رواية «الوصايا»... أن تقرأ كأنك تعيش وترى

غلاف الوصايا.
وليد خيري |

وصول رواية «الوصايا» (دار الكتب خان- القاهرة) للمصري عادل عصمت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر في نسختها العربية، في دورتها الحالية، هو وصول مستحق لكاتب عمل في صمت ودأب لافتين، مخلصاً لمشروعه الروائي في ما يخص القرية المصرية وعلاقتها بالعولمة التي طالت كل شيء، وأثرت بالضرورة على مصائر قرى ظلت محصنة بقيم وتقاليد راسخة حتى جرفها تيار التحديث فتركها عارية من مبادئها؛ فلا هي ظلت قرى عذراء محتفظة بكينونتها، ولا صارت مدناً بغية تفتح ذراعها لأي من العابرين. سنكون غير منصفين إذا اعتبرنا «الوصايا» عبر التوصيف المجاني غير الدقيق رواية أجيال.


هي رواية أزمان إذا صح التعبير، فهي تتحدث عن فعل الزمن في القرى وساكنيها، والبيوت وقاطنيها، وعن الأرض وطينها. فضياع الأرض في بداية الرواية عبّر أزمة بورصة القطن والكساد الاقتصادي في ثلاثينات القرن المنصرم، ورحلة الجد «عبد الرحمن سليم» لاستعادة الأرض هو ما اختار أن يبدأ به الجد وصاياه لحفيده «الساقط» وهو على فراش الموت: «نحن مجرد سديم، يتجمع ثم يتبدد». هل الرواية تعتبر أن الزمن هو العدو الأول للإنسان أم التغيير، أم الإنسان عدو نفسه؟ أسئلة يمتلئ بها فضاء هذا النص المحكم بمفرادته الموجزة البليغة. هذه كتابة، بنت قريتها التي لم يفارقها الروائي إلا لماماً كما فعل نجيب محفوظ مع حارته. وأجدني هنا مشدوداً إلى وجه تشابه في نقاء التجربة بين نجيب محفوظ وعادل عصمت، فالأول ظل شديد الإخلاص لحارته حتى وإن كان لا يتوقف عن جلدها بين الحين والآخر. وكذلك فعل الثاني مع قريته، الواقعة في شمال مصر. الراوي هو الحفيد الذي تلقى الوصايا العشر ولم يدرِ ماذا يفعل بها، فقصَّها علينا حتى نقتفي الأثر لعائلة سليم وما جرى لها بفعل الأيام وحوادث الدهر والتغيرات التي لحقت بالقرية المصرية من أول زراعة المحاصيل الاقتصادية مثل الكتان، والطائرات التي تبيد المبيدات، كما أباد الزمن أشياء كثيرة لم تعد موجودة من خصال حلوة وقيم طالها التجريف كما طال الأرض.

في روايات عادل عصمت تستطيع أن تقرأ كأنك تعيش وترى الحقول والناس، فهذه الأرض المزروعة ورائحتها المميزة، وهذه زهرات القطن الأبيض وهي عطشى للماء، وهذا هو الجد عبد الرحمن والعم علي سليم والجدة خديجة والعمة فاطمة ونبية والصديق نور الدين والحبيبة كوثر، وكيف أحبَّها الجِد عبد الرحمن حباً عفيفاً صامتاً حفظاً لأواصر الصداقة، وهي من أروع قصص الحب التي يمكن أن تطالعها في رواية، هل لأن قصص الحب الأجمل هي التي لم تكتمل؟!

«الوصايا» مرثية سردية لتمجيد قيم العائلة، لن تستطيع الإفلات من مدارها بسهولة، فتظل شخوصها البديعة تخايل ناظريك، تحب البعض وتغضب من البعض، لكنك لن تكره بالتأكيد أحداً، حتى «الخواجة» الذي أخذ الأرض ستجده مرافقاً للجد في بعض الجولات، وهذا حدث معي كقارئ لأن عادل عصمت لم يتعجل على الرواية فترتيبها الثامن بين أعماله، وهذا يعني أنه صبر عليها كثيراً حتى ينجزها، ربما كان يختزنها بداخله، فهي رواية بها ملامح سيرة، وغالباً يبدأ الكُتاب بسرد ما هو ملتصق بهم في أعمالهم الأولى، لكن في ظني أن الروائي القدير أنضج روايته في قِدرها على مهل وقدمها لقرائه بعد أن هضمها هو جيداً بفعل تراكم الخبرات والسنين، ليقدم لنا في النهاية جمر الأيام وعصارة العمر.