العمل الخيري والمشاركة الاجتماعية والمجال العام

(الحياة)
إبراهيم البيومي غانم |

علينا أن نعرَّف «المجال العام» قبل أن نعْرف كيف أن الإسهام في بنائه مقصد من مقاصد العمل الخيري الإسلامي.


«المجال العام» هو الحيز المشترك بين أبناء المجتمع في ما يتعلق بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. هو المسؤولية المشتركة، والمصلحة المشتركة؛ التي لا يختص بها فرد دون آخر حتى لو أراد، ولا تحتكرها مجموعة أو فئة دون أخرى حتى لو أرادت. «المجال العام» بهذا المعنى تحكمه منظومة «قيمية وأخلاقية» تتقاسمها فئات المجتمع وأفراده، وله «منظومة» أخرى من المؤسسات والمرافق العامة التي يجب أن تتسم بالتطور والكفاءة، حتى يكون متطوراً وفعالاً في حفظ تماسك المجتمع ودرء ممكن مما قد ما يتعرض له من تهديدات.

للمجال العام إذن بنيتان: الأولى معنوية تشتمل على مجموعة من القيم والأخلاقيات، والثانية مادية تشتمل على مجموعة من المؤسسات والأطر المكانية التي تكون بمثابة ساحة لممارسة تلك القيم والأخلاقيات.

ثمة مسلك آخر لتعريف هذا المُسمى الذي نسميه باسم «المجال العام»، وهو التعريف بالضد؛ فنقول إنه كل ما يخرج عن «المجال الخاص». وتسير أغلبية تكوينات المجال الخاص في اتجاه معاكس لتكوينات المجال العام؛ إذ تؤكد تكويناته على ما يقع في الحقول الدلالية لعدد من التركيبات اللفظية التي تشترك دلالاتها، أو بعضها، مع دلالات «المجال الخاص» وحده دون غيره، وأهمها: الحيز الخاص، والنظام الخاص، والمصلحة الخاصة، والقانون الخاص، والحقوق الخاصة، والرأي الخاص، أو الشخصي. وجميعها تتركز في دائرة الفرد وما يخصه، أو دائرة العائلة على أقصى تقدير وما يخصُّها.

وتوضح نشأة المجال العام في الخبرة الحضارية الإسلامية أن «العمل الخيري» كان من كبار مؤسسي هذا المجال منذ البدايات الأولى لنشأته في مجتمع المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته من مكة المكرمة. وقد تنوعت مبادرات العمل الخيري التي أسهمت في تكوين «المجال العام»، وكان من أهمها: المبادرة بوقف مسجد قباء، ومن بعده وقف مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ووقف بئر رومة للمنفعة العامة. ومنها أيضاً مبادرة الأنصار لاقتسام ما يملكون من متاع الدنيا مع إخوانهم المهاجرين الذين فقدوا متاعهم وتركوه وراء ظهورهم. وكانت مبادرة الأنصار استجابة لتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم، على رغم أن توجيهاته بهذا الخصوص لم تكن على سبيل الإلزام، وإنما كانت على سبيل الندب للنصرة، والتنبيه على مكارم الأخلاق.

وقد أسهمت تلك «المبادرات الخيرية» في إرساء البنية المادية للمجال العام، بعد أن كانت بنيته المعنوية القيمية قد ترسخت حول معاني التعاون، والتضامن، والتكافل. وقديماً أطلق علماؤنا على هذه الأعمال التي تستهدف الخير العام مصطلح «حقوق الله» (أبو إسحق الشاطبي، الموافقات، ج2/ ص317-320). وهذه الحقوق تشمل- فيما تشمل - كل ما احتاج إليه الناس حاجة عامة؛ مادية أو معنوية، ولا غناء لهم عنها وبخاصة في مجال الأمن والدفاع والتعليم والصحة والترفيه والرعاية الاجتماعية للفئات الفقيرة والمحرومة. وصنف بعض العلماء هذه «الحقوق العامة» أيضاً ضمن ما شُرع «تنبيهاً على مكارم الأخلاق»، ومنها الحض على المواساة، وعتق الرقاب، والهبات والأحباس، والصدقات، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق» (علاء الدين أبوالحسن على بن خليل الطرابلسي الحنفي، معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2- 1393هـ 1973م/ ص169).

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن تراث الممارسة الاجتماعية لمنظومة «حقوق الله»، ومنها «أعمال التضامن العام» قد تجلت في مجموعة كبيرة من المبادرات الطوعية التي تستهدف دوماً «الخير العام»، والتي من شأنها أن تسهم في تكوين «مجال مشترك» بين المجتمع والدولة، أو بين الأمة والسلطة، ولمصلحتهما معاً على نحو ما شرحناه بتوسع في كتابنا «الأوقاف والمجتمع والسياسة في مصر (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2016). وأخذت هذه المبادرات أنماطاً متنوعة من البر والمبادرات الخيرية. وقد تعرض «المجال العام» الذي أسهمت في تكوينه تلك المبادرات الخيرية للازدهار أحياناً، وأصابه الانحسار أحياناً؛ في ضوء ما مرت به المجتمعات الإسلامية من تحولات اجتماعية وصراعات سياسية. وبناء على ذلك كان المجال العام يزدهر ويقوى كلما زادت درجة التمدن وقويت روح التضامن الاجتماعي، وكان ينحسر ويضعف كلما تراجع التمدن، وزاد الميل إلى التنازع والانقسام.

وإذا كان العمل الخيري في أغلب التجارب الحضارية هو في جوهره «إلزام للنفس لمصلحة الغير دون مقابل مادي»- باستثناء الحضارة الغربية الحديثة التي يرتبط فيها العمل الخيري بأهداف مادية مباشرة أو غير مباشرة- فإن الخبرة الحضارية الإسلامية تؤكد بوضوح على أن من أهداف هذا الإلزام تمكين الفرد من المشاركة في بناء «المجال العام». فمن خلال نظام الوقف مثلاً- قبل أن تسيطر عليه الحكومات المعاصرة- استطاع الفرد أن ينقل إرادته من الحيز الخاص إلى المجال العام، وأن يشارك بقدر أو آخر في بناء هذا المجال على نطاق محلي محدود، أو على نطاق المجتمع كله إذا كان وقفاً كبيراً يقوم بتمويل مؤسسات متعددة مثل المدارس والمستشفيات ودور الأيتام والملاجئ والمضايف، وغير ذلك من المرافق العامة. ولهذا اكتسبت «شروط الواقف» أهمية كبيرة، وأضفى عليها الفقهاء صفة الحرمة وأكسبوها قوة الإلزام بقولهم «شرط الواقف كنص الشارع في لزومه ووجوب العمل به». ومن نافلة القول أن الشروط المعتبرة شرعاً هي التي تكون منضبطة بالمقاصد العامة للشريعة، وهذا وجه آخر من وجوه ارتباط عمل الخير بمقاصد الشريعة.

ولسائل أن يسأل: لماذا يكون الإسهام في بناء المجال العام مقصداً عاماً من مقاصد العمل الخيري، بينما يتجه العمل الخيري غالباً إلى فئات محددة، وأفراد مخصوصين في تلك الفئات؟

والجواب على هذا السؤال يعيدنا مرة أخرى إلى «الحرية» باعتبارها النواة الصلبة للرؤية الإسلامية في الاجتماع والسياسة. أن المجال العام هو ميدان ممارسة «الحرية». والحرية هي من صميم المقاصد العامة للشريعة. ولا يُقبل الفردُ على مبادرة طوعية يلزم بها نفسه لمصلحة الغير وتستهدف النفع العام إلا عندما يبلغ مستوى الولاية على نفسه، أي أن يكون حراً في معتقده ورأيه، ومختاراً في قراره غير مكره. أما عندما يفقد حريته، أو يشعر أنها مهددة تهديداً لا قبل له بدفعه، فإن أول ما يفعله هو أن ينسحب من المجال العام، وينكفئ على ذاته، ولا يبادر بمشاركة عامة، ناهيك عن أن يبادر بمشاركة خيرية ليس لها جزاء مادي مباشر. أو قد يلتحق بدلاً من الانسحاب- أحياناً - بجماعة السلطان، ويصبح أداة من أدواته في ممارسة البطش والتنكيل بالآخرين. وفي الحالين يفقد المجال العام جزءاً من حيزه؛ لأن هذا المجال لا ينشأ ولا يتكون إلا بمجموع ذوات إنسانية حرة، تتشارك همومَ الجماعة وتسعى لتحقيق مصالحها، والدفاع عنها عندما تتعرض للتهديد. وفي المقابل تكسبُ السلطة الطاغية إلى صفها ذلك الجزء المفقود من المجال العام؛ لأنه تنازل عن حريته، ومن يتنازل حريته لا «خير» فيه، وفاقد الشيء من المؤكد أنه لا يعطيه.

وإن تعجب فاعجب لأغلبية الدول العربية التي باتت- منذ منتصف القرن العشرين الماضي- تتبنى سياسات تقيّد بها حرية العمل الخيري، وتحدُّ بها من المبادرات التي يتطلع المحسنون من خلالها إلى المشاركة في الحياة العامة لمجتمعاتهم. ووصل الأمر ببعض الدول- مثل تونس- إلى تحريم إنشاء الأوقاف العامة والخاصة، الخيرية والأهلية والمشتركة، فقد صدر قانون إلغاء «جمعية الأوقاف» بتاريخ 20 شوال 1375هـ- 31 أيار (مايو) 1956، أي غداة الاستقلال مباشرة. وكانت تلك الجمعية بمثابة ديوان عمومي يرجع تأسيسه إلى عهد خير الدين باشا التونسي في نهايات القرن التاسع عشر. وكانت مهمته هي أن يشرف على عموم الأوقاف في تونس، ثم صدر قانون آخر لإلغاء «نظام الأحباس الخاصة والمشتركة» في تونس أيضاً في 18 تموز (يوليو) 1957، ولا يزال سارياً حتى اليوم، وكان هذا الحظر في رأيي أحد أهم الأسباب التي جعلت تونس أسبق بلد عربي يفتح أبواب التدخّل الأجنبي والتغلغل في أحشاء المجتمع تحت ستار مؤسسات «المجتمع المدني» الممولة من جهات أجنبية وبحجة عدم وجود تمويل محلي لمثل هذه المؤسسات. ولم تفلح كل الجهود التي بذلتها قوى الإصلاح في تونس بعد ثورتها المجيدة في 2010م في استصدار قانون جديد يرد الاعتبار لنظام الوقف والعمل الخيري، ولا يزال مشروع قانون الوقف التونسي حبيس الأدراج منذ سنة 2013م، وهو من أفضل المشروعات التجديدية في مجال قوانين الوقف وتشريعاته الحديثة.

وليس مصادفة أن تأتي البلدان التي قيّدت العمل الخيري وألغت الأوقاف أو سيطرت عليها، في مقدمة الدول التي عانت ولا تزال تعاني من نقص الحريات العامة والخاصة. ولنا أن نقول: أن فقد الحرية هو أحد أهم أسباب تراجع المجتمعات الإسلامية، وعلة أساسية من علل انحسار المجال العام، وضمور المبادرات الخيرية، وتدهور المؤسسات العريقة في عمل الخير ومنها المؤسسة الوقفية. وقد عبّر الكواكبي عن فداحة الثمن الذي تدفعه مجتمعاتنا نتيجة فقدان الحرية في كتابه «أم القرى» على لسان «المولى الرومي»، يقول: «وعندي أن البلية فقدنا الحرية، وما أدرانا ما الحرية؛ هي ما حرمنا معناه حتى نسيناه، وحرّم علينا لفظه حتى استوحشناه،... فالحرية هي روح الدين،... وأعز شيء على الإنسان بعد حياته، وإن بفقدانها تفقد الآمال، وتبطل الأعمال، وتموت النفوس، وتتعطل الشرائع، وتختل القوانين». (عبد الرحمن الكواكبي، أم القرى: وهو ضبط مفاوضات ومقررات مؤتمر النهضة الإسلامية المنعقد في مكة المكرمة سنة 1316هـ/ حلب: المطبعة العصرية، ب.ت/ ص31-33).

وحب الحصيد هنا هو أن مبادرات العمل الخيري- بمختلف أنماطه- هي التدريب الأول على مشاركة الفرد في الشؤون العامة لمجتمعه، وأن حصيلة هذه المبادرات الخيرية تزيد في قوة المجال العام، وهي تشكّل أيضاً ركناً أساسياً من أركان بنائه، مثلما تزيد في قوة المجتمع والدولة معاً على قاعدة «المجال المشترك».