قصّة روسية عبرةٌ لبلد عربي كبير

فارس بن حزام |

قبل أربعة عقود، ألغى زعيم الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف موعد لقاء الملك حسين خلال زيارته موسكو، بسبب سوء حالته الصحية، فنقل السفير السوفياتي في مذكراته عن الملك تعليقه: «يا للعجب! بلد بهذه العظمة لا يجد رجلاً سليماً يقوده».


تلك مرحلة شيخوخة القطب العالمي، إذ دفعت الأقلية الحاكمة الزعماء المرضى إلى القيادة، فحكموا باعتلال صحي صريح، ليتساقطوا تباعاً؛ مات بريجنيف عام 1982، ومات يوري أندروبوف عام 1984، ومات قسطنطين تشيرنينكو عام 1985. وبقية القصة معروفة عن تفكك الاتحاد السوفياتي.

جاء عام 1991 بعهد جديد لدولة جديدة، صار اسمها الاتحاد الروسي، وقادها بوريس يلتسين. ورث بلداً بلا اقتصاد، ومكبلا بنظام شيوعي مهزوم، فسعى لتحويله إلى الرأسمالية، ولم يجد موارد مالية لإعادة بناء الدولة، ليدخل عالم الخصخصة، ويبيع ممتلكاتها، فقفزت البنوك ورجال الأعمال للاستيلاء على الصناعات الروسية الكبرى، وبدأ العبث بشراء الحصص بأبخس الأثمان، ليتحول التجار إلى نجوم البلاد ونخبتها. اقتحموا عالم السياسة من كواليسها وسيطروا على مفاصل الدولة، فأطلق عليهم «الأوليغارشية»، أي الأقلية الحاكمة.

ذاك عهد انتقل فيه الحكم من رجال السياسة إلى رجال المال، لتنتفخ جيوبهم ويتراجع الاقتصاد، وتتوسع دائرة الفقر، وتتمدد الجريمة المنظمة، وتنهار العملة، ويصبح الفساد شرف السيادة على البلاد والشعب.

لم يستمر الحال طويلاً، إذ أتعب المرض الرئيس يلتسين، وتفرغ من حوله لإدارة البلاد، وزادها غيابه عن الشارع، واعتذاره عن استقبال الوفود الدولية، وغيابه عن المشاركات الخارجية، وإذا حضر رأف الناس بحاله. لم يسمعوا صوته لفترة طويلة، وشعر من حوله بالحاجة إلى إنقاذ نفوذهم، فباركوا خطوته بالاستقالة عام 1999 قبل نهاية ولايته، وانتقوا جميعاً شخصاً يثقون به؛ ليحفظ لهم قوتهم السياسية ومكاسبهم الاقتصادية. رأوا في فلاديمير بوتين رئيس الحكومة الهادئ والمسالم والمعين حديثاً رئيساً مناسباً، جربوه في أشهر انتقالية قليلة، فانتخبوه رسمياً. صار رئيساً لبلاد تنتج النفط والغاز، وتملك ثروات زراعية وحيوانية، وتتمتع بتاريخ وحضارة، وقد آلت الأمور بها إلى الحضيض من النواحي كافة، ليبدأ رحلته الصارمة في ضبط البلاد؛ لاحق خصومه الفاسدين، واستعاد بليونات الدولارات، وصاغ شخصية حديثة للاتحاد الروسي بمزيج من حكم السوفيات واقتصاد الغرب. فعل كل ذلك بشجاعة صدمت من اختاروه ليكون مظلة لهم، فسحقهم وأنهى نفوذهم.

هل يشبه ما سبق وضعاً عربياً هذه الأيام؟

البلد الكبير الغني من النواحي كافة، والمتورط بحكم «الأوليغارشية»، بات بأمس الحاجة إلى «بوتين» واقف على قدميه ينتشله، فليختاروه من مؤسساتهم الرسمية، إذا كانت المعارضة غير مهيأة.