شعرية النهايات في "آخر القلب" لهناء عطية

غلاف الديوان (تويتر)
محمد السيد إسماعيل |

"آخر القلب" (الهيئة المصرية العامة للكتاب)؛ الديوان الأول للقاصة المصرية هناء عطية، يعطي دلالة أولى على تنوع قدراتها الإبداعية، فهي تمارس، بموهبة لافتة، كتابة القصة والرواية والسيناريو؛ ويصف محمد برادة روايتها "تمارين الورد" بأنها "رواية مضادة لنموذج رواية الستينات التي وظَّفت بعض التقنيات الجديدة – التوثيق، إعادة كتابة التاريخ، المونتاج، تعدد الأصوات واللغات – من أجل أن نفهم تدهور المجتمع ونشخص أدواءه المتعاظمة بعد انهيار أحلام الثورة الناصرية. وتنحو هناء عطية – مع أخريات وآخرين – بحسب برادة أيضاً إلى إبراز "كفاح" الفرد المسحوق تحت وطأة مؤسسات الأسرة والسياسة والأخلاق الرسمية؛ لينقذ ذاته من التشيؤ والاغتراب. هذا الفرد المسحوق نجده في مجموعاتها القصصية المتتابعة: "شرفات قريبة"، "هي وخادمتها"، "مطر هاديء"، "عنف الظل"، كما نجده في ديوانها "آخر القلب" والذي تمثل ثنائية "الموت" و"الحياة" محوره الأساسي عبر وحدات دلالية كبيرة تحمل هذه العناوين: "مئة وعشرون كيلو مترا"، "ما تبقى من العمر"، "الظلال". وهي وحدات دلالية أقرب ما تكون إلى المتواليات الشعرية من حيث توظيف ضمير المتكلم. وموضوعة الموت من الموضوعات التي لازمت القصيدة العربية على مدار عصورها المتعاقبة ولم يقتصر الأمر على غرض الرثاء فحسب بل تحول إلى سؤال وجودي عام يمكن أن تجده في بكاء المكان الدارس وزوال الشباب ورحيل الحبيب.


لقد اتسع معنى الموت وتعددت مستوياته وأصبح ينظر إلى النوم بوصفه موتاً أصغر وأحياناً يكون الموت مرغوباً حين يكون فناءً في مَن نحب ورغبة في أن نكون مع من سبقونا إليه أو حين يكون شهادة في الدفاع عن الأرض أو العِرض. يصبح الموت في هذه الحالة هو الحياة الحقيقية. وهذه تقريباً هي المعاني التي تقاربها هناء عطية حين تقول: "يا أمي/ لماذا يبتسم الموتى/ البرتقال هناك حول المقبرة/ والتوت والصيف/ لا أثر لموتك/ سوى ظلال هاربة/ من عينيك الناعستين فوق الأشجار". لم يعد الموت في صورته الكريهة الموروثة في تراثنا الشعري، فالموتى – في السطور السابقة – يبتسمون والمكان – القبر – يشير إلى مظاهر الحياة على غير ما هو معتاد. يبدو الموت مجرد ظلال هاربة كما تبدو عينا الأم ناعستين فحسب لا أثر للموت عليهما. وتداخل النعاس أو النوم مع الموت تيمة متكررة في الديوان؛ ليس فقط باعتباره موتاً أصغر؛ بل بوصفه وضعية نستطيع من خلالها استعادة الموتى. تقول عطية: "نحن من تبقى منا ياعمة/ فادخلي إلى غرفة خالية ونامي/ لننام ونستعيد الموت في النوم/ أو النوم في الموت/ ليهدأ الجرح قليلاً/ وندخل في الظلال". ومن المهم أن نلاحظ تكرار دال الظلال في النموذجين السابقين؛ ناهيك عن كونه عنوان القسم الثالث من الديوان ووروده في إحدي مجموعاتها القصصية وهي "عنف الظل".

وفي تعليلها لتوظيف هذا الدال ذكرت الكاتبة في حوار معها، أن "الظل ليس مطابقاً للشىء نفسه. هو يظهر غالباً ككيان مشوّه. وظلال الأشياء دائماً معتمة ومشوهة وغامضة. كأن الظل ضوء معتم يخرج من الشىء الحقيقي ويحاول أن يتطابق معه". والظلال – بهذا المعنى – تتجاوب مع المنطقة الرمادية بين الواقع والخيال أو المنطقة البرزخية بين الحياة والموت التي يطرحها الديوان حيث يتم الجمع بين العصافير التي تحمل دلالة رامزة إلى انطلاق الروح، والمقبرة التي هي مثوى الجسد. تقول: "قل لي يا قريب/ من أين تأتي كل هذه العصافير للمقبرة/ وكيف استفحل الصبار هكذا". إن الشعر هو فن التوتر الدائم بين الحالات المتباينة التي نلاحظها – بصورة مضطردة – في ما يمكن أن نسميه بشعرية النهايات. ولنتأمل هذا النموذج الدال: "في الليل/ قال لي/ كان عليَّ أن أفعل ما أريد/ ولكني كنت أنسى/ وحين توقف قلبه/ عبرت ظلال كلماته بطيئاً عنبرَ الإنعاش". "الليل" هو ظرف الزمان الذي تقع فيه الأفعال وهو زمن طبيعي، والملاحظ أن الشاعرة تستخدم الأزمان الطبيعية لا القياسية المحسوبة بالساعات والدقائق وهو مايتلاءم مع شعرية النهايات التي توحي بتوحد الإنسان مع الطبيعة والمطلق. ثم يأتى دال "النسيان" وكأنه انسحاب من الواقع الحياتي المألوف وتمهيد للدخول في عالم مغاير.

وعند هذه اللحظة يتوقف القلب وتغدو الكلمات ظلالاً وتتجاوب صفات الليل مع طبيعة المكان - عنبر الإنعاش – بالتباساته وسمائه الرمادية التي "تظهر فوق شاشات الأجهزة مثل ثقب كبير في القلب/ تصل الحكمة في آخر نبضةٍ/ تظهر فوق الشاشات في خط مستقيم لا يفضي إلينا". وتشبيه سماء العنبر بثقب كبير في القلب يوحي بتداخل الموضوعي والذاتي، لكن ما هى هذه الحكمة التي تصل في آخر نبضة؟ هل هي حكمة اكتشاف الحقيقة التي يظهرها الموت؟ هذا تأويل وارد بوصف الموت هو الحقيقة المؤكدة التي تخضع لها لكائنات كافة، وذكر الحكمة التي تصل في "آخر نبضة" يحيلنا إلى العنوان الذي يقوم على إضمار ما هو معروف بالضرورة. فآخر القلب تعني – واقعياً – "آخر نبضات القلب"، وبالتالى آخر الحياة بأحزانها وأفراحها حيث "النكهة الحارة للموت/ تأتي في آخر القلب".

وكما يرتبط الموت بالنوم يرتبط كذلك بالرحلة أو السفر الهائل كما تصفه الشاعرة وفي رثائها لشقيقتها تربط – على سبيل المفارقة – بين الحب والموت، فبينما كانت هذه الشقيقة – ليلى – تشتري "عقداً للحب"، والإسكندرية تهيم حولها في غموض، كان الشارع يمتد خلفها "مثل جرح طويل يشبه موتها". ولا شك أن الحب والتذكر والاستحضار الدائم لمن رحلوا هي أفعال مقاومة للموت والنسيان، ما يجعل الصراع دائماً بين الضوء والظلال، بين أماكن الحياة والقبور: "كلما اقتربنا من ذلك الضوء/ يزدهر الظلام"، وفي "حجرة الغسل" تربط – مثلاً – بين الموت والضحك: "في حجرة الغُسل تردد صوتُ عادل إمام/ آتياً من كافيتريا المشفى/ كان الضحك يختلط بالماء". وفي نماذج أخرى تربط بين الموت أو الفراغ الذي يخلفه، واللون الأبيض بوصفه لون الكفن وهي وضعية لا بد أن تفضي إلى الإحساس بالفراغ مع أقرب الناس إليها: "كأني أعرف ذلك الذي ينام بجواري/ غريبٌ هذا الرجل/ غريبٌ هذا الفراش".

لكن هذا لا يمنع الذات من التشبث بالحياة حين تدعو ابنتها – رمز المستقبل – أن تفتح الأبواب للسماء وأن تحبها من جديد حتى تتمكن من اكتشاف نفسها مرة أخرى. والحقيقة أن اليوان يعد – فى مستوى آخر – مرثية للحضارة الحديثة كلها في مثل قولها: "سأدرب نفسي على عادات جديدة/ مثلاً: أن أتقبل نومي بلا أحلام/ وأن أعترف بسقوط الحضارة المدوي/ والسماء العائمة بالقتلى/ هاي أنا أميركي/ كيف حالك/ الجو جميل اليوم/ ولكني سوف أقتلك آخر النهار". هكذا يتحول القتل إلى لعبة عابثة ولهذا يشيع الزيف الذي يستبدل القناع بالوجه كل صباحٍ كى يتهيأ "للمذبحة". لقد قدمت هناء عطية عالماً شعرياً واضح الثراء رغم وحدة دلالاته المركزية التي تدرَّجت بها من الخاص إلى العام موظفة في ذلك الصورة المشهدية والإيجاز والمفارقة.