«مفاتيح العلوم» للخوارزمي... مرآة ثقافية للقرن الرابع الهجري

تراث
سماح عاطف عبدالحليم |

يرجع تأليف كتاب «مفاتيح العلوم» إلى القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، في ظل عصر كان يموج بأجواء من الانقسامات السياسية يعانقها ازدهار في العلوم والآداب والفنون. شهد ذلك العصر ضعف وتدهور الخلافة العباسية، واستقلال غالبية الأقاليم عنها وظهور الدول المستقلة. واعتبر كثير من المؤرخين أن من إيجابيات هذا الأمر ظهور عدد من الحواضر الثقافية التي أسهمت في ازدهار الحركة الفكرية؛ إذ تحولت تلك الدول إلى مراكز حضارية يتبارى حكامها في رعاية العلم والعلماء ودعمهم مادياً ومعنوياً، فانعكس هذا بالإيجاب على حركة الترجمة والبحث والتأليف، فبرزت كوكبة من العلماء والأدباء أثروا الحضارة العربية الإسلامية بنتاجهم في شتى أنواع العلوم والآداب والفنون. ومن هذه الحواضر الثقافية حاضرة الدولة السامانية في بلاد ما وراء النهر، التي نشأ في كنفها الخوارزمي مؤلف هذا الكتاب، فقد درس الخوارزمي علوم وفنون عصره، فتعلم القرآن الكريم واللغة العربية وعلوما مختلفة، وعرف عدداً من اللغات مكَّنته من الاطلاع على شتى أنواع المعارف، وقوّى هذا الجانب لديه قربه من السلطة السياسية من خلال توليه منصباً إدارياً في بلاط الأمير نوح الثاني الساماني في مدينة نيسابور من سنة 366-387ﻫـ، الأمر الذي أتاح له الفرصة للاطلاع على الكثير من الكتب التي زخرت بها مكتبة قصره. فكان الخوارزمي نتاج ثقافة عصره وتجسيد حي لطبيعة تلك الثقافة الموسوعية.


ألَّف الخوارزمي كتابه باللغة العربية على رغم كونه فارسي الأصل، ويجيد اللغة الفارسية التي علا نجمها في ظل الدولة السامانية؛ نظراً لإحيائهم الشعور القومي بأمجاد الفرس القدماء وتشجيعهم حركة إحياء التراث الفارسي بدولتهم ومنها الكتابة والتأليف بالفارسية وهناك علماء ألَّفوا بها، لكن الخوارزمي لم ينحُ هذا المنحى وفضّل التأليف بالعربية ورجَّح الانتماء الفكري والعلمي الذي قدّمته الحضارة الإسلامية من خلال اللغة العربية على الانتماء السلالي والعرقي، فأسهم بدوره في إثراء الحضارة العربية، وجعل الخوارزمي بمثابة مدخل ومفتاح للمتعلمين والباحثين الذين يعالجون علماً من العلوم ويريدون معرفة المصطلحات المستعملة فيها، وكذلك ليكون دليلاً مبسطاً لعموم المثقفين الراغبين في مطالعة العلوم والآداب، فذكر: «إن أحوج الناس إلى معرفة هذه الاصطلاحات الأديب اللطيف الذي تحقَّق من أن علم اللغة آلة لإدراك الفضيلة».

فقيمة الخوارزمي المهمة في الحضارة لا في إضافاته العلمية المشهودة، إنما في تطويره لمنهج البحث العلمي، خاصة في مجال تصنيف العلوم الطبيعية والإنسانية، فقد شهد هذا العصر حركة تدوين واسعة شملت معظم فروع المعرفة، وما ارتبط بها من تبويب وتصنيف، وعكست خطط التصنيف البنية المعرفية للحركة العلمية والفكرية لهذا العصر، وبدا هذا واضحاً من خلال ما ألَّف من قواميس وموسوعات علمية، ويعتبر كتاب مفاتيح العلوم خير شاهد على ذلك، فقد كتب فيه الخوارزمي عن كل فروع العلم الموجودة في عصره في شكل موسوعي عكس تنوع ثقافة المؤلف، وأظهر محاولاته المبكرة نحو التأليف الموسوعي، حيث يعتبر الكتاب من أقدم ما صنّف بالحضارة الإسلامية على الطريقة الموسوعية، فقد وقف الخوارزمي موقفاً متزناً في نقل السلطة العلمية، وحرص على الفصل بين المعارف المختلفة، وذلك بوضع الموضوعات المتشابهة في قالب، وتجميع ما يتفق مضمونه مع بعضه البعض لتسهيل عملية المطالعة والبحث، فصنّف فيه المعارف العربية الإسلامية والمعارف الأجنبية الوافدة كالكيمياء والفلسفة والمنطق، وقسَّم الكتاب إلى مقالين، خصّص الأول للمعارف العربية الإسلامية؛ كالفقه والكلام والنحو والكتابة والشعر والعروض والأخبار، والثاني للمعارف الأجنبية الوافدة كالفلسفة والمنطق والطب وعلم العدد والهندسة والموسيقى، والحيل (الميكانيكا) والكيمياء. وأجاد استخدام المنهج الملائم لكل موضوع من موضوعات البحث.

ألقى الكتاب الضوء على مسألة جوهرية تتعلق بمنهج البحث العلمي وهي مسألة المصطلح التي ارتبطت بقضية أخرى لا تقل عنها أهمية وهي تعريب العلوم أي تدوينها وتدريسها باللغة العربية. لجأ العرب في أول عهدهم بنقل العلوم إلى التعريب، في ظل ضعف المترجمين الذين كان أكثرهم لا يتقن اللغة العربية، لكن الحالة تغيرت بعدما ازدهرت حركة الترجمة واتسعت آفاقها وضمَّت في طياتها تراث ثقافات عدة كالفارسية واليونانية والهندية، وظهر من له معرفة باللغة العربية وبغيرها من اللغات، فتشعّبت العلوم وكثرت الفنون وظهرت أشياء جديدة تحتاج إلى مسميات تدل بدقة على العلوم والفنون توائم بين الاصطلاح العلمي والمعنى اللغوي. ومن هنا ظهرت أهمية المصطلح العلمي.