الاقتصاد العالمي مهدد بتباطؤ الاقتصاد الصيني

ذكاء مخلص الخالدي* |

في وقت اهتم فيه مراقبون منذ الربع الأخير عام 2018 بتراجع مؤشر الأسهم القياسي في الولايات المتحدة ومحاولة المستثمرين التخلص من حيازاتهم من الأسهم خوفاً من ركود اقتصادي، علت بداية العام الحالي الأصوات التي تدعو إلى عدم القلق من هذه الظاهرة، والقلق على وضع الاقتصاد الصيني.


وأظهرت مؤشرات عديدة تراجعاً اقتصادياً صينياً قد يؤثر في الاقتصاد العالمي، فالصين بدأت إجراءات فرملة نشاطها الاقتصادي لإنهاء ما يبدو كسلوك فقاعي. وتعود مشكلة الصين إلى بداية الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما أطلقت محفزات مالية لم يرَ العالم لها مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية بلغت نسبتها 19 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، في مقابل نحو 6 في المئة أطلقتها الولايات المتحدة في الاقتصاد الأميركي. والأهم من نسبة المحفزات، الطريقة التي أنفقت فيها، فالحكومة المركزية في الصين لم تقترض الكثير من الأموال وإنما دفعت الحكومات المحلية والشركات المملوكة من القطاع العام إلى الاقتراض من المصارف التي استلمت بدروها أوامر من الحكومة المركزية بإقراض هذه الجهات. ولكن القروض لم تذهب إلى المشاريع ذات القيمة المضافة العالية والموجهة للتصدير أو تلك التي تتصف بالابتكار وتشجيع التكنولوجيا، بل إلى الحكومات المحلية وشركات القطاع العام وبناء العقارات ومشاريع البنية التحتية، ما أسفر عن شبكة من الديون لا يمكن التخلص منها بسهولة، كما كانت تهدف الحكومة المركزية، حيث أقرضت مصارف الظل بشكل محموم وبكميات أكبر مما كانت بكين تسعى إليه.

والتحدي الذي تواجهه الصين الآن يتمثل في وقف مزيد من الديون من دون أن تحول هذا الانتعاش إلى إفلاس، أي كيف توازن الوضع الاقتصادي بين حالة الفقاعة وحالة التباطؤ القاسي. واللجوء إلى هذه الحالة من تنشيط الاقتصاد ليست جديدة على الصين، إذ استعملتها في السابق واستطاعت من خلالها تجنيب اقتصادها أي ركود على مدى 25 عاماً. وسبب نجاحها كان في قدرة الحكومة المركزية على توجيه قروض البنوك لتسوية الصعود والنزول في دورة الأعمال.

ولكن الجديد في الموضوع أن هذه السياسة لم تعد تعمل كما في السابق. ويرى صندوق النقد الدولي أن الصين وصلت إلى مرحلة العائدات المتناقصة مع هذا النوع من المحفزات، فمزيد من الديون تذهب الآن إما لتسديد ديون سابقة أو إلى مشاريع تحتاج أموالاً أكثر لتحقيق النمو ذاته. فعلى سبيل المثال، نما إجمالي الناتج المحلي بقيمة 5 ترليون يوان عام 2008، ولكن تحقيق النمو ذاته عام 2016 تطلب قروضاً بقيمة 20 ترليون يوان.

وقطاعات البناء والبنية التحتية تزيد الإنتاج، ولكنها لا تعلّم الإبداع وصناعة سلع جديدة، أي أن الصين اتخذت منحى يشجع المشاريع التي تتصف بانخفاض معدل الإنتاج إلى رأس المال. وهكذا تحولت الصين من دولة معتمدة في نموذج نموها على التصدير وكونها الورشة الصناعية للعالم، إلى نموذج يعتمد على كثافة رأس المال والطلب المحلي والتمويل الميسر و مشاريع عمرانية كبيرة تمتلكها الدولة وشركات محلية كبيرة، وهذا يعتبر سبب أساسي لتباطؤ الإنتاجية.

وانخفض معدل النمو الاقتصادي في الصين إلى 6.5 في المئة عام 2018، وهو أقل مستوى منذ العام 2009، ولكن هناك شكوك حول الأرقام الرسمية الصينية، إذ أعلنت إحدى جهات البحث المهمة في الصين في كانون الثاني (يناير) الماضي أنها استخدمت طريقتين لقياس النمو الاقتصادي عام 2018، الأولى أظهرت معدل نمو نسبته 1.67 في المئة، والثانية أظهرت انكماشاً. ويرى محللون أن تباطؤ الاقتصاد الصيني نتج عن جهود الحكومة منذ منتصف عام 2017 للسيطرة على مصارف الظل لتقليص الإقراض وإزاحة جبل من الديون يعود أغلبه إلى الحكومات المحلية.

والفرق الوحيد بين الأزمات المالية الاعتيادية والأزمة المالية الصينية يتمثل في مدة الأزمة، ففي وقت يأخذ النوع الأول من الأزمات عدة شهور وتظهر النتائج سريعاً، تستمر الأزمة الصينية عدة سنوات ولكنها تنتهي بالنتائج السلبية ذاتها. وتعطي كل المؤشرات الاقتصادية المهمة في الصين ضوءاً أحمر مثل انخفاض الاستهلاك وانخفاض مبيعات السيارات للمرة الأولى منذ 20 عاماً، وانخفاض بناء المنازل والاستثمار الأجنبي وتباطؤ الاستيرادات بما فيها النفط وفقاعة المنازل والطاقات الفائضة في بعض الصناعات مثل الحديد والألواح الشمسية. ولكن الأمر الأكثر خطورة يتمثل في تراكم الدين الذي ارتفعت نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي من 140 في المئة قبل عقدين إلى 253 في المئة منتصف عام 2018.

ويرى مراقبون أن أزمة الصين ليست أزمة تباطؤ اقتصادي، بل أزمة بنوك مُسيرة وشركات مفلسة وعملية إنقاذ حكومية كبيرة أي أنها تخصّ مستقبل الصين الاقتصادي، وما إذا كانت ستتمكن من إدخال إصلاحات هيكلية تضعها في مستوى أكثر اقتصادات العالم تقدماً، أو ستكون تهديداً للاستقرار المالي العالمي. ومشكلة الصين هي أكبر من تسجيل انخفاض في معدل النمو لعدة فصول متتالية.

وبدأ العالم ينتبه إلى خطورة التباطؤ السريع في الاقتصاد الصيني على مستقبل الاقتصاد العالمي لأن ثقل الصين يختلف اليوم عما كان عليه قبل عقدين، فأصبح يشكل أكثر من 20 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي ويضع الصين كثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة. ويبرز القلق بشكل خاص لدى الدول التي لديها علاقات تجارية واستثمارية مع الصين.

والاقتصاد العالمي بحاجة إلى النمو الصيني، فشركة "آبل" على سبيل المثال أعلنت في كانون الثاني الماضي انخفاض مبيعات "آي فون" في الصين، محذرة من أن تباطؤ النمو الصيني سيؤدي إلى انخفاض معدل النمو الاقتصادي العالمي وأرباح الشركات. وأعلنت كل من شركة "جاغوار" و"لاندروفر" في بريطانيا في الوقت ذاته تسريح 4500 عامل بسبب انخفاض الطلب من الصين.

وأشعل الوضع الاقتصادي في الصين سوية مع الانخفاض المقلق في قطاع الصناعة التحويلية في أوروبا، المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي. وفي كانون الثاني الماضي أصدر البنك الدولي تقريراً استشرف فيه الوضع الاقتصادي العالمي أطلق عليه اسم "السماوات الداكنة" خفض فيه توقعاته لمعدل النمو الاقتصادي العالمي لعام 2019 من 3 إلى 2.9 في المئة، واعتبر أن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة لم تتسبب بالتباطؤ الاقتصادي، لكنها جعلت الأمور أسوأ.

*كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية.