الأدب في أفق رقمي

تشومسكي.
عبدالله بن رفود السفياني |

شاركت بمداخلة شفهية في ملتقى النص الخامس عشر بنادي جدة الأدبي، وتطرقت فيها إلى سؤال مفاده: كيف يمكن للعالم الرقمي أن يؤثر في الأدب، وأننا قد نكون منذ الألفية الجديدة تحولنا إلى كائنات رقمية تنتج أدبا رقميا؟ وقد تلقيت عددا من أسئلة الزملاء ترغب في بسط الموضوع والفكرة والكتابة حولها، لذا سأجتهد في محاولة إيضاح الفكرة وفق المحاور التالية: أولا: يسعى الإنسان في كل مرحلة من مراحل وجوده على هذه الأرض إلى إدراك الوجود والتعامل معه؛ وفق البنى الإدراكية الذهنية، وتتكون عمليات الإدراك وفق معطيات كثيرة من أبرزها وأهمها السياق أو النسق التقني الشائع في العصر والمجتمع؛ ولهذا السبب قُسمت المجتمعات إلى مجتمعات زراعية وصناعية وما بعد صناعية (رقمية أو معلوماتية أو سيبرانية).


ذلك لأن الأدوات والآلات المستخدمة في كل عصر ومجتمع تتكون من خلالها عمليات الإدراك والإحساس بالوجود، وهذه الأدوات والآلات تتكاثر وتتضافر فيما بينها وتشكل ما يسميه جاك إيلّول (النسق التقني) وهي كل التقنيات المتربطة فيما بينها بدرجات مختلفة ولا بد بالضرورة من تماسكها وانسجام هذا التماسك في كل مستويات البنى والفروع (Gill:1978). وإذا كان العلم يخلق الفلسفة فعلا كما يقول باشلار فإن التقنيات بهذا النسق تخلق الإدراك، إنها «آلات فلسفية» (Jean:1980) فهي في أي عصر كانت تعد مولدات للواقع أو هي شروط إمكانية تحقق الواقع أو كما يقول ستيفان فال أرحام للوجود.

في المجتمع الزراعي تكونت الإدراكات حول الآلات المستخدمة في الزراعة بكامل تناسقها، وتشكلت جميع المفاهيم آنذاك من هنا، ومع الثورة الصناعية بدأت الآلات الكبيرة والمصانع والأدوات المختلفة تشكل الحياة من جديد في نسق مختلف تماما عن النسق السابق، ونحن في العشرين سنة الماضية انتقلت أجزاء كثيرة من أنشطتنا الإنسانية إلى العوالم الرقمية، وتطورت الحواسيب والهواتف النقالة والإنترنت مما غيّر جذريا علاقتنا بالعالم. (Darras:2009). كل أشيائنا تجهزنا للعالم ليس فقط أجهزة التقاط الصور المفضلة أو العجلة ذات الدواسة أو الآلة البخارية أو المنشار المائي أو الأفران العالية أو السيارة أو الحاسوب والإنترنت، بل كل هذا العتاد التقني وبدرجات متفاوتة هو آلات لحمل العالم على الظهور والبروز، وتعديل طبيعة تجربة الكينونة التي يمكن أن نقوم بها، فزمن الأجهزة ليس زمن الحداثة فحسب زمن الأجهزة هو زمن الإنسانية. (فيال:2018).

نريد أن نقول بصورة ما، إن كل ما حولنا وحول من قبلنا من المجتمعات البشرية من أدوات وآلات كانت تساهم في ظهور العالم وإدراك الوجود ورؤيته بالطريقة التي تصنعها وتحددها إلى حد ما هذه الآلات والتقنيات، ويمكننا أن نقول إن الذي يتغير حقيقة ليس موضوع الإدراك بل الإدراك نفسه.

ثانيا: إذا كانت الأشياء من حولنا تصنع رؤيتنا وإدراكنا بشكل ما؛ فإن إدراكات كل مجتمع بشري تختلف بصفة جوهرية عن مجتمع بشري آخر تتسيده آلات وتقنيات مختلفة عما قبله، فتجلي الكائنات والوجود في العالم الزراعي والمائي مختلف عن تجليها في زمن الآلة البخارية والآلات الضخمة، وهو أيضا مختلف عن تجليها في عالم الاتصالات الرقمية.

ثالثا: حين يتحدث أوسكار وايلد عن الطبيعية يقول إنها ليست هي الأم التي أنجبتنا كما هو متداول مجازيا، بل هي إبداعنا ويفرق بين مستويين هما النظر والرؤية، فالنظر إلى شيء ما ورؤيته هما فعلان مختلفان لأننا لا نرى شيئا إلا إذا رأينا الجمال فيه، وحينها فقط يأتي الشيء إلى الوجود فالضباب يراه الناس ليس لأنه موجود، بل لأن الشعراء والرسامين علموهم الجمال الساحر لهذه الآثار، إنه لم يوجد إلا يوم أبدعه الفن. (فيال: 2015) إن أوسكار يقول بكل بساطة إن الثقافة الفنية تملك القدرة على إنجاب الظاهرة الوجودية، ونقول هنا إن القدرة التقنية كذلك لديها القدرة الهائلة على إنجاب الظاهرة الوجودية، ومن خلالها في حياتنا الراهنة نرى الوجود وجودا!

ذلك على مستوى الوجود أما على مستوى الجماليات التي كان يصنعها الفنانون والشعراء والأدباء فإن العصر الرقمي ينتج جمالياته الخاصة عبر مصمميه ومبرمجيه وكما يقول ريتشارد ستالمان: «لكل جيل فيلسوفه وكاتبه أو فنانه الذي يملأ أفق زمنه، وجيلنا له فيلسوفه وهو ليس فنانا ولا كاتبا محترفا، إنه مبرمج»! (Stallman:2002) وذلك ما دفع ستيف جوبز لأن يقول إن أهل هوليوود لا يدركون عنصر الإبداعية في التكنولوجيا، إن الحياة يمكن أن تمنح شيئا آخر غير ما نراه كل يوم، وهي الفكرة نفسها التي تدفع الناس إلى أن يصيروا شعراء؛ بدل أن يصيروا مصرفيين، وأنا على يقين من قدرتنا على دمج هذه الروح في المنتوجات الصناعية في المعامل. (فيال:2015) وحين سئل عن نجاحات ماكنتوش قال إن الأشخاص الذين عملوا في هذا المجال كانوا من الموسيقيين والشعراء والفنانين!

ومدونة وورد بريس الشهيرة جعلت شعارها الرسمي «الرمز شعر» Cood is poetry والرمز هو هذا الأداء البرمجي الدقيق الذي يصنع جماليات العالم الرقمي!

لقد صنع المصممون والمبرمجون ليس إجراءات حياتنا الروتينية فحسب، بل جمالياتها أيضا، وأصبحنا عبر التقنيات الرقمية في الصور الثابتة والمتحركة نرى الجمال ونساهم في صنعه ومشاركته مع الآخرين.

أين الخطر على الأدب؟

إننا نتساءل هنا بكل شفافية إذا كنا خاضعين في إدراكاتنا وتصوراتنا للوجود عبر هذه الأدوات التقنية المرقمنة وننتج ثقافتنا وإبداعنا وجمالياتنا بعد أن عُجنت تماما بالمادة الرقمية، فأين يمكن أن نجد آثار هذا التأثير الخطير على الأدب شعرا وسردا. وهنا يجب التنبيه على أننا لا نتحدث عن فكرة الأدب الرقمي التي تعاني من قصور شديد، بسبب التعامل معها بظاهرية ساذجة؛ حتى صار ما يكتب على الإنترنت من شعر أو سرد هو أدب رقمي! ليس هذا هو مسار الحديث هنا، إننا نبحث عن التأثير الذي يطال الجميع دون استثناء، يطالهم في إدراكهم وفي وجودهم وفي تمثلهم للأفكار والمعاني والفن والإبداع، فالشعراء الذين كانوا يقفون أمام الأطلال البائدة كانوا ينظرون إليها من خلال ما صنعته لهم حياتهم المادية والثقافية، فجاءت نصوصهم معبرة في عمقها وطرائق تفكيرها مع تكوينهم الإدراكي، ثم في عصور أخرى تشكلت للشعراء إدراكات جديدة هي إدراكات المادة والماء والخضرة فجاءت النصوص منقلبة عن الإدراك الأول.

يقول إيزايا برلين هناك برأيي عاملان فوق سائر العوامل الأخرى حددا مسار التاريخ الإنساني أحدهما هو التطور في مجال العلوم الطبيعية والتكنلوجيا وثانيهما العواصف الايديولوجية الكبيرة التي غيرت بالفعل حياة الجنس البشري كله. (برلين:2016). إن الفلاسفة والاجتماعيين يتحدثون عن الأجيال الرقمية والمواطنون الرقميين والفجوة الرقمية بين الأجيال وحديثهم ليس من باب الترف الفلسفي، بل هو نتيجة التغيرات الجوهرية والجذرية في التفكير والسلوك والإبداع، وذلك ما يجب أن نحاول البحث عنه في تجليات الأدب باعتباره نصا صادرا عن إدراك تمت صناعته رقميا، أو صادرا من كائن بشري رقمي، خصوصا أولئك المبدعون الذين وُلدوا إبداعيا في الألفية الجديدة، مع ثورة الإنترنت الهائلة.

رابعا: يعالج فلاسفة أخلاقيات التكنولوجيا فكرة أداتية الآلات الرقمية، وهل نحن أمام أجهزة وبرامج وتطبيقات محايدة تماما؟ قبل فترة وجيزة ظهرت تغريدة منسوبة لنعوم تشومسكي على تويتر يقول فيها: إن التكنولوجيا عادة ما تكون محايدة إنها مثل المطرقة التي يمكن استخدامها لبناء منزل أو لتدمير شخص ما في المنزل، والتغريدة سواء كانت له أو لغيرة فهي تسير في الاتجاه الذي يرى الأدوات والأجهزة التقنية أداة محايدة ونحن من نستخدمها للخير أو للشر. لكن هناك اتجاها كبيار آخر يرى أن للتقنية جوهرا وروحا منذ ماكس فيبر ومارتن هايدغر وجاك إلّول حيث يرون أن خلف التنوع السطحي للتقانة بأنواعها تقبع روحٌ وماهية جوهرية نستبطنها في أعماق معاني الروح البشرية، وأن الأدوات التي نستخدمها تشكل نمط حياتنا في المجتمعات الحديثة، والتطور التقاني يغير ما يعنيه أن تكون إنسانا (بارني:2015). وكان ماكس فيبر ينظر إلى التقانة على أنها قفص كبير من حديد يقبع في داخله أسرى هم متخصصون بلا روح وشهوانيون بلا قلب! وهي عند هايدغر عقال الطبيعة!

ولو حاولنا الخروج من الجدل الفلسفي حول هذه الفكرة فإننا لا يمكن أن ننكر أن التقنيات الرقمية قد غُذّيت عبر المصممين والمبرمجين بما يكفي لجعلها متحيزة لأنماط معينة من الاستخدامات والأفكار على المستويات السياسية والاجتماعية، ما يجعل السؤال قائما أين يكمن تأثير ذلك على الأدب؟ هل هو في حالات الاغتراب التي يعيشها الإنسان المعاصر، ومحاولة الآداب العالمية تصوير حالة بؤسه عبر روائع أدب المأساة، فقد اعتبر جاك إيلول التقنية المسؤول الأكبر عن هذا الإنهاك للمعنى في عصر استهلاك العلامات، وأنها المسؤولة عن بلاهة الإنسان والاغتراب الرأسمالي وخيبة الأمل من العالم، إن التكنولوجيا كالايديولوجيا كما يقول هابرماس.(فيال:2015)

فكرة المعنى والتغير الجذري

هل يمكننا أن نبحث أكثر عمقا في اللغة نفسها التي نعبر بها عن إدراكاتنا ومستوى التغييرات التي طرأت عليها وهي تتعامل مع عالم تقني مرقمن، وكيف تتكون دلالاتها الجديدة على مستوى الألفاظ والتراكيب وبناء المعاني؟ بل ألا يمكن أن تكون فكرة المعنى الذي أصابه الإنهاك كما يقول إيلول طرأ عليها حالات تغير جذري في العالم الرقمي، وجعلها تظهر في لبوس آخر غير المعهود، أو قد تكون فكرة اللامعنى والعدمية هي إحدى نتائج العالم الرقمي، وأحد أسرار الإدراك فيه؟

إن الأجيال التي كتبت نصها الإبداعي شعرا أو سردا في داخل رحم الظاهرة الرقمية، شاهدوا العالم والمعنى في داخل هذه الرحم، ومن الممكن المعقول إن لم يكن من الواجب المحتوم أن رؤاهم ومعانيهم وأدبهم رقمي بالضرور. هل تذكرون قبل عشر سنوات حينما كنا نغيب عن محادثة بواسطة البريد أو الماسنجر نعتذر ونستخدم الرمز (برب) (BRB) لأننا سنغيب ونعود مرة أخرى، إننا لم نعد نستخدم ذلك لأننا صرنا نعيش على الشبكات ولا ننفصل عنها خاصة بعد تطوير الهواتف النقالة وتحويلها إلى هواتف ذكية، إنها ببساطة الحياة على الشاشة كما هو عنوان كتاب (Turkle Sherry)، والضغط على الشاشة لم يعد مجرد أمر برمجي بل هو بداية تفاعل مع الآخرين في الفضاء الرقمي.

خامسا: من أهم خصائص المجتمع الرقمي أو الشبكي أنه يحوّل تجربة الزمان والمكان إلى زمن لا زمني وإلى مكان لا مكاني، فنحن أمام ثقافة لا زمانية ولا مكانية وهنا يتعرض أخطر مفهومين في فلسفة الوجود الإنساني إلى الزعزعة والمساءلة المفزعة، أضحى العالم موطنا للتدفقات التي لا تعترف بحدود الزمن وحدود المكان، وسيادات الدول، والمصدر الرئيس للصراع والمقاومة في المجتمع الشبكي هو التناقض بين الطابع اللامكاني للشبكة وتجذر المعنى الإنساني وارتباطه بالمكان، فالمجتمع الرقمي والشبكي يفتت تقنيا عيشنا والعمليات الاجتماعية ويخلّع السلطة والسيطرة عليها، وهذا يتعارض مع الارتباط الوثيق الجوهري بين الحياة والزمان والمكان، وحاجة البشر الملحة إلى ممارسة قدر من السيطرة على شروط العيش. (Castells: 1997). إنها تصنع ثقافتها الخاصة التي يصفها كاستلز في روح المعلوماتية بأنها ثقافة مؤلفة من ثقافات كثيرة، وقيم كثيرة تتقاطع في عقول مشاركي الشبكات المختلفين وتملي استراتيجياتهم، متغيرة بسرعة تغيّرهم، إنها ثقافة بالفعل ولكنها ثقافة العابر والزائل وخليط تجارب ومصالح أكثر منها شرعة حقوق وواجبات، إنها ثقافة افتراضية متعددة الوجوه، وليست من نسج الخيال!

إننا إذا أمام مرحلة تضرب أعمق ما يمكن أن تضرب في التجربة الإبداعية، أقصد عنصري الزمان والمكان، بل تضرب عنصر الزمن الذي يعتبر محورا ومرتكزا أساسيا للغات البشرية، ومع ذلك ما زلنا غير قادرين على تحديد انعكاسات كل ذلك على روح الأدب في عمقه الفني والإبداعي، وكيف حولته وحورته الرقمية التي حورت وحولت مفاهيم الزمان والمكان والإدراك والقيم والثقافات! إننا بحاجة إلى دراسات أكثر جدية تمارس حفرياتها النقدية في الآداب، بحثا عن جوهر العالم الرقمي الذي يصوغنا في الألفية الجديدة، بطرق مختلفة ليس من الضروري أن تكون سلبية وقاسية، وبعيدا عن التعاطي الظاهري لفكرة الأدب الرقمي التي تجعل من كل ما يكتب في الإنترنت والشبكات أدبا رقميا حتى ولو قاله امرؤ القيس أو هوميروس ومعاصروه! إن المفهوم الجديد للعالم الرقمي حسب التعبير المبدئي لديّ هو أننا كائنات رقمية وما ينتج عنا علميا أو إبداعيا أو فلسفيا هو تقني تبعا لذلك؛ فأدب الألفية الجديدة هو أدب رقمي إلا لمن ما زالوا يعيشون في عزلة عن مفهوم القرية الصغيرة!