عام على رحيله

أحمد الحناكي |

قبل عام انطفأت شمعة كبيرة في حياتنا برحيل صديقنا الأثير الأكبر سناً وحكمةً وثقافةً علي محمد العنيزان إثر حادث سيارة أليم.


سنة مختلفة كانت، فقد أصبحنا نتحدث عنه بصفة الغائب بعد أن كان يملأ الدنيا بهجةً ومرحاً وظرفاً، وأصبحنا نبحث عن من نفضي له بهمومنا بعد أن كان يفتح صدره وقلبه وروحه لجميع أصدقائه وعائلته.

فقدنا أراءه الحصيفة في السياسة وفي الوطن وفي فلسطين وفي المرأة وفي القومية وفي الإنسانية وفي الاستعمار وفي الاحتلالات وفي الأعداء وفي الأصدقاء وفي التغيير وفي الرأي والرأي الآخر.

كانت في علي صفة من الصدق والنزاهة لا يمكن تكرارها إلا في القلة النادرة من الناس، مجاملاً لبقاً لكن لا يمكن أن يشيد بخصلة لا تتناسب ومواقفه المبدئية.

في الثمانينات عمل في أحد البنوك الأجنبية السعودية، إذ كانت السعودة ضعيفة وتحدث مع المسؤولين طويلاً بحكم أنه كان مسؤولاً بارزاً، واعتقاداً من البنك أن الرجل سيصمت، اقتداء بالمثل المشهور «أطعم الفم تستحي العين» عينوه عضوا بمجلس الإدارة، لكنه بعد مرور شهر أو شهرين واحتجاجاً على إهمال البنك لهذا الموضوع الحيوي قدم استقالته مع رفيق دربه وصديقه وشريكه عبدالله السويلم ليؤسسا معاً مكتب محاسبون قانونيون، وتخيل كيف يستطيع مكتب لا يقبل أن يستلم أي مشاريع أو مناقصات أو دراسات يشوبها تلاعب أو تزوير في الموازنات أو خلافه، ومع ذلك استطاع المكتب أن يشق طريقه وينجح ولا يزال، فالوطن يحمل في جنباته الكثير من الشرفاء.

قبل عقدين سافر مع أصدقائه عبدالله الفريحي (أبوطفول) الذي كان صديقاً له من أيام باكورة شبابهما وصالح الصويان (أبونزار) الذي انضم لهذه الكوكبة من الرائعين في منتصف السبعينات، إلى المنطقة الشرقية لزيارة الأصدقاء هناك، وفي الطريق إليها توقفوا عند أحد البقالات واراد علي أن يشتري بعض أغراض الطريق وأثناء الدخول صادف آذان الصلاة، ومن فرط حماسة العامل في البقالة وهو باكستاني أن دفع علي بخشونة من الباب مانعاً إياه من الدخول، فقال علي ساخراً من الموقف: «ما أقبح الاهانة عندما تأتيك من بروليتاري».

عندما رحل الغالي عبدالله السكران (والد زوجتي الحبيبة) كنت تائها ومصدوما ومفجوعا، وأتذكر جيداً أن عليّاً تحدث معي طويلاً عنه بذلك الأسلوب الساحر المتعاطف متأسيا على رحيله، وبأسلوبه كأخ أكبر شد من أزري وزوجتي.

تعلمت منه الكثير، خاصة أنه كان لا يتعالى أو يرفض أن تخالفه في الرأي بسبب أنك أصغر في السن مثلاً، مع أنني انتسب إلى المدرسة التقليدية التي أضع فيها اعتبارا وتقديراً لمن هو أكبر سناً، مؤمناً بالمثل العربي «أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة».

لم أكن أشاهد عليّاً كثيراً في الـ15 سنة الأخيرة، لكوني كنت أعمل خارج المملكة، لكنني أحرص في كل زيارة أن أزوره أو أن يزورنا في منزل أخي فهد وهو صديق له مقرب جداً.

عليّ مثّل حالة الصديق المنصف أو القاضي أو الوسيط بين أصدقائه، فهو يحرص دوماً على ألا يكون مع طرف ضد آخر إلا في ما يمس القيم الأخلاقية أو الوطنية، بالتالي كثيراً ما تلجأ له الأطراف التي تتخاصم كي تستنير برأيه واثقة بنزاهة مواقفه.

تعوّد القرّاء على الإطناب بشخصيات رحلت عن عالمنا، مضفين عليها صفات مثالية وإسباغ صفات ليست من صفاتها، وربما ذلك نوع من التعاطف مع أهل الفقيد، لكن بالنسبة لعلي العنيزان ومن عرفه يعلم يقينا أننا لم نوفه حقه، ولعل هناك سمة لم يتم الحديث عنها في مسيرته العطرة وهي «تجنبه الأضواء» تماماً مع ما يملكه من إمكانات تتيح له ذلك، فضلاً عن أنه من ذلك النوع الذي لا يمانع من تقبل الخطأ أو مراجعة حساباته في الحياة أو مع الناس.

العزاء لنا جميعا مرة أخرى في رحيل أبوراكان، والصبر لرفيقة دربه أم راكان وأولاده وبناته وعائلته وأصدقائه.

@abofares1