تراث النزعة الفردية.. من نقد السياسة إلى نقد الكهانة

صلاح سالم |

في كتابه الأثير «نقد السياسة.. الدين والدولة» ينحو المفكر السوري المرموق الدكتور برهان غليون إلى إضفاء قيمة إيجابية على العصور الوسطى، بعكس ما هو مستقر حولها في الذهنية السائدة، مؤكداً أن الديانات التوحيدية، والمسيحية في قلبها، هي التي تمكنت من تحييد الدولة كما كانت سائدة من قبل؛ حيث الحكام ليسوا فقط مجرد ملوك بل ملوك آلهة، والسلطة ليست إلا مبدأ لقهر الشعوب في الداخل والتوسع على حساب شعوب أخرى في الخارج. ومن ثم أفضت تلك الديانات، بحسب غليون، إلى الحد من عبادة تلك الدول على نحو ما كان يجرى داخل تقاليد الشرق الأدنى القديم خصوصاً الإمبراطوريات الثلاث: الفرعونية والبابلية والفارسية، أو داخل التقليد الغربي حيث كانت الإمبراطوريتين: اليونانية والرومانية. لقد حل الدين بديلاً عن هذه الإمبراطوريات كمصدر للقيم وأساس لصياغة وعى الإنسان باعتباره فرداً في جماعة، أي مصدر للقوة الأخلاقية والمعنوية والروحية التي تستطيع صهر عقول وأفئدة جماعات الأفراد في تضامن وتآلف وتراحم ذاتي وأخوة طوعية تتجاوز حدود الملك الإله في الدولة الإمبراطورية القديمة، إلى حدود أعلى وأفق أوسع يبلغ مدى كونياً، ينطوى تحت مفهوم الألوهية. ولدى غليون، فإن هذه الأخوة في إله فائق هي ما يفسر انتصار تلك الأديان، وبانتصارها دخلت الإنسانية في عصر جديد، ولد فيه الإنسان حراً وعاقلاً بفعل النور الذي وضعه الله في كل فرد ليهديه سواء السبيل، فلم يعد بمثابة مادة خام جسدية بل أصبح قوة روحية ومفكرة، تنزع نحو الفضائل والمثل العليا، تجاوزاً لضغوط الجسد الغريزية، كما ولدت الجماعة الإنسانية كبناء بما هي جماعة إيمان واعتقاد، في مقابل انهيار مفهوم العبودية للسلطة المقدسة التي مثلت مركز الثقل في الحضارات القديمة.


والحقيقة أن ما ذهب إليه غليون كان بالفعل مقصود الدين التوحيدي وغايته الكبرى، ومن ثم فإننا نوافقه عليه على الصعيد النظري، أي في إطار الرؤية المثالية/ الاعتقادية للوحي، فهذا ما كان واجباً أن يكون، ولكننا نخالفه فيما ذهب إليه على صعيد الواقع التاريخي نفسه، أي ما جرى بالفعل؛ ذلك أن القرون الوسطى التي حررت الضمير من الملك الإله المعبود، هي نفسها التي أخضعت هذا الضمير للكهنة ولرجال الدين في أشكالهم المختلفة وصورهم المتعددة، المبررين للاستبداد دائماً والمتمرغين في الإقطاع غالباً. بل إننا لا نستطيع فهم تلك الحقبة من دون ذكر سطوة الكنيسة الكاثوليكية واتهامات الهرطقة ومحاكم التفتيش وغير ذلك مما هو معروف ويوحي به مباشرة مصطلح (العصور المظلمة). فنحن، وإن كنا نثمن حماسته لفكرة أن يكون الله هو الروح واللحمة التي تربط بين الناس، تمنحهم هويتهم وتضامنهم وتفردهم بدلاً من شخص الملك الإله، فإننا نذكّر بأن اللحمة هذه قد اختلسها رجال الكهنوت الديني ذي الطابع البطريركي، وعلى رأسهم الباباوات، الذين ادعوا العصمة وتاجروا في صكوك الغفران. ومن ثم ينبع تقدير الدور الذي لعبته الحركة البروتستانتية في توكيد النزعة الفردية، والتقريب من جديد بين وعود والإيمان ووعود الحرية، حيث تعين على المسيحي الآخذ بالمذاهب البروتستانتية الوقوف وحده أمام الله، من دون سند سوى الكتاب المقدس، بعيداً عن سلطة الكنيسة وأساليب التفسير المعهودة، الموروثة عن عمل كبار البابوات، واجتهادات كبار اللاهوتيين، ورؤى أبرز القديسين على نحو أدى إلى بروز إيمان فردي باتت معه الحقيقة الدينية مسألة ذاتية، تعتمد على قرائح وأذواق المؤمنين المختلفين في القراءة والتفسير، وسمح بتدشين النقد الرفيع للكتاب المقدس، فأدخل النص الديني إلى فلك العقل والتاريخ.

وعلى هذا فقد مثل الإصلاح البروتستانتي في تاريخ الثقافة الأوروبية، قطيعة بين إدراكين للدين أولهما يقوم، جوهرياً رغم بعض استثناءات، على الروح الجمعية التي تبجل سلطة الكنيسة على حساب الإرادة الشخصية. وثانيهما يتأسس عموماً، رغم بعض الاستثناءات، على النزعة الفردية، التي تجعل المسيحي المؤمن أكثر سيطرة على مصيره الشخصي. كما أدى إلى حفز الكنيسة الكاثوليكية لإصلاح نفسها على نحو ما تجسد في قرارات مجمع (لاترانت)، التي جددت مرتكزات الكاثوليكية في فرنسا وإيطاليا، وأدت إلى بروز الكنيسة الإنجليكانية في بريطانيا، الأمر الذي انتهى بتكريس ثنائية العقلانية والفردية في ثنايا الوعي الغربي الحديث، لا على أنقاض الدين كما يتم الترويج الساذج، ولكن على أنقاض إدراكه الخرافي، وفهمه المتعصب.

وبحسب الفيلسوف سبينوزا، صار كل فرد ملزماً بأن يهيئ عقائده في الإيمان على قدر فهمه الخاص، وأن يفسرها بحيث يسهل عليه الاقتناع بها دون أي تردد وبقلب صادق، حتى تؤتي طاعة الله ثمارها عندما تكشف عن رغبة صادقة في الإيمان بالخالق، فمثلما أوحى بالإيمان قديماً على قدر فهم الأنبياء والعامة في عصورهم القديمة، وطبقاً لمعتقداتهم المختلفة، يتعين كذلك على كل فرد أن يبلور إيمانه وفقًا لآرائه، حتى يمكنه اعتناقه دون أدنى مقاومة من عقله، ودون أي تردد، فالإيمان لا يتطلب من الحقيقة بقدر ما يتطلب من التقوى. وعلى ذلك فأفضل المؤمنين ليس بالضرورة من يعرض أفضل الحجج العقلية على صدق دينه، بل هو الذي يقدم، بفعل تقواه، أفضل أعمال العدل والإحسان التي يدعو إليها هذا الدين أو ذاك. ولعل هذا الفهم هو الذي يصبغ الإيمان الديني بنزعة فردية تستعصي على التنظيم لأن التنظيم مسألة جماعية، كما يمنحه أبعاداً جوانية تمتنع على التقنين لأن التقنين مسألة شكلية، وهو المعنى الذي لخصه توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للإمبراطورية الأميركية، الذين صاغوا نمط العلاقة الإيجابية، أي التوازنية والفعالة، بين الدين والحرية في الولايات المتحدة، في قوله: «أنا بحد ذاتي فرقة دينية»، وهو المعنى الذي كرره توماس بين بعد عقود عندما قال: «فكري هو كنيستي»، وهي رؤى تعكس ذروة النزعة الفردية في الدين، وتكشف عن عمق العلاقة بين أمة المؤمنين بالإنجيل، ودولة الإيمان بالحرية، وعن الطفرة التي أفضت إليها الحركة البروتستانتية على صعيد النزعة الفردية، وعلى هذا استحقت منا الاحتفاء بها، كإحدى أكثر الأحداث أهمية في تاريخ العالم الحديث.

غير أن الطفرة الكبرى في مسيرة النزعة الفردية جاءت في ركاب فلسفات التنوير بالذات، فمعها وبفضلها اكتسبت عمقاً كبيراً، وارتبطت بالعقل الإنساني، وتخلصت تدريجياً من المركب الشامل للأعراف والتقاليد بل وأيضاً من مفهوم الحق الطبيعي، حيث وصل بها كانط إلى لحظة الذروة، محاولاً تخليص الإنسان (المسيحي) من كل سلطة وصائية تتحكم به، مؤكداً أن «مملكة الله ليست مملكة من القساوسة تفقهوا في قراءة الكتاب المقدس، فخيل إلى الناس أنهم بذلك قد تفردوا من دون الخلق بالاتصال بالله، بل إنه عالم مفتوح لجميع من صفت قلوبهم». وهكذا أصدر كانط إعلان استقلال يطالب الناس بأن يتسلحوا بالشجاعة الكافية للتخلص من اعتمادهم على المعلمين والكنائس والسلطات، وأن ينشدوا الحقيقة بأنفسهم، حيث التنوير لديه هو خروج الإنسان من الوصاية التي جلبها لنفسه، والوصاية معناها عجز الإنسان عن الانتفاع بقدرته على الفهم دون توجيه من شخص آخر.

ومع بداية القرن التاسع عشر أخذت النزعة الإنسانية هذه تنتظم تشريعياً في قوانين وإعلانات عن الحقوق، خاصة في الولايات المتحدة وفرنسا، فيما كان الإنكليزي في العصر الفيكتوري يؤمن بأن له هذه الحقوق دون حاجة إلى وثيقة صريحة تثبت ذلك. وبالطبع كانت هناك ميول رجعية استمرت حاضرة ولكن صارت هامشية، على منوال أليكس دي توكفيل، المفكر الفرنسي الذي لاحظ هيمنة الروح الفردية على الأميركيين إبان زيارته للولايات المتحدة منتصف القرن التاسع عشر، ويبدو أنه انزعج كثيراً منها، فكتب مقارناً بينها وبين مفهوم الأنانية، على نحو غير منصف في الحقيقة؛ إذ يقول: «تنشأ الأنانية من الغريزة العمياء، على حين تنشأ الفردية عن حكم خاطئ أكثر مما تنشأ عن وجدان سقيم، فهي ترجع إلى نقصان في العقل، بقدر ما ترجع إلى انحراف أو مرض في القلب! غير أن القرن العشرين قد شهد انتصاراً حاسماً للفردانية الشخصية، التي أخذت توسع من فضاءاتها التحررية إلى حرية الحياة، والملكية، والتعبير، وتكوين الجمعيات والاتحادات والأحزاب السياسية، حتى أنتجت منظومة حقوقية كاملة، شملت مؤخراً- لدى بعض الدول- الحق في حياة كريمة، وكذلك الحق في السعادة».