قناة «العربية» في 16 عاماً.. لها وعليها

فارس بن حزام |

ينتاب جمهور التلفزيون سلوك العاشق في الحب والخضوع، وبغض ما سوى الهوى، وهذه الحال مع قناة «العربية» في 16 عاماً؛ تبدّلت مشاعر الجماهير حيالها، وبقيت ثابتة في خطها التحريري بلا تنازل.


قبل يومين، الثالث من آذار (مارس)، احتفلت هذه الفضائية الشجاعة بذكرى تأسيسها، وقد تمسكت بنهجها الداعم للاعتدال والسلام، والمكافح للإرهاب ولخطاب التطرف، وقد فقدت على هذا الطريق الصائب نحو 20 زميلاً وزميلة في العراق والصومال وأفغانستان، وتعرض غيرهم لمحن صعبة في ميادين متفرقة، ولم تتراجع خطوة واحدة أمام التطرف.

لقد أمضيت في «العربية» 14 عاماً، أي معظم عمرها، ولم أكتب عنها يوماً، والآن أصبحت خارجها، وأشعر أنه بمقدوري الكتابة بتجرد، ومشاهدة الصورة من الخارج. واستعرض تاريخ القناة المشرف، وأجد أن قبل ظهور «العربية» كان العالم العربي يشاهد زاوية واحدة من الحدث، ويسمع رواية واحدة عن الخبر، وكان تنظيم «القاعدة» مجرد جماعة مسلحة، بينما أسامة بن لادن صاحب قضية، وإيران خامنئي وسورية الأسد حماة القضية الفلسطينية، وبعد «العربية» تغيرت الصورة واقتربت الرؤية للمشهد كاملاً، ومعظم ذلك النقل أخذ في التراجع؛ بل اتضحت خديعته عندما اشتد عود «العربية» وسمّت الأشياء بأسمائها.

ولو لم تكن «العربية» على شاشات المواطن العربي، لاقتنع المشاهد العربي أن «أبو عدس» قتل الرئيس رفيق الحريري، وأن ضحايا تفجيرات «القاعدة» في الرياض جنود أميركيون، وأن الإرهاب في العراق مقاومة، وأن مغامرات ميليشيا «حزب الله» نضال، وأن «الإخوان» يؤمنون بتداول السلطة، وأن الرئيس أردوغان قائد العالم الإسلامي.

اليوم، نعرف تماماً، بلغة الشاشة والحضور، أنه لو لم توجد «العربية»، لما وصل صوت الاعتدال من عُمان إلى موريتانيا، ولبقي صوت مضلل يردد على مسمع العالم العربي رأياً واحداً عن الرياض مثلاً؛ أنها مع تطبيع لا يعيد حقوق الفلسطينيين، ومع إسرائيل ضد الشعب اللبناني في 2006، وابتلت قطر، وتحارب الإسلام في الداخل، وتنشر التطرف في الخارج.

في أعوامها الأولى، نجحت «العربية» في نقل المشاهدين السعوديين إلى شاشتها، واستحوذت على ذائقة الجمهور العربي. وطوال هذه الرحلة ساندت صوت العقل والاعتدال، التزاماً بسياستها التحريرية. ولا توجد وسيلة أخبار لا تنتمي إلى خط سياسي. لا حاجة إلى التنظير الأكاديمي وخداع الجمهور، فلكل وسيلة وجهة نظر، بشرط أن تحافظ على المنهجية المهنية الراقية، وتتجنب الدعاية الفجة.

وكل وسيلة إعلام نشطة، خاصة القنوات الإخبارية، تصيب وتخطئ؛ لأنها تبث مئات الأخبار في زمن قياسي. وما يعيبون «العربية» عليه، تفاديها الخوض في أخبار وملفات سياسية في المنطقة، ويعيبون عليها غياب الرأي المخالف لسياستها التحريرية، وعدم مشاركة الجمهور في البرامج المباشرة.

في الختام، هذه «العربية»؛ لها جمهور يحبها، وجمهور يبغضها. والأهم، تبنيها لسياسة واضحة وجادة وثابتة، تتمتع بها وتصونها.