الأوضاع السياسية والاقتصادية من خلال الرحلات الحجازية

تراث
محمّد حلمي عبدالوهّاب |

في رحلته الحجازية يقدّم أوليا جلبي حصراً بعدد الوكالات التّجارية في مكّة، إذ يقول: «كذلك في المدينة المباركة 53 وكالة تجارية كلّ واحدة منها كالقلعة المنيفة؛ أدوارها متعدّدة، كلّ واحدة منها مكوّنة من 100 أو 200 محل، أو دكّان، وحجّاج وتجّار الأقاليم السّبعة يقومون بالعمل كمرشدين في هذه الوكالات، وتجد فيها جميع المجوهرات من شتّى أنحاء العالم وبأسعار معقولة، ويتمّ فيها البيع والشّراء في يسر وسهولة، وأهمّ هذه الوكالات: وكالة الشّام، ووكالة حلب، ووكالة العراق، ووكالة الهند، ووكالة اليمن، والوكالة الحبشية، والوكالة المصرية، ووكالة جدّه. وعدا هذه الخانات الكبرى، هناك مئات من الخانات، والدّكاكين والمحلّات الأخرى، ويقوم أصحابها في مواسم الحجّ بإيجارها».


كما يتحدّث أيضاً عن أوصاف الأسواق المزيّنة، مؤكّداً أن جملة الدّكاكين الموجودة في داخل مدينة مكّة المكرمة: 1300 دكّان. وما زالت أماكن هذه الأسواق تكون عامرةً في مواسم الحجّ، فكلّ ما يخطر على البال، أو يأتي إلى العقل تجده في هذه الأسواق. كما أن هناك في مكّة المكرّمة أسواق مختصة، فإلى جانب السّوق المصريّ الذي تباع وتشترى فيه المنتجات المصرية، والسّوق الشّامي، والسّوق اليمنيّ، والسّوق العراقيّ، والسّوق الهنديّ؛ فإنّ هناك أسواق مجمّعة حسب النوع؛ فهناك سوق الحبوب التي تأتي من مصر والشّام، واليمن، وسواكن (السّودان) وجميع الأسواق نظيفة، وطاهرة. وطعامها نظيف، وجميع أطعمتها وأشربتها ممدوحة، وتلبّي مختلف الاحتياجات والأذواق، كما أن بها بعض الأطعمة الخاصة بأقاليم معيّنة.

أما العياشيّ؛ فيؤكد في المقابل أن أيّام الموسم عند أهل الحرمين الشّريفين، فيها يجمعون غالب أمور معاشهم، فلا يتفرّغ أحد لتدريس ولا عبادة إلا ما لا بدّ منه، فإذا انقضت أيّام الموسم وذهبت الرّكبان الواردة إلى الآفاق ولم يبق بالحرمين إلا أهلها، رجعوا إلى معتاد حالهم في الأمور الدّينية من القراءة والتّدريس وأنواع العبادات، والدّنيوية من الفلاحة والتّسعير في الأسواق وتصحيح المكاييل والأوزان. وأمّا أيّام الموسم، فلا سعر معلومًا، ولا مكيال وافيًا، ولا ميزان صحيحًا، كلّ يفعل ما شاء، ولا يتكلّم الولاة في شيء من ذلك إلّا أن يقع أمر مهم.

وممّا له علاقة بالأوضاع السّياسية والاقتصادية، تفشّي آفة الرّشوة في الواقع الدّيني والسّياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ساد خلال القرن الـ11 للهجرة، وليس أدلّ على ذلك ما ذكره العياشيّ بشأن آلية الحصول على المناصب الشّرعية في الحجاز؛ كالإمامة والخطابة والقضاء: والحاصل أن المناصب الشّرعية كلّها في البلاد المشرقية؛ حجازاً ومصراً وشاماً، من إمامة وخطابة وأذان وإقامة وقضاء وفتوى وشهادة، إنّما تنال بالشّراء من الولاة، فإذا مات صاحب خطّة أو عزل دفع الرّاغب فيها مالًا للولاة فيولّونه مكانه، على أيّ حال كان من صلاحيته لذلك أم لا، فعظم الخطب على المسلمين والإسلام في ذلك، خصوصًا منصب القضاء، فما رأَينا ولا سمعنا في البلاد المشرقية كلّها بقاض يقارب الحكم بما يشبه أن يكون شرعاً، وإنّما مدار أمرهم على الرّشا جهاراً، فينقض الحكم الواحد في اليوم الواحد مرارًا متعدّدة؛ بحسب كثرة الرّشا وقلّتها. ويقول حول الخطبة في موضع آخر: «وأمّا الخطبة؛ فهي كالإمامة موزّعة بين فقهاء المدينة، لكلّ واحد مقدار معلوم من الأيّام على قدر حصّته التي يأخذها من جامكية الخطباء، فمنهم مقلّ ومكثر؛ وذلك إمّا بالوراثة من أسلافهم، أو بالشّراء من الولاة، وهو الغالب».

وعلى رغم ممّا في كلام العياشيّ من تعميم صارخ، لكنه لا يخلو على كلّ حال من حقيقة، يدلّ على ذلك كلامه في موضع آخر يذكر فيه تعرّض أصحابه لأذى السّرّاق بالليل في مكّة: «فإنّهم يهجمون على النّاس هجومًا، ويعظم أذاهم في أيّام الموسم؛ لقلّة الحكم بتهاون الحكّام وإرخاء العنان لهم في ذلك، وقد قيل: إنّهم (الحكّام) يأخذون منهم (السّرّاق) جعلا على ذلك في أيّام الموسم، فإذا أتى إليهم بسارق أدخلوه الحبس على أعين النّاس، فإذا جنّ الليل أخرجوه (...) ويعتلّون في أيّام الموسم باختلاط النّاس من جميع الآفاق، وتعدّد الحكّام؛ إذ لكلّ ركب حاكم، ويقولون: لو أطلقنا اليد في الحكومة على كلّ سارق ربّما وقعنا في بعض خدّام أمراء الأركاب، فيؤدّي ذلك إلى الهرج في أيّام الموسم، وتلك حجّة ضعيفة».

كما انتقد العياشيّ أيضاً تحوّل المشاهد الدّينية إلى مصدر للجباية. يقول في معرض حديثه عن مكان إقامته في المدينة: «وكان قيّم المشهد أحد أصحابنا المغاربة المجاورين، وهو الذي أنزلنا به، وكان يتولّى إصباحه وكنسه وإغلاق أبوابه، ويقبض ما يؤتى به من الصّدقة إليه، ولّاه ذلك مفتي المالكية بالمدينة صاحبنا الخطيب أحمد وأخوه الخطيب عبد الرّحمن؛ لأنّ ولاية المشهد لهما، فإذا اجتمع من الصّدقات ما له بال دفع لهما (قيّم المشهد) حصّة منه، وانتفع بالباقي كما هو شأن سائر المشاهد بالمدينة، بل وبغيرها صارت أماكن جباية يولّى عليها من القاضي».

أيضاً لفت العياشيّ الانتباه إلى أن حجّاج الفرس- الذين يسمّيهم الأعاجم- «لا يزورون من مزارات البقيع إلا مشاهد أهل البيت، فلهم عليها ازدحام، وعند زيارة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يقفون للسّلام على أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما؛ بل كثير منهم لا يمرّون بالنّاحية التي هما فيها. وقد مرض واحد من أصحابنا، ونحن إذ ذاك بمشهد السّيد إسماعيل، وكان يضطجع بباب المشهد وعليه ثوب أحمر، والأعجام يلبسون الأحمر في الغالب، فإذا رأوه على باب المشهد وعليه زيّهم مع ملازمته لمشهد السيّد إسماعيل ظنّوه على مذهبهم فتيمّموه بصدقاتهم، ولم يرتحل هؤلاء اللئام من المدينة حتّى سئم أهل المدينة مقامهم وملّوا جوارهم».

وفي السياق ذاته، أورد العياشيّ نصّ حوار دار مع أحد حجّاج أصبهان؛ وكان له مشاركة حسنة وقوّة بحث في المعقولات على مذهب أهل الاعتزال، أنهاه أبو سالم العياشيّ بالقول: «نحن معاشر أهل السّنة والجماعة نجعل معتمدنا في العقائد الدّينية الأدلة النّقلية من الكتاب والسنّة الصّحيحة الموافقة للأدلّة العقلية، ونردّ ما خالف الكتاب من مقتضيات الفهوم والآراء، ونقدّم رأي صاحب الشّريعة، صلّى الله عليه وسلّم، وفهمه، ورأي السّلف الصّالح وفهمهم على آرائنا وأفهامنا ونتّهمها (الأفهام) في ذلك، وأنتم بالعكس تحكّمون عقولكم وأوهامكم فتحملون الأدلة الشّرعية كلّها المقطوع بها على ما يوافق أهواءكم وآراءكم، فتصيّرون المتبوع (النّقل) تابعاً، والتّابع (العقل) متبوعاً، فشتّان بين من يحكّم الكتاب والسّنة على عقله ورأيه، ويردّ ما خالفهما إليهما بتأوّل تشهد له به اللغة ولا ينفيه العقل، وبين من يحكّم عقله ورأيه فيحمل عليهما الكتاب والسنّة بتكلّف وتعسّف، ويتخذ إلهه هواه ومعبوده موهومه».

وفي الأخير؛ لقد أبان العياشيّ عن جوانب تاريخية تتعلّق بجملة الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدّينية في بلاد الحرمين الشّريفين؛ وذلك عن طريق الرّصد تارة وعن طريق النّقد تارة أخرى. فمن ناحية كشف العياشيّ عن العادات الدّينية المتعلّقة بأداء الشّعائر، والاحتفالات الرّجبيّة (ليلة السّابع والعشرين من شهر رجب)، كما عرض للمناصب الدّينية من شيخ الحرم نزولاً إلى خدّام البيت العتيق، مروراً بالقضاء والفتيا والخطابة.. إلخ. ومن ناحية أخرى، لم يغفل عن ذكر الفروق بين المشارقة والمغاربة في أبسط الأمور الدّينية، فهو يعرض مثلاً لطريقة الرّكب المصري في الاحتفال بالمولد، ويعرض لطريقة أهل المشرق في ختم الدّروس الدّينية؛ خاصّة الدّروس الحديثية، بالصّلاة على النّبي صلّى الله عليه وسلّم وفق صيغة محدّدةً؛ فيقول: «فلمّا كان الغد، بعد فراغنا من الدّرس، ابتدأ الشّيخ عبد الكريم (التّمّام)، الصّلاة على النّبي، صلّى الله عليه وسلّم، التي جرت العادة بختم المشايخ بها الدّروس في البلاد المشرقية كلّها: مصراً وشاماً وحجازاً؛ وهي: اللهم صلّ أفضل صلاة على أشرف مخلوقاتك، سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم...إلخ».