فجوة القوة السيبرانية والحاجة إلى مبادرة أممية

عبدالغفار عفيفي الدويك |

كان التقدم العلمي الهائل الذي شهده القرن العشرون دافعاً لعالم المستقبل الأشهر؛ إلفين توفللر أن يتنبأ من خلال كتاباته عن تحول القوة وصدمة المستقبل بتغيير حاد في أنماط القوة؛ وأرجع ذلك إلى التطور التكنولوجي الهائل وبزوغ القوة المعرفية، وعلى رأسها القوة السيبرانية، وأصبح للفضاء الإلكتروني دور أساسي في تعظيم هذه القوة، أو الاستحواذ على عناصرها الأساسية. ويعد التفوق في ذلك المجال عنصراً حيوياً في العلاقات الدولية، كما أنها تعني "امتلاك وسائل القدرة على التأثير في الفضاء الإلكتروني عموماً للحصول من خلاله على نتائج محددة يسعى الطرف الذي يقوم بعملية التأثير للحصول عليها والسيطرة عليها وإدارتها". ويكشف الخبراء والكثير من الدراسات الإستراتيجية عن القوة السيبرانية وروافدها، إذ إن الكثير من الدول تسعى لتحديث قدراتها السيبرانية الدفاعية والهجومية والاستثمار في البنية التحتية المعلوماتية، وتأمينها وذلك مع اتساع نطاق المخاطر في الفضاء السيبراني. وهناك دول تمتلك قدرات هجومية في المجال السيبراني؛ في مقدمها الولايات المتحدة وروسيا والصين يليها قوى إقليمية مثل كوريا وإسرائيل وإيران والبرازيل بالإضافة إلى شركات البرمجيات العالمية الأكبر إنتاجاً لبرامج وتطبيقات القوة السيبرانية الفاعلة. ورصد موقع world Atlas ، (10) شركات كبرى منها (7) أميركية تهيمن على إنتاج ومبيعات وإدارة شبكات المعلومات الدولية "الإنترنت"، وتمتلك هذه الشركات الكثير من المعلومات الخطرة ذات الحساسية البالغة. لقد تعددت أنماط الصراع الدولي إلى جانب مجال البر والبحر والجو، ليشمل المجالات الأخرى كافة معلوماتياً وإلكترونياً. وأصبحت الإنترنت أشبه بالمحيط الهادر من يدخله بغير بوصلة يتوقع الاصطدام بمخاطر سيبرانية متفاوتة الدرجات، وتتناسب مخاطر هذه العمليات طردياً مع مجموعة عوامل من أهمها زيادة الاعتماد على تكنولوجيا الإنترنت، وعدم وجود وعي كاف بالخصوصية وانتشار نظم البرمجيات سواء الدفاعية أو الهجومية. وعزَّز هذا الصراع دور وأهمية الأمن السيبراني، والعامل الأخطر هو عدم كفاءة التأهب واستعداد الحكومات والمؤسسات الدولية للتعامل مع هذه التهديدات وطبيعتها غير المتماثلة، وهناك أدلة تشير إلى أن الدول المتقدمة تستفيد من نقاط الضعف في الفضاء الإلكتروني وتتطلع إلى أشقائها الأقوياء والأكثر قدرة على التواصل، واهتمام ضئيل مع الدول النامية، وهو ما خلق فجوة كبرى في القوة السيبرانية عالمياً وهو ما لا يبشر بالخير لبيئة الأمن السيبراني العالمية مستقبلاً. إن معدلات التهديدات وفرص الحروب السيبرانية تتزايد مع توظيف القدرات السيبرانية في تحقيق المصالح، بخاصة مع اتساع نطاق مخاطر العدائيات السيبرانية، وزيادة عدد الأطراف في هذا المجال، حيث صار الصراع ذا طبيعة سياسية متخذاً شكلاً عسكرياً -إن صحَّ التعبير من حيث طبيعة الأضرار وتدمير البنية التحتية المعلوماتية للدولة بهدف سياسي. لقد شهد الفضاء السيبراني في السنوات الأخيرة تزايد عدد الهجمات السيبرانية في شكل حاد لتشمل: الحروب والإرهاب والتجسس الرقمي وغيرها، ولذا يصعب تحديد الحجم الحقيقي لتلك الهجمات والقاسم المشترك بينها هو استغلال ثغرات ونقاط الضعف في المجال السيبراني.


كما شهدت السنوات القليلة الماضية حكومات تسعى بنشاط إلى القدرات السيبرانية الهجومية، في كانون الثاني (يناير) 2017، شهد مسؤولو استخبارات الولايات المتحدة أن أكثر من 30 حكومة تسعى بنشاط للحصول على قدرات سيبرانية هجومية وهناك 525 شركة تقدم هذه التقنيات إلى الحكومات في جميع أنحاء العالم. ومن المعروف أن بعض هذه التقنيات قادرة على تجاوز أنظمة الحماية. وفي هذا الإطار صاغت الدول استراتيجياتها للأمن السيبراني لسد هذه الفجوة بين عالمين؛ الأول متقدم يملك منظومة للردع السيبراني (أميركا وروسيا والصين) وهي دول قامت فعلياً بعمليات سيبرانية هجومية ضد خصومها والثاني نامي يحاول بناء منظومة دفاعية، على المستوى الوطني أو على مستوى التحالفات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي والناتو وفق أجندة سياسية تحقق مصالحهم.

ومن أهم عناصر هذه الإستراتيجية: تحديد الأهداف والمبادئ الأساسية التي تحكم طبيعة العلاقات بين المستويات المحلية والدولية والقطاعات المجتمعية المؤثرة والمتأثرة –وأخيراً تحديد أنسب أسلوب للتنسيق والتعارف بين الجهات (المؤسسات الوطنية والدولية) بخاصة أصحاب المصالح المشتركة. إن العمل اليومي على شبكة الإنترنت يتطلب وجود خطط للتفاعل السيبراني تعتمد على مجموعة من نظم تمكن من أداء المهام وتنفيذ العمليات من دون إعادة أو عرقلة تحت مظلة من البرامج الحمائية مع توافر خبراء دائمين مسلحين ببرامج تحقق لهم الدفاع النشط سيبرانياً.

على ضوء ما تقدم سيشهد العالم مزيداً من الهجمات السيبرانية في الأعوام القليلة المقبلة، وستصبح الأسلحة الهجومية أكثر ضراوة. وبخاصة أن الهجمات السيبرانية يمكنها أن تحقق أهدافاً لا يمكن للهجمات التقليدية أن تحققها، والنجاح في المجال السيبراني لا يتطلب الدفاع فحسب؛ فالردع لن يكون فعالاً ما لم يتم تبني قدرات هجومية. والمأمول أن تتبنى الأمم المتحدة طرح مبادرة تدعو دول العالم للالتزام بميثاق شرف للحد من انتشار الأسلحة السيبرانية، كخطوة أولى تمهيداً لتوقيع معاهدة دولية لتحقيق الأمن السيبراني.