مأزق الوجود في "كل شيء هادئ في القاهرة"

كل شيء هادئ في القاهرة.
وليد خيري |

"كل شيء هادئ في القاهرة" (الدار المصرية اللبنانية)، رواية محمد صلاح العزب الجديدة، هي الخامسة في مشروع هذا الكاتب الذي استطاع أن يحفر لنفسه مكانة أدبية متميزة. عنوان الرواية مخادع جداً وساخر، فلا شيء هادئ في القاهرة ولا في نفسية بطلها التي تمور بمشاعر متصارعة متخبطة تكاد تعصف بوجوده. فبطل الرواية يرى نفسه جثة تعيش وسط ملايين الجثث المركبة كتروس في آلة كبرى، تستيقظ صباحاً لعمل لا تحبه ولم تختره ثم لعمل ثان من أجل تحقيق دخل إضافي زهيد. جثث تملأ الشوارع والمواصلات العامة والمطاعم. جثث تتشاجر وتتحرش وتسرق وتنافق، ثم تعود إلى بيوتها آخر الليل لتدفن في أسِرتها، ثم تستيقظ صباحاً لتكرر المهزلة.


بطل "كل شيء هادئ في القاهرة"؛ صحافي شاب متزوج ويعاني الحيرة بين أكثر من امرأة. إذا قرأنا الرواية على هذا النحو فما هو إلا تبسيط مجحف، ويصبح تناولنا فعلاً مخلاً بالقراءة الواعية للنص. الرواية نموذج واضح لأزمة الوجود الإنساني، حافلة بكل الطقوس والاشارات والتنبيهات لتلك الأزمة. البطل لم نعرف اسمه على مدار 250 صفحة، وربما يكون هذا مقصوداً، بما أنه هو نفسه تؤرقه فكرة الأشياء التي لم يخترها، كالاسم والدين والجنس واللغة والتعليم ولون الشعر والبشرة والعيوب الخلقية والنفسية، حتى أنه يقول إن القميص الذي يلبسه لم يكن من اختياره لأنه ابتاعه لوجود تخفيض كبير عليه. وينسحب ذلك بالتالي على باقي أبطا العمل، ففيروز التي يكتب قصتها تزوجت شقيق خطيبها الخامس وعاشت أسيرة حكاية اختلقتها أمها عن خالة لها تشبهها، وقبيل وفاة الأم تخبرها بأن قصة الخالة مختلقة فلا يوجد خالة ولا يحزنون، حتى أم البطل ترى حياتها توقفت عند الثامنة عشرة حين تزوجت بأبيه الذي لم ترض عن زواجها به قط. أبطال مهزومون ومصائر غير مرضية وقصص مبتورة وعلاقات غير مكتملة وزيجات على ورق طلاق وثورات فاشلة حيث تظهر في الخلفية أحداث ثورة 25 كانون الثاني (يناير) حتى إعلان هزيمتها، وناس منذورون للشقاء بالحب أو من دونه، فبطل الحب يشقى على أية حال؛ "لكنني في قرارة نفسي أدرك أننا صنائع مشوهة لآبائنا الذين لم نخترهم". سرد محمد صلاح العزب مدهش لأنه غير متكلف. حتى اختياره عناوين المقاطع يبدو عفوياً وكأنه ومجاني، لكنه في الحقيقة يجعلك تدرك أن الكاتب مشغول بالكتلة الصلبة للنص أكثر من زينته. الرواية تستخدم ضميرين للسرد، ضمير المتكلم والذي يحكي فيه البطل عن أزمته وصراع قلبه بين زوجته دينا، وحبيبته بسنت، وسرد الراوي العليم الذي يحكي لنا قصة فيروز التي اختار البطل أن يكتب رواية عنها. نجح العزب باقتدار في المراوحة بين السردين، فلم يهيمن أحدهما على الآخر بل تجاورا في كنف الرواية ببراعة وهدوء يحسب للكاتب.

الرواية مغرقة في واقعيتها وعاديتها وهنا مكمن صعوبة النص أن يخرج لنا من هذا العادي ما هو غير عادي، غير أن الكاتب يجاوز هذا الواقع قليلاً في قصتين مفارقتين لواقعية الرواية: قصة زوج فيروز مهندس التخطيط العمراني الذي فقد عقله فغادر بيته للأبد ليقف في الإشارات ينظم المرور، ويخطط ويهندس لحياة الرواي المبعثرة، وقصة صاحب محل تصليح الساعات الذي يعرف كل شيء عن كل شيء ويصبح ظهوره لافتاً. زوج فيروز والعجوز صاحب محل الساعات اختيار محض للروائي البطل حتى أن فيروز التي تحكي له حكايتها تشاجرت معه لأنه حرَّف الحكاية؛ "لم تحب فيروز تحريفي لقصة رجل الساعات التي حكتها لي بطريقة مختلفة، فقررت ألا أريها ما أكتب ثانية، لا شيء هنا يشبه بأي حال ما حكته لي". هنا يتضح لنا لماذا قرر الصحافي كتابة رواية ليصنع مصائر ويغير أقداراً حتى لو كان ذلك على الورق، لينعتق من أزمة وجوده الإنساني المحدد سلفاً، فهو عجز عن أن يكون حارس سجن فرنسي أو كلباً مدللاً لفتاة جميلة، كل ما عليه أن يهز ذيله ليعبر عن سعادته فيسعد كل من حوله.

أرى تحقيقاً واضحاً لمقولة الكاتب الراحل خيري شلبي عن الرواية في هذا النص البديع: "إن فن الرواية هو القادر على الانفراد بالقارئ على جنب، وتغذية فرديته، وإحياء شخصيته، ثم التفكير معاً- القارئ والكاتب- في كيفية إعادة بناء العالم".

في رواية "كل شيء هادئ في القاهرة"، حاولتُ كقارئ مع الكاتب محمد صلاح العزب إعادة بناء العالم، وإجراء محاولة تصالحية معه، غير أن الوجود والعالم دلَّاني على أنه لا زمان ولا مكان يمكن أن تعيد فيه بناء العالم غير الروايات الجميلة، فعرفت أن ثمة انتصارات صغيرة لا يُسمح لنا بتدشينها سوى عبر أوراق الكتب.