عمار علي حسن: تلازم السياسة والدين قائم ما لم يحدث إصلاح حقيقي

عمار علي حسن.
القاهرة - حسين عبد الرحيم |

عن سيرة حياة وكتابة وقفزات في متن إبداع، يتزاوج فيه الذاتي الآسيان والمعيشي الفياض، يطرح عمار علي حسن، الكثير من التساؤلات عن جدوى المعرفة التي تصطبغ بها مؤلفاته التي تنوعت ما بين الصوفي والديني والإنساني الذاتي والمعيشي الوجودي والصور القلمية والوجدانية، ومن أحدثها كتاب «مكان وسط الزحام» (سيرة ذاتية) الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة. عمار علي حسن هو كاتب وباحث في العلوم السياسية، تخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، عام 1989، وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية عام 2001.


هنا حوار معه:

> حدثنا عن العتبات التي اتكأت عليها، في كتابة «مكان وسط الزحام»؟

- لم أشأ أن تأخذ سيرتي الذاتية «مكان وسط الزحام» مساراً تقليدياً، مثلما قرأناه متتابعا في سير عدة، بل اعتمدت على التداعي الحر للمعاني والمواقف، التي يجود بها الذهن بقدر ما يفيض بها الوجدان، لسرد ما جرى لي، مستفيدا من تقنيات القص من دون تخييل أو خيال، إنما وصف خالص للواقع والوقائع. وكل هذا تدفق من أبواب ثلاثة، الأول ذاتي تحت عنوان «طفل كبير» أتتبع فيه تفاصيل محطات من حياتي. والثاني وعنوانه «صيد الحكايات» تزاوج فيه ما يخصني بما يخص أعمالي الأدبية من روايات وقصص، فصار سيرة لهذه الأعمال تزاحم سيرة صاحبها. والباب الثالث تجاور وتضافر فيه ما يخص مساري العلمي بما يتعلق بالعمل، فكان تحت عنوان «حفر في صخر»، وبان فيه أنني عشتُ في كدح وكبَد لم يختلف من زمن كنت فيه أعمل بالفلاحة وفي المعمار وآخر كنت فيه أجلس على مكتب في مؤسسة صحافية.

> في سيرتك الذاتية هناك أبعاد تخص الإنساني والإقتصادي والاجتماعي والمعيشي وحتى العسكري المؤسسي المستحضر من فترة تجنيدك كضابط احتياط في القوات المسلحة... ألم تخش الصدام مع تلك التابوهات أو المحظورات؟

- لا يجب أن يفكر الكاتب في ما يمر وما لا يمر وهو يكتب، وإلا صار نصه مفتعلاً مقيداً منزوع العفوية التي يتطلبها الإبداع للوهلة الأولى، قبل أن نعمل فيه الذهن كي نهذبه أو نشذبه، من ناحية استقامة الجملة وصوابها لغوياً، أو تعميقها كي تقود إلى المعنى من أقرب طريق، وليس من قبيل الرقابة الذاتية. ولو كانت لديَّ مخاوف من هذا القبيل ما شرعت في كتابة سيرتي من الأساس، لاسيما في وقتنا هذا. وقد قال لي البعض بعد قراءتها: كيف كتبت هذا من دون خوف؟ وأجبتهم: لم تكن لديَّ حسابات أثناء الكتابة، ولا أتذكر حتى كيف خرجت هذه العبارة أو تلك على النحو الذي جاء في النص، فالخشية تؤدي إلى «حبسة إبداعية» والكاتب الذي تسبقه مخاوفه يقتل نفسه، سواء أدرك أو لم يدرك، وعليه أن يبحث عن حياة أخرى، أو مهنة أخرى، غير الكتابة. لكن المشكلة أن المنابر صارت تضيق بالنصوص الحرة، التي لا تحجزها التابوهات، وأصبح موقفها هذا يضغط على أعصابنا ككتاب، وتلك هي المأساة الحقيقية، وهذا ما واجه سيرتي حتى بعد صدروها على النحو الذي ارتضيته.

> تزخر كتابتك الأدبية عموماً بمسارات ترتبط بالفقد والأسى والحزن... إلى أي مدى يؤثر المعيشي والحياتي في إبداع الكاتب؟

- أعتبر أن الفقد والأسى هو القاعدة والحضور والفرح هو الاستثناء في حياة البشر أجمعين. فنحن نولد ونعيش ونرحل من دون أن يعبر أي منا المتاهة، أو يفهم دهاليزها المعقدة على نحو تام. ويزيد من هذا عندي، هو ما مررت به من حياة كانت مترعة دوماً بالشقاء، الذي تصنعه العصامية في مجتمعات لا تريد، حتى الآن، أن تفتح طريقاً ممهداً لمن يمضي مستقلاً، أكلُه من فأسه وقرارُه من رأسه. وأعتقد، وبغض النظر عن المساحات التي يحتلها الفقد والحضور والحزن والفرح، في حياتنا، وتتفاوت من شخص إلى آخر، فإن ما يعيشه الكاتب يؤثر فيه، سواء في تصوره للذات والمجتمع والعالم، أو في التفاصيل التي يسردها، أو القيم التي يؤمن بها، وكذلك التوجهات والانحيازات التي يميل إليها. وإذا كان بوسع الباحث أن يأخذ مسافة من كل هذا، تحتمها عليه الموضوعية العلمية، فإن رؤية الأديب تتسم بالذاتية، وكذلك الفيلسوف، ومن ثم فإن تجربته الحياتية تكون أشد تأثيراً فيه، وتنعكس بالطبع على ما يبدعه.

> ثمة نزعة صوفية واضحة في روايتك «شجرة العابد»، ومجموعتك القصصية «عطر الليل»، وغيرهما من أعمالك الأدبية... ما هو الخلاص الذي ينتظره الكاتب بعدما يفرغ من الكتابة؟

- الكاتب ليس مُخَّلِصاً، فهذه مهمة الأنبياء، وهناك من يزعمها من الدعاة والفلاسفة، والحُكَّام أحياناً، وإن كان الأدعياء منهم أكثر من الأولياء. فالكاتب يسهم في التنوير، وتقريب الناس من الحقيقة، حتى يكون بوسعهم أن يتخيروا هم لأنفسهم، طريق خلاصهم. والأديب لا يرى الحقيقة بعيدة عما يفرضه الفن من حالات ومقامات، ولا يعزل الوجدان عن الأذهان، والحدسي عن المحسوس، ولا يشغله في هذا أن من يبحثون عن الحقيقة عبر المنطق والبرهان يجفلون من خيار الأدباء هذا، ويتصورون أن الحقيقة بنت العلم وليست بنت الفن.

> الشعرية تغلب على رواياتك وقصصك، ما الذي أدى إلى ذلك في رأيك؟

- بدأت مساري الأدبي شاعراً أيام الجامعة، ولي قصائد عمودية وحرة ونثرية لم أنشرها، إذ سرعان ما أخذتني القصة القصيرة من الشعر وأنا لا أزال في المرحلة الجامعية، وجاءت الرواية في ما بعد، لكن الشاعرية انداحت أو تماهت في نصي السردي، ليس على مستوى التركيبات اللغوية وحضور المجاز، إنما الصور والمفارقات وحالة الشجن التي تعيشها شخصيات القصة أو الرواية.

> من واقع أبحاثك في الشأن السياسي والمجتمعي والديني، كيف ترى مستقبل الصراع السلطوي المرتبط بالخارطة المصرية بعد ثورة يناير؟

- ستظل السياسة والدين مسارين متلازمين في مجتمعاتنا ما لم يحدث إصلاح تام وحقيقي في المجالين، وهو أمر يشكل شرطاً ضرورياً لتقدمنا، إن كنا نفهم الإصلاح على أنه تحرير لإرادة الإنسان، وهو في حاجة ماسة إلي ذلك كي تكون لحياته معنى.

> كيف تُقِّيم المشهد النقدي في مصر، إنطلاقاً من تناوله لكتاباتك أو كتابات أخرى؟

- يبذل النقاد جهداً لا بأس به، لكن الأعمال الإبداعية، بغض النظر عن تفاوت قيمتها، أغزر من طاقة النقد على المتابعة. كما أن النقد نفسه يتدرج في ألوانه ومستواه من مدرسي إلى انطباعي ثم إبداعي، وفي المجمل فإن كثيراً من الأعمال الجيدة لم تلق حظاً من النقد يكافئ جودتها. وبالنسبة لي فإن هناك أعمالاً نقدية عن كتاباتي الأدبية موزَّعة على مقالات وملفات ودراسات أكاديمية وأطروحات جامعية وصلت إلى أربعة عشر رسالة، بين ماجستير ودكتوراه، في جامعات مصرية وعربية وغير عربية.

> حدثنا عن ملاحظاتك على المشهد الإبداعي المصري والعربي خصوصاً وأن هناك تغيراً شكلانياً في مقولات المركز والأطراف في ما يخص كل من المبدع والمتلقي؟

- مقولة المركز والأطراف عفى عليها الزمن، هذا إن سلمنا بصحتها، فالإبداع عملية فردية ذاتية، وليس منتجاً جماعياً كما هي الحال في السلع. فمثلاً قد يكون هناك كاتب واحد في بلد ما تعلو قيمة ما كتبه عن العشرات من الكتاب في بلد آخر. وإذا كانت المسألة متعلقة بالسبق الزمني، فإن الأزمان تتوالى وتتغير. وقد صار المشهد الإبداعي المصري والعربي غنياً بالأعمال الإبداعية اللافتة، وفيه الكثير من الكتاب أصحاب المشروعات الإبداعية، المُصرين على الاستمرار والتجويد.

> في ظل طغيان الصورة والوسائط التكنولوجية، كيف ترى مستقبل الرواية؟

- سار تعلق الجيل الجديد بالرواية على عكس الخط البياني الذي رسمه المتشائمون حيال مستقبل الأدب ممن أعتقدوا أن الولع بمواقع التواصل الاجتماعي سيؤدي إلى الاستغناء عن القراءة. فهذه المواقع، التي أدمن كثيرون الدخول عليها والانتظار فيها لساعات طويلة، خلقت فرصة قوية لدور النشر والكتاب كي يتوصلوا، مجاناً وبجهد قليل، إلى قاعدة عريضة من الناس كي يخبروهم بأن رواية قد صدرت لهم، وهو أمر لم يكن متاحاً من قبل، مع انحسار الصحافة الثقافية. كما أن بعض الروائيين راح يقتطع أجزاءً من روايته وينشرها على «فايسبوك»، أو من خلال تغريدات مكثفة على «تويتر»، وتعمَّد أن تكون هذه الأجزاء هي الأكثر جاذبية بحيث تجذب أكبر عدد من القراء. ومع هذا لا يمكن إنكار الخطورة التي يشكلها إدمان مواقع التواصل الاجتماعي على القراءة عموماً، بما في ذلك استذكار الكتب المدرسية. وهذا يفرض على دور النشر أن تبحث عن وسائل مبتكرة لإتاحة عروض للكتب تنشر على هذه المواقع وتكون جذابة لتلفت انتباه القراء وتأخذهم من عالم الإنترنت، أو تبقيهم فيه لكن ليتصفحوا الكتب على طريقة «بي دي إف» أو أي طرق أخرى مبتكرة.

> هل أنت راض عما حققته في مسارك الإبداعي؟

- الطامح لا يرضيه ما وصل إليه، إنما يريد المزيد، ودوماً يتملكني إحساس بأنني لم أكتب بعد أجمل وأكمل نص أريده، رغم أن كثيرين يقدرون ما أصدرته من روايات ومجموعات قصصية وكتب في علم الاجتماع السياسي وغيره، ويرونه متميزاً. وأتصور أن الكاتب إن رضي عما كتب وقال: «ليس في الإمكان أبدع مما كان» يكون قد وضع نهايته بيده، والأفضل أن يقول: «الأبدع والأروع ممكن، وحتماً سيأتي»، فإن وصل إليه يبحث عن درجة أعلى من الإبداع والروعة، وهكذا، في نهم لا يتوقف، وطموح لا يفتر، حتى آخر العمر.