلول الشيطي وروايته «ورود سامة لصقر» والتي صدرت طبعة جديدة منها واكبت دورة اليوبيل الذهبي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.

والنموذج الآخر منذ عامين والشاعر علي عطا وروايته «حافة الكوثر» (الدار المصرية اللبنانية). هما نموذجان لما أود لفت الانتباه إليه من دخول الشعراء إلى دنيا السرد الطويل، وكيف يكشفون بكتاباتهم كثيرا من غث الروائين. وهنا ينضم إليهما وليد علاء الدين، ليؤكد فكرتي عبر روايتيه «ابن القبطية» (الكتب خان) و»كيميا». ومن باب الذكر أيضا أذكر الشاعرين طارق الطيب (مصري سوداني نمساوي) ومحسن الرملي (عراقي أسباني)، وما قدماه في عالم الرواية بكتابات فارقة وكاشفة.

طرح وليد علاء الدين في روايتيه كتابة الحياة بخذافيرها، ولتصبح التقنية التي تمثل عمودا فقريا للعملين. ففي «ابن القبطية» اعتمد على المذكرات الشخصية والتقارير كتقنية للسرد، وفي «كيميا» خلط بين الذاتي والمحكي بوجهة النظر والتحليل وعبر تفكيك الأقانيم، وطرح إشكالية الهامش والمركز. «كيميا» تمثل الهامش المغدور، والمركز مثله جلال الدين الرومي والتبريزي، وقام وليد علاء الدين بتفكيكه وحلحلته ومساءلته. وهنا يجب أن أشير إلى أن مقالات وليد علاء الدين في جريدة «المصري اليوم» القاهرية، وفي كتابيه «واحد مصري» و»أقتل الزومبي» تجعله نموذجا أكاديميا لتدريس كتابة الحياة، إذ تقفز كتابته إلى ما أهو أبعد من مجرد نص لكاتب موهوب، فتصبح نصوصا جامعة لمادة الحياة بكل تفاصيلها. حدث ذلك حتى في الكثير مما كتبه شعرا (كقصيدته «وردة في مزبلة» المهداة إلى روح شيماء الصباغ)، ومسرحيته «72 ساعة عفو»، وغيرها من نصوصه المسرحية). وفي رواية «كيميا» يضع الشاعر وليد علاء الدين قدميه في منطقة سردية خاصة أظنه انفرد بها عبر تقنية الكتابة، وعبر تلك «الحدوتة» داخل الرواية نفسها التي قرر فيها أن ينتصر لكيميا المغدورة على يد هذين الدرويشين.

ناقش وليد علاء الدين في رواية «كيميا» هما مجتمعياً، من دون أن يتحول إلى واعظ، بل تجد أنه يهدم بسلاسة بروازاً عتيقاً حول الكتابة ودورها الفوقي الذي تعاملت به أجيال سابقة، فجعلتهم يكتبون من عالم وعن عالم لا يمثل الحياة ولا العصر ولا لغته ولا مفرداته. وفي رواية «كيميا» وعبر الرحلة الشخصية (وهي واقعية) يفكك وليد أفكارنا ويعيد طرحها للنقاش؛ وأهمها (موجة التصوف السطحي) و(هوجة الاقتباسات الصوفية والكتابات الصوفية) التي أطلقتها إيليف شافاق - سامحها الله- عبر روايتها «قواعد العشق الأربعون»، لتجتاح الحياة في وطننا العربي عبر أوساط سُنية متباينة وتخلف عشرات من أنصاف الموهوبين. فهنا تحرق «كيميا» عالم جلال الدين الرومي وصديقه شمس التبريزي، ويضعها وليد في محاكمة إنسانية أمام منطق شديد العدالة، وهو المعيار الحكمي على فعلهما الإنساني وأثره على من حولهم. ويكشف علاء الدين عبر طرح أفكاره حجم أنانية الرجلين، لامساً تأصل ذكورية عالمية، أراها فطرية في الجنس البشري، وأن أرقى تعامل معها في مجتمعات مثل مجتمعاتنا هو طرحها كما فعل كاتبنا، من دون ثرثرة، لتتسرب إشكالية الهامش والمركز، والتي ينتصروليد فيها للهامش حين يقرر البطل –وهو المؤلف نفسه- وضع شاهد قبر باسم «كيميا» على أحد القبور ظناً منه أه قبر كيميا أو أقرب القبور ليكون قبرها المغبون الغائب المنسي.

يتصادف اسم علاء الدين ابن الرومي شبهاً مع وليد علاء الدين، والذي يمثل في ظني بلاغة استخدام يعرفها متخصصو البلاغة العربية، لتتحول محاكمة وليد علاء الدين على لسان علاء الدين بن الرومي لوالده والتبريزي، وتصبح مذكرة اتهام لمجتمع وليد علاء الدين - مجتمعنا الآني- والنظر في كل ممارسات المجتمع، عبر تساؤلات هي في حقيقتها أسئلة كاتب مهموم بتشكلات المجتمع المصري، وفي مقدمها سؤال الإحباط الثوري بعد 2011، وحقيقة التصوف وعمقه المنافي لسطحية كثيرين من شبابنا ممن رآه مجرد سماع لأغنيات الشيخ التوني وياسين التهامي والتقاط الصور حول أضرحة آل البيت والعارفين من أولياء الله الصالحين. وكأنه يقول ستعيدون تجربة «كيميا» آلاف المرات ما لم تكتشفوا أن التصوف نية وفعل لا مجرد رقصات وإيقاع وموسيقى.

قرر وليد علاء الدين أن يكون عمله هذا نيزكاً يحرق عالم الرومي والتبريزي، وهو فعل ذلك بذكاء حين عرض زيارته لقرية جحا، خلال رحلته لاكتشاف قبر كيميا التي ظلمها الرجلان. وهو التفاف والتفات يحسد عليه وليد علاء الدين، حين يضع شخصية جحا الهزلية في مقابل هذين الصوفيين وعالمهما المبهر للمريدين، كأنه يقول ببراعة، جحا «الفيلسوف الضاحك» أضحك الناس وما أبكاهم، جحا قال حكمته ضاحكاً وسط الناس بمباشرة ووضوح ثم رحل، بينما أنتما أنانيان منفصلان عن العالم، قررتما الهروب لا المواجهة كما فعل جحا. هنا ينتصر الكاتب للحياة لا للهروب والعزلة، وكأنه يقول للرجلين على نياتهما (نية صالحة وعمل فاسد)، إذ قررتما تعطيل الحقوق لأجل خلق أسطورتكما الشخصية، عبر تحطيم حياة فتاة. وهو ما يعري الرومي والتبريزي ويفضح أن تصوفهما إنما تصوف مسطح مهما علا شأنهما، إذ أنهما قتلا الحياة وانتصرا للموت والعزلة. قتلا «كيميا» وقلب «علاء الدين» الشاب وحبه، بينما انتشيا بعلاقتهما القريبة من الجنون، عبر لغة غير مفهومة مشفرة بأسرار العلوم اللدنية كما ادعيا، ونسيا أصل وجودنا وهو المحبة واحترام الآخر الذي سحقاه بنشوة تصوفهما. أرى أن «كيميا»، تمثل صرخة عالية جدا لكيميا المغدورة، لكنها ناعمة في الوقت ذاته، تصلنا بعد قرون محذرة من هؤلاء الأقانيم التي يتعبد في محراب قدسيتها البشر والمريدون.

أخيرا؛ كنتُ أنبه خلال ورش الكتابة الإبداعية التي قدمتها في مصر أو في الجامعة هنا في سالفادور، أن هناك منطقين للكتابة، أولهما منطق العقل، والآخر منطق السرد، وواجب على الكاتب –أو من ينتوي امتهان الكتابة- أن يحترم هذين المنطقين، وإلا فقد ما يكتب أهم ميزاته، وهو القارئ. والحقيقة أن رواية «كيميا» تحترم عقل القارىء وتناقشه وتحاوره من دون أن تفقد متعة (الحدوتة) التي يحكيها الكاتب ببراعة بل ويورط القارئ فيها.