قافلة الحج المصرية في العصر المملوكي

(الحياة)
مصطفى وجيه مصطفى |

لا تخفى مكانة الحرمين الشريفين في أنفس المسلمين عموماً، لذا برز التنافس الكبير والمستمر طوال العصور الوسطى على تيسير قوافل الحج من حكام المسلمين، ويترافق مع ذلك موقع الحرمين وسط الجزيرة العربية، والبيئة المحيطة بها والصعاب التي كانت تواجه قاصديها، فضلاً عن وصف الله عز وجل للحرم المكي بأنه يقع بوادٍ غير ذي زرع، وهو أبلغ وصف يمكن أن توصف به البيئة المحيطة بالحرم. ومن هنا نجد المسلمين منذ بدء تاريخهم يتبارون في إرسال القوافل التي تحمل البضائع إلى الحرمين وما حولهما وتسهيل طرق الوصول إليها. وفي العصر المملوكي برز الاهتمام بقافلة المحمل المصري، وتأكّد برعاية قافلة الحج والقيام بشؤونها، خصوصاً وأنها تحمل كسوة الكعبة المشرفة؛ رمز الزعامة والسيادة. ولعبت قافلة الحج، دوراً مهماً في الحركة التجارية بين الشرق والغرب، حيث تتولى نقل سلع الغرب إلى مكة التي تنقل منها لبلاد المشرق، المختلفة، وتجلب من مكة سلع الشرق لتوزع في بلاد الغرب. وذلك يوضح الدافع الاقتصادي للاهتمام بالقافلة. وأخذ الاهتمام بقافلة المحمل المصري أكثر من مظهر ظهر في مكونات القافلة، التي اشتملت على الكثير من العناصر المختلفة والمتنوعة التي تمثلت في الآتي: المحمل: يراد بالمحمل الجمل أو الجمال التي تحمل كسوة الكعبة، ويضم المحمل مع قافلة الحجاج «ركب الحجاج» أي الركب السلطاني الذي تصحبه الكسوة الشريفة للحرمين. وكان المحمل أول الأمر عبارة عن حمولة جمل تتضمن هدايا وكسوة الكعبة. ثم نما المحمل نمواً عظيماً، حتى بلغ ثقله قناطير مقنطرة استعمل لنقلها عشرون جملاً، وصار انتقال المحمل مع قافلة الحاج إلى مكة من مصر عبارة عن انتقال مجتمع بأكمله، معه السبيل المسبل للفقراء والضعفاء والمنقطعين بالماء والزاد والأشربة والأدوية والعقاقير والأطباء والكحالين والمجبرين والأدلاء والأئمة والمؤذنين والأمراء والجند والقاضي والشهود والدواوين، والأمناء، ومغسل الموتى، في أكمل زي وأتم أبهة. وكان المماليك يحتفلون به ثلاث مرات في رجب ورمضان وشوال ويطوفون به ومن معه مصر والقاهرة (... فعند ذلك تهيج العزمات وتنبعث الأشواق وتتحرك البواعث ويلقى الله تعالى العزيمة على الحج في قلب من يشاء من عباده فيأخذون في التأهب والاستعداد...) للخروج للحج صحبة المحمل في شوال بعدما يشق القاهرة ومصر، حتى يراه الناس ويتبركون به وأمامه الأفيال والطبول والزمور. ثم يخرج بعدها المحمل من تحت القلعة إلى باب النصر، ومنه للريدانية صحبة القافلة.


أما عن كسوة الكعبة التي جهزت القافلة لحملها فقد حظيت بعناية كبيرة من جانب سلاطين المماليك. واحتفلوا لأجلها وكان السلطان يجلس بنفسه لتعرض عليه في شوال للتأكد من انتهاء نسجها، ومشاهدة الحمالين وهم يحملونها على رؤوسهم ويشقون بها القاهرة ذهاباً وإياباً ويذكر أوليا جلبي، أن هؤلاء الحمالين كانوا من المغاربة واعتادوا حمل كسوة الكعبة وكل ما يتعلق بهدايا الأماكن المقدسة منذ زمن بعيد.

ويذكر القلقشندي أن هذه الكسوة كانت تنسج في العصر المملوكي بالقاهرة بمشهد الحسين، من الحرير الأسود مطرزة بكتابة بيضاء، وتحتوي على آيات من القرآن الكريم. وقد تبدلت الكتابة البيضاء في عصر الظاهر برقوق بأخرى صفراء مشعرة بالذهب.

وصارت كسوة الكعبة منذ أن أرسلها الظاهر بيبرس، تقليداً طوال عصر سلاطين المماليك، حيث كانوا يرسلون للكعبة كسوتين كل عام واحدة حمراء من الحرير الأحمر المذهب لداخل البيت والأخرى سوداء لظاهره.

وجاء في فتح الباري أن كسوة الكعبة كانت تنسج من الخزانة السلطانية في عهد سلاطين المماليك، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن أوقف عليها الصالح إسماعيل بن الناصر محمد سنة 743 هـ قرية من نواحي القاهرة يقال لها بيسوس. وبذلك أصبحت نفقة صناعة الكسوة منذ هذا التاريخ وحتى نهاية عهد المماليك تتحصل من ريع الوقف المذكور. ولضمان العناية بوقف الكسوة استحدث السلطان وظيفة جديدة للإشراف عليه، وهي وظيفة ناظر الكسوة. وكان من شرط الواقف ألا يشغل هذه الوظيفة إلا من هو في وظيفه وكيل بيت المال. ولم يتخل المماليك عن إرسالها حتى أواخر دولتهم وإن لم يخرج الحاج.

وكان جزءاً كبيراً من الاحتياطات المتخذة لحماية قافلة الحج موجهاً لحراسة وإيصال كسوة الكعبة، التي صارت تقليداً عريقاً، منذ أن احتلت مصر مكانة رائدة في العالم الإسلامي، بعد سقوط الخلافة العباسية. حيث كان يتبعها الحراس والفراشون والحمالون والأئمة والمؤذنون ويتقدمها ويحوطها الأمراء والقضاة والشهود وموظفو الديوان والأمناء. ويسير في المقدمة عامة الحجاج الذين يحرصون على البقاء في أقرب مكان من الكسوة تبركاً بها؛ منذ أن تخرج من بِركة الحاج إلى أن تدخل مكة المكرمة.

ولزاماً أن تشمل القافلة، الحجاج الذين يقومون بأداء هذه الشعيرة، ومن أجلهم أعدت قافلة الحج والتي لم تكن تضم حجاج مصر فقط بل شملت بين صفوفها حجيج الأندلس والمغرب ومسلمو البربر والسودان الغربي والشرقي ومسلمو السنغال. وكانت أعدادهم من الضخامة، حتى أن قافلة الحج المصرية سنة 720 هـ خرجت في سبعة ركوب. وفي سنة 744هـ كان عدد الحجاج المغاربة المنضمون لقافلة المحمل المصري زيادة على عشرة آلاف إنسان، والتكرور نحو خمسة آلاف حاج.

والجدير بالذكر أننا لا نملك معلومات دقيقة عن أعداد الحجاج جميعاً في قافلة الحج المصرية، وكل ما نظفر به من جانب المؤرخين لا يعدو قولهم: «كان الحاج في هذه السنة قليلاً جداً»، أو «خرج في هذه السنة حجاج كثيرون»، أو «سافر في هذه السنة من الخلق ما لا يعلمهم إلا الله». وقد يختلف عدد الحجيج من فترة إلى أخرى وأحياناً من سنة إلى أخرى مما يزيد من صعوبة تحديد العدد التقريبي بعامة لحجيج القافلة المصرية. إلا أنه من الراجح أن أعداد قافلة الحج المصرية في العصر المملوكي، كانت في أغلب السنين أعدادها مرتفعة، بفضل مراعاة سلاطين المماليك للقافلة والاهتمام بها وحمايتها.

ومن ناحية أخرى، كان ضمن قافلة الحج المصرية عدد كبير من الموظفين مثل أمير المحمل والدوادار وقاضي المحمل والشهود والكاتب وأمير آخور والشاد والمبشر والأدلاء والطباخون والأطباء في التخصصات المختلفة حتى أطباء الحيوانات «الطب البيطري»؛ وغيرهم من الموظفين. لكن يجب أن نشير إلى أن هذه الوظائف بتفاصيلها لم تنشأ دفعة واحدة، بل ظلت تنمو وتتحدد تبعاً لمعرفة النقص، ومحاولة تلاقيه حتى أواخر أيام دولة المماليك.