كتاب الماء لأبي محمد الأزدي.. أول معجم عربي للمصطلحات الطبية

خالد بريش |

كُثرٌ الذين اشتهروا على مرِّ التاريخ وعرفوا من خلال أحد كتبهم، مع أنهم ألّفوا العشرات غيره. فابن خلدون اشتهر بمقدمته، وابن خَلّكان عُرف بكتابه «وَفَيات الأعيان»، وابن منظور بكتابه «لسان العرب»، أغزر معاجم اللغة العربية مادة. وكذلك هو حال أبي محمد عبدالله بن محمد الأزدي الصُّحاري الأندلسي المعروف بـ «ابن الذهبي» الذي اشتهر بكتاب «الماء»، الواقع في ثلاثة مجلدات والصادر عن وزارة التراث والثقافة في عمان بتحقيق الدكتور هادي حسين حمودي.


فابن الذهبي كما ذكر في كتابه (2/ 428)، ولد ونشأ في مدينة صُحار، قصبةُ عُمان التي يقول عنها:

دِيَارٌ بِها شُدَّتْ عَليَّ تَمائِمي * وَأولُ أرْضٍ مَسَّ جِلدي تُرابُها

تلقى تعليمه علي يد عُلمائها، ثم انتقل إلى البصرة لمتابعة علومه، ثم جال بعدها في البلاد فزار مكة وبغداد وبلاد فارس ومدن ما وراء النهر. التقى أثناءها بكثير من العلماء الذين سمع منهم ودرس على بعضهم، مثل: أبي منصور الثعالبي (ت. 429/ 1037)، وأبي ريحان البيروني (ت. 440/ 1048). ثم لازم الشيخ الرئيس أبا علي بن سينا (ت. 428/ 1037)، مدة من الزمن، ودرس على يديه الطب، وبعض كتبه. لينتقل بعدها قاصداً الأندلس، ملتحقاً بركب من سبقه من العلماء الأزديين، الذين أسهموا بدور فعَّال في الحضارة العلمية والأدبية في بلاد الأندلس. ماراً ببلاد الشام، ومصر، وتونس. ليستقر في بلنسية التي توفي فيها في جمادى الثانية من عام (456/ 1064).

ويعتبر كتاب «الماء»، أول معجم لغوي يتناول المصطلحات الطبية النظرية والعملية، والأمراض والعلل، وعلاجاتها، والأدوية وبعض تراكيبها، والنباتات باللغة العربية. وقد أسماه مؤلفه باسم أول أبوابه، على طريقة سلفه الخليل ابن أحمد الفراهيدي في كتابه «العين». وابتدأه بالماء، لأن الماء لا يغذو، ولكن لا غذاء من دونه، ولا غنى عنه للحياة، وأنه أصل في وجود الحياة وسرها مستشهدا بالآية القرآنية ﴿وجَعَلنا مِنَ المَاءِ كلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.

وعلى طريقة معظم المؤلفين العرب والمسلمين قام ابن الذهبي بتوضيح أسباب تأليفه لكتابه (1/ 92) ومنها: «ولما الغالب على أبناء صنعتنا اللحن والغلط وقد تفشت فيهم العجمة والشطط...». إلى أن يقول: «فلقد بلغنا عن أطباء عصرنا ومتطببيه، وصيادلته، وعطاريه، وأهل الجراحة والتشريح والكحالين، ما بلغنا من خروجهم على لغة العرب، وتفضيلهم لكلام العجم، يتمادحون بذلك فيما بينهم، ويغمضون فيه أمام مرضاهم، إظهاراً لقدرة لا تستحق الإظهار، وعجمة لا تستوجب الافتخار».

وقد رتبه على حروف المعجم مبتدئاً بالهمزة فالباء... إلى الياء، مُتبعاً في ترتيبه إرجاع الكلمة إلى الجذر الثلاثي. هذا وتمتاز عبارات الكتاب ومصطلحاته بالاختصار والمعلومات المكثفة. ويتبع في التعاطي مع المصطلح الخاص بالطب أو الدواء تدرُّجاً، فيذكر التعريف، ثم الصفة، والطبيعة، والمنافع... وكثيراً ما يذكر المقادير، وكيفية الاستخدام. مُعَرِّجاً على بعض الإبداعات الطبية للأطباء العرب والمسلمين حينها، والتي منها ترقيع جلد المصاب بحروق بالغة فيذكر في (1/ 375) مادة: جَرَفَ، «والجُرْفَة: أن تقطع جِلْدةً من فخذ المَحْروق لتجْمعَها على موضِع الحَرْق بعد بُرْئِه».

إنها عملية فرز للمصطلحات بعدما تداخلت اللغات ببعضها من نبطية وفارسية وسريانية ويونانية قديمة الخ... وخصوصاً في العلوم الطبية والتطبيقية. ولم يكتف الأزدي بجمع مادة معجمه وتدبيجها، بل قام بتعريب كثير من الألفاظ والمصطلحات، كما يذكر في (1/ 93) «فجهدت جهدي أن أعيد الأعجمي من لفظ الأطباء إلى رسوم لسان العرب». وأما المصطلحات التي عُرِّبت سابقاً وشاع استخدامها، فإنه يشرحها مع الحفاظ عليها كما هي. وذلك كالأسطقس، والمالينخوليا، والكيموس. ذاكراً أصلها كما في (1/ 443)، «الحَرْشَف: اسم نبطي لنبات شوكي له ساق طويل في غلظ الإصبع».

ولقد تطرق أحياناً لشرح بعض المصطلحات الفلسفية. وكذلك ذكر بعض العادات التي رآها في أثناء تجواله وترحاله كقوله في الأتْر، أو الأتْروت، وهو من أنواع الصمخ: «ورأينا في بعض البلدان أن الرعاة يقدمونه للماشية والأنعام للتسمين واستدرار اللبن». ومما نلاحظه أنه كان كثير الشكوى من دخول كل من هبَّ ودبَّ في صنعة الطب والصيدلة. ففي مادة بَضَعَ (1/ 223)، وبعد ذكر معناها يقول: «وبالله نعوذ ممن جعل الطب بضاعة، وهو الفاشي اليوم بين الناس».

يُعْتبر هذا الكتاب ثمرة سنوات من البحث والجهد المتواصل. لأن أبا محمد الأزدي كان في أثناء رحلاته وتجواله في البلاد يقوم بتسجيل ملاحظاته، ومشاهداته، في النباتات. مضيفاً إليها ما سمعه من شيوخه كالبيروني، وابن سينا. وما خبره بنفسه من خلال تجاربه. أو اطلع عليه في بطون الكتب. وما ينقله عن سابقية كالخليل بن أحمد الفراهيدي، وابن دريد، وابن السكيت، وأبي عبيد... أو عن الأطباء المعروفين كديسقوريدس، والرازي. مُمَحِّصاً ومقارناً بين الآراء. وإذا ما ذكر: قال.. دون القائل، في المواضيع الطبية والفلسفية فإن المقصود ابن سينا. وإذا ذكرها فيما يخص الشعر واللغة، فالمقصود الخليل بن أحمد الفراهيدي. وعندما ينقل ما لا يعرفه يقول: «كذا قيل ولا أدري كيف هو...».

أما عندما كان يرى تعارضاً بين الآراء، فإنه كان يقدم رأي أستاذه وشيخه ابن سينا الذي تأثر فيه كثيراً، وخصوصاً في تعريبه للمصطلحات الطبية. وربما كان هذا الكتاب ثمرة نقاش دار بينه وبين الشيخ الرئيس. أو أن ملازمته له هي ما أوحت له به. ونستطيع القول أن عملية التعريب واشتقاق الألفاظ التي قام بها هي في الواقع تكملة لمدرسة حنين بن إسحاق وابن ماسويه وكل الذين سبقوه. كونه أكمل كل ما أغفلوه ولم يتعرضوا له فوضع له جذراً عربياً واشتقاقا صحيحاً.

ونجد أنه لا يتوانى أحياناً عن تصحيح ما يتناقله الرواة خاصة إذا كان المروي له علاقة بمسألة طبية. ومن ذلك خطأ المُحَدِّثين فيما يروونه عن عمر بن الخطاب من أن صغار الإبل تأكل الأرْنَبَة، فيقول في (2/ 207) مُصححاً: «والذي أعرفه الأَرينَة، وهو نبتٌ معروفٌ يشبه الخطمي عريض الورق. طالت بالسيل حتى أكلتها صغار الإبل. والغريب أن بعض رواة الحديث واللغويين أصروا على رواية الأرنبة، من غير أن يلتفتوا إلى أن صغار الإبل لا تأكل اللحم».

وإن كان من نقد على منهجيته فهو في أنه لم يذكر أسباب تسمية الأمراض والأدوية بأسمائها العربية التي عرفت بها عند العرب، كما فعل غيره من اللغويين، مثل ابن منظور في شرحه لمعنى الحصبة والسل والجدري واليرقان الذي يقول إن سبب تسميته بذلك مأخوذة من قولهم: «زَرْعٌ مَيْروق». أي مُصْفر. أو أنهم اشتقوا ذلك من «الرَّقْن»، وهو التلطيخ بالزعفران.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب حوى كثيراً من الألفاظ والمصطلحات التي نقلها عن الخليل الفراهيدي، وهي غير موجودة في كتبه. وفي ذلك حفظ لتراث الخليل اللغوي، ولمدرسة الأزْديين التي لا نعرف عنها كثيراً. والتي إلى الآن لم تقم دراسات تفيها حقها.