محمد عياد الطنطاوي... أستاذ مصري في «ثلوج روسيا»

تراث
عبدالحميد صبحي ناصف * |

بدأ اهتمام الروس بالثقافة العربية والإسلامية من خلال التجارة خاصة في العصر العباسي الأول. إلا أن الاهتمام بالثقافة خاصة توضح مبكراً من قبل العرب بعد أن أرسل الخليفة العباسي «المقتدر» مبعوثه «أحمد بن فضلان» إلى ملك البلغار الذي كان يقيم على ضفاف الفولجا الذي عاد وقدم للخليفة مكتوباً بعنوان «وصف روسيا» وهكذا كانت جامعة خاركوف أول جامعة تطبق نظام تدريس العربية عام 1804 ثم جامعة قازان 1807 فجامعة موسكو التي أنشأ بها معهد الألسن عام 1811.. وهكذا نهجت الدراسات العربية منهجاً علمياً منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الثورة البلشفية عام 1917، فكان أن أنشأ معهد اللغات الشرقية وتولى إدارته «كراتشكوفسكي» وهو ألف كتاباً بعنوان «حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوي» الذي ترجمته للعربية الأستاذة ذات الأصل الفلسطيني كلثوم نصر عودة وقد أعاد المجلس الأعلى للثقافة في مصر طباعته مرة ثانية. وقد أوضح الإستشراق في روسيا الكثير من العلاقات مع بلدان شرقية وبخاصة مصر التي كانت لها السبق منذ واليها محمد علي الذي أرسل مبعوثين للدراسة في كيفية استخراج المعادن والذهب. كما استقبل مهندس المناجم كافا لفسكي للتنقيب عن الذهب في السودان، كما أنشأت بعض المدارس الروسية في سورية ولبنان وفلسطين وغيرها وفي عصر الوالي محمد علي سافر المئات من أبناء الشعب المصري إلى أوروبا لإتمام دراستهم وفي تلك الفترة بالذات (1813 – 1847) سافر الشيخ محمد عياد الطنطاوي احد أساتذة الأزهر الشريف إلى بطرسبرغ استجابةً لرغبة قيصر الروس في وفادة أستاذ عربي متمكن يشغل أستاذ اللغة العربية بجامعة بطرسبرج حيث قضى فيها ما يقرب من ربع القرن. خلاله أتقن الروسية ووصل في مهنة التدريس إلى درجة الأستاذية وليتخرج على يديه المئات منهم المستشرقون الروس والأوروبيون أيضاً. والسؤال الآن ما هي قصة انتقال الطنطاوي من التدريس إلى أروقة الأزهر الشريف إلى كرسي الأستاذية بجامعة بطرسبرغ ونعلم أن شيخنا ولد في قرية محلة مرحوم بالقرب من طنطا في دلتا مصر عام 1810، وبعد أن نال إجازة التدريس بالأزهر في علم الحديث بدأ العمل والاهتمام بعلوم اللغة وآدابها وكان يعلّم العربية للأوروبيين الذين استعان بهم محمد علي في مشروعه التحديثي وتوثقت علاقته ببعض هؤلاء الدارسين من الانكليز والفرنسيين والألمان والروس ومن هؤلاء الروس تلميذاه «موخين» و«فرين» اللذين كانا يعملان في السلك السياسي بالقاهرة وهما من دفعاه للسفر إلى روسيا بناء على دعوة من قيصر الروس عام 1840 وبالفعل بدأت الرحلة من القاهرة إلى بطرسبرغ التي وصلها بعد ثلاثة أشهر ونصف بصحبة تلميذه موخين وزوجته المصرية وبعد مرور سبع سنوات من وجوده بروسيا يعين أستاذاً للغة العربية بجامعة بطرسبرغ ولا يعوق نشاطه العلمي سوى تلك العلل والأمراض التي بدأت تدب في أوصاله مبكراً. ففي عام 1856 طلب إجازة للعلاج من شلل أصاب رجليه ومع مضي الوقت استفحلت العلة التي أقعدته تماماً عن العمل. ومن المدهش أن الجامعة كانت ترفض أي بديل لهذا الأستاذ حتى وفاته عام 1861 وكانت زوجته قد توفيت قبله وتركت له ولدهما الوحيد أحمد الذي آل إليه معاش والده الذي قررته بسخاء الجامعة. وأكمل الابن حياته بروسيا وتزوج فيها وأنجب بنتاً اعتبرتها الحكومة الروسية من الأشراف في المجتمع تقديراً لعلم وفضل جدها. وبالنسبة لأعمال ومخطوطات الشيخ الطنطاوي. فبعضها محفوظ في المكتبات الكبرى في البلاد الأجنبية والمراكز العلمية التابعة للجامعات والمراكز العلمية وقد كشف عنها المستشرق الكبير «أغنامليوس كراتشكوفسكي».


ويلاحظ أن اغلب تلك الأعمال كانت عن المرحلة البطرسبرغية إبان وجوده في روسيا. أما فترة العشرة أعوام التي كان قضاها في القاهرة فمعلوماتنا عنها ضئيلة وشحيحة. وعليه يمكننا القول أن أساس معلوماتنا عن شيخنا كانت عن طريق كراتشكوفسكي وبعض الصفحات الأخرى من أعمال لويس شيخوا في «الآداب العربية في القرن التاسع عشر» وأمين باشا فكري في «إرشاد الإلبا إلى محاسن أوروبا» وتشارلز آدمز «في الإسلام والتجديد» ويوجد للشيخ الطنطاوي نحو 150 مخطوطة في جامعة لينينغراد والبعض الآخر في معهد الدراسات الشرقية بموسكو وجامعة هلسكوفورس ومكتبة قازان وغيرها من مكتبات العالم. ويشير معاصروه إلى أن الشيخ أعار النصوص انتباهاً جدياً لم يكن معروفاً لدى معاصريه، وأنه سعى إلى تحليل اللغة الفصحى والعلمية إلى جانب منهجه التعليمي في تناول المادة؛ ويلاحظ أن مؤرخ حياة الطنطاوي كراتشكوفسكي- قد اختير خلفاً لأستاذه الشيخ- بعد وفاته- أستاذاً للغة والثقافة العربية بجامعة بطرسبرغ.

وتلعب مجموعة المخطوطات الشرقية التي كانت في حوزة طنطاوي وأغلبها عربي دوراً جوهرياً للإطلاع على تاريخ حياته بين المواد الأخرى وتلك المجموعة محفوظة الآن في مكتبة جامعة لينينغراد وقد اقتنتها المكتبة على دفعتين سنة 1871 (بعد وفاته بعشر سنوات) وعددها بلغ نحو 150 مخطوطاً وبعضها مخطوطات لطنطاوي نفسه ومكتوبة بخط يده ومجهولة في بلده مصر، وبعض المخطوطات التي طالعها طنطاوي ونقحها وعليها ملاحظات مكتوبة بيده وصل بعضها إلى «مونيخ»، والمصدر الآخر لتاريخ شيخنا هي مراسلاته لأصدقائه وتلاميذه من العرب والأوروبيين كالعالم الفنلندي فالن Vallen (1811 – 1852) الذي قام برحلة إلى شبة الجزيرة العربية، بالإضافة إلى الوثائق الرسمية التي تتعلق بخدمته منذ أن عين مدرّساً في الجامعة 1847.

وفيما يتعلق بمصنفات الطنطاوي: فلقد كان ازدهار أعماله الأدبية بين السنوات العشرة والخامسة عشرة من إقامته في روسيا. فهنا كتب أحسن مؤلفاته «وصف روسيا» المكتوب في نسختين بخط يده. على إنها لم تبلغ في الشرق إلا اسطنبول. فهذا الكتاب بموضوعه الجديد وأسلوب كتابته الحي يجعله يحتل مكاناً مرموقاً في الآداب العربية الجديدة ولو أنه مكتوب بالفصحى، ويبدوا أن الطنطاوي قد اشترك في ترجمة «ألف ليلة وليلة» التي قامر بها ادوارد وليم مؤدياً له مساعدة فعالة، وعلى العموم يمكننا أن نقسم مصنفاته إلى نوعين: القاهري، والبطرسبرغي، ومن الصعب أن نقيم حداً بينهما لأننا لا نكاد نعرف أكثرية مصنفاته إلا بالاسم فقط ولعدم وجود تاريخ على أكثر مصنفاته يدل على زمن كتابتها، فها هو ينسخ بعض المصنفات القديمة ويصنف غيرها في موضوعات مختلفة. فنراه في السادسة عشرة ينسخ في الأزهر رسائل مختلفة في علم الفلك وفي سن الثامنة يكتب ختماً على شرح القطر لابن هشام وبعد وفاة والده عندما قضى في حزنه– سنتين– في طنطا كتب تعليقاً على شرح نظمه التعليمي «منتهى الآداب في الجبر والميراث والحساب» وفي سن الـ29 كتب حاشية على تعليق رسالة في العروض، وتتمثل العقائد والعلوم اللغوية في مصنفات الطنطاوي في عهده الأول على السواء تقريباً على أن البحوث اللغوية زاحمت فيما بعد كل شئ. ونعلم أنه له في العقائد أربعة مصنفات احدها مستقل والآخر استقصاء لمؤلفات غيره: غنية المريد في علم التوحيد وحاشية على رسالة الباجوري وحاشية على التحفة السنية والعقائد السنية وشرح منظومة الشيخ السلموني في العقائد وختم على متن الجوهرة.

ويوجد عدد كهذا تقريباً من مؤلفات الطنطاوي في القواعد مكتوبة في عهده القاهري وربما كان من بينها رسائل من تأليفه مثل: قواعد الصرف ونظم تصريف الزنجاني وهو مكتوب بخط يد الطنطاوي ومحفوظ في مكتبة جامعة لينينغراد، وله أيضاً حاشية الزنجاني وهو أقدم مصنفاته عهداً التي وصلت إلينا في هذا الموضوع. وللشيخ كذلك ختم على شرح القطر لابن هشام وهو أيضاً مخطوط خط يده مؤرخ في 18 شباط (فبراير) 1848 عندما كان عمره ثمانية عشرة عاماً، تقييدات على شرح الأزهرية خط يده بتاريخ 1837. ويرتبط اسم الطنطاوي في علم البلاغة بالمخطوطات التالية: رسالة في علم البلاغة ونظم السمرقندية وتعليق حاشية الأمير... وأما ما يتعلق بالعروض والشعر العربي فنعرف الطنطاوي: لذيذ الطرب في نظم بحور العرب وحاشية الكافي في علم العروض والقوافي.. وتنتمي إلى العهد القاهري مصنفات الطنطاوي في موضوعات متنوعة كمنتهى الآداب في الجبر والميراث والحساب، ومشتهى الألباب على منتهى الآداب، وتعاليق على حاشية المقولات للعطار، وعن أصل أسماء الناس والخيل الأصائل.. ويجب أن نقسم مراسلات الطنطاوي إلى عهدين: ولا يوجد شيء لدينا في رسائله في عهده المصري. ولكن في بداية إقامته في بطرسبرغ كان حريصاً على علاقته بوطنه. وتوجد رسائل منه إلى أصدقائه الحميمين كطهطاوي وقطة والدسوقي.. وكمقدمة لعهده البطرسبرغي نرى: «تاريخ حياته» الذي كتبه الطنطاوي للمستشرق «فرين»، وأصبح تاريخ حياته سهل المنال للعلماء بفضل النشرة التي كتبها Kosegarten وكان الطنطاوي قد شرح له– بناء على طلبه– العبارات الغامضة، وكثيراً ما كان هذا التاريخ مرجعاً للعلماء. وعندما كان الكلام يجري على حياة المسلمين الثقافية في النص الأول من القرن الـ 19 وخصوصاً على التدريس في الأزهر ومن الجهة الأدبية يثير هذا المؤلف الاهتمام باعتباره مثالاً فريداً نادراً في الأدب العربي للتراجم الذاتية. ومما يدعو إلى الأسف أنه قصير وينتهي سنة 1840 ويعطينا صورة كاملة عن رحيل طنطاوي إلى روسيا وتأثره بهذه البلاد الجديدة.

أما كتابه «تحفة الأذكيا بأخبار بلاد روسيا». وهو بلا شك أكبر مؤلفات الطنطاوي أهداه إلى سلطان تركيا عبد المجيد وقد كتبه نحو سنة 1850 ومنه نسختان الأولى في أحد مساجد اسطنبول وهي الأصلية. وفي خريف 1928 وجد كراتشكوفسكي في لينينغراد النسخة الثانية ويبدو أنها كانت ملكاً لسليم نوفل خليفة الطنطاوي في القسم التعليمي التابع لوزارة الخارجية وتلك النسخة مكتوبة بيد الطنطاوي ويظهر أنها المسودة، وفيها نتعرف ببرنامج سفره من القاهرة إلى بطرسبرغ بالتفصيل ويوصف كل ما صادفه ورآه، ونعرف منه بعض تفاصيل عن حياته خلال السنوات العشرة الأولى من إقامته في روسيا. لأنه أنهى كتابه المخطوط سنة 1850. أما بقية مؤلفات الطنطاوي فهي تنتسب إلى عهده البطرسبرغي بزمنها وروحها، وبدأ شيخنا يفهم أساليب البحوث العلمية الأوروبية منها: ترجمة تاريخ روسيا الصغير لأوسترالوف، ومن الصعب أن نقول: كيف قام الطنطاوي بهذه الترجمة؟ ويظهر أنه ألمّ باللغة الروسية نوعاً ما في العقد الخامس، وعندما بدأ الطنطاوي يُعلّم في الجامعة كان أوسترالوف عميد الكلية، وأيضاً ظهرت بعض مؤلفاته للآداب الشعبية مثل: حال الأعياد والمواسم في مصر، وكتاب الحكايات، وله أيضاً بحوث كملاحظات في تاريخ الخلافة والشرق الإسلامي، وله قواعد اللغة العربية (بالروسية) وهو أول مصنف كتبه كاتب عربي بالروسية للتدريس في مدارس روسيا العالمية، وله أيضاً التحيات المعتادة في كلام العامة ومجموعة أمثال عربية، وترجمة الباب الأول من كلستان السعدي، والقاموس التتري- العربي. وللطنطاوي عدة بحوث بالفرنسية وهنا نتساءل: هل كان الطنطاوي يتقن اللغة الفرنسية؟ هذا أمر لا نعلم عنه. ولكن يبدو أنه تعلم الفرنسية عن تلاميذه الفرنسيين وأجادها لدرجة مكنته من استعمالها حين رحيله إلى روسيا في التدريس فنرى من مقالاته النقدية أنه كان يفهم البحوث العلمية بالفرنسية في ميدان الاستعراب وربما كان يكتب بالفرنسية وربما كان أصدقاؤه العلماء يصححون بحوثه وكانت بحوثه بالفرنسية عبارة عن كتاب وثلاثة مقالات تقريباً في موضوع واحد والكتاب هو «أحسن النخب في معرفة لسان العرب» والمقالتين هما ملاحظات على مختارات من رحلة ابن جيبر، وملاحظات على ترجمة بعض الأشعار العربية وأعمال أخرى منها ملاحظات عن البيان العربي عند الشعوب الإسلامية ويظهر أن هذه المقالة كانت الأخيرة قبل مرضه وعليها تاريخ 28 مارس 1855 وهي السنة التي في خريفها أقعده الشلل عن العمل. يأتي هذا الكتاب حلقة في سلسلة اهتمام الروس المتصل بالثقافة العربية الإسلامية وهو سيرة للشيخ محمد عياد الطنطاوي أحد أعلام النهضة الفكرية في مصر والعالم العربي في القرن التاسع عشر وأحد علماء الأزهر الشريف (1810-1861) الذي سافر لدراسة اللغة العربية بجامعة بطرسبرغ فقضى بها بقية حياته وتخرّج على يديه العديد من نوابه المستشرقين الروس. للكتاب قيمة فريدة في أدب الرحلات. وفي النظرة المتبادلة بين العرب والروس.

TC-5

عن الأقانيم التأسيسية للظاهرة الجهادية

صلاح سالم

تتأسس النزعة الجهادية على أربعة أقانيم أساسية. والأقنوم يعني مفهوماً استقر تصديقه لدرجة الإيمان به وربما تقديسه، وتوقفت جوهرياً كل محاولات مساءلته. ولعل هذا المصطلح يبقى هو الأكثر دقة، قياساً إلى مصطلح الأسطورة التي يصف به البعض مقولات الإسلام السياسي، رغم ما يتسم به مصطلح الأسطورة من قدرة تعبيرية فذة وسهولة تداولية واضحة؛ فالأقنوم، مهما كان متمتعاً بإيمان ساذج أو يقين مطلق، إنما ينبع من جذر أصلي، ويستند إلى تجربة واقعية، غالباً ما تكون لأسلاف تاريخيين، تمت بالفعل ولو في الماضي البعيد، وليس إلى حادثة خرافية كما هو الأمر في حال الأسطورة. فالأقنوم، على هذا النحو، وليد فكر تقليدى يعجز عن امتلاك الحس التاريخي، كما هو حال الوعي السلفي الجهادي، بينما الأسطورة وليدة فكر خرافي ينتمى إلى عالم سحري سابق بالمطلق على العالم العقلاني.

الأقنوم الأول «الخلافة الشرعية» يتأسس على مسلّمة أساسية هي أن الإمامة، قضية عقدية، لا يصح الدين دون إقامتها. ولأن دولة الإسلام الأولى التي قامت بعد وفاة الرسول الكريم (ص) قامت على هيئة «الخلافة» فقد ترتب على ذلك أن صارت الخلافة هي فقط الدولة الإسلامية «الشرعية»، وما عداها ليس إلا تنازلاً عن الحاكمية الإلهية «الربانية» لصالح حاكمية إنسانية «دنيوية».

هذا التيار، إذ تهيمن عليه أوهام الخلافة، يستعلي على الوطن فلا يعطيه تقديرنا ولا يمنحه احترامنا، لأنه لا ينظر إليه كما ننظر باعتباره «حاضنة لنا» بل باعتباره اختراعاً حديثاً، محض بدعة، ومن ثم ضلالة، لا تمت إلى الله بصلة. ولأن كل ضلالة في النار فمن المفترض في المؤمن الكيس الابتعاد عنها طلباً للسلامة. ورغم أن كثيراً من مفردات القرآن الكريم فضلاً عن روحه تتحدث عن حب العشيرة، وأهمية الانتماء لجماعة، من دون تعارض مع حب المؤمنين جميعاً، والانتماء لرسالة الإسلام الكونية، يتجاهل هذا التيار ذاك المغزى وما يرتبه من قيمة للوطن، معيراً كل جهده لشراكة الإيمان وحدها باعتبارها الرابطة الوحيدة «المقطوع بها نصاً» لصوغ جماعة المؤمنين وإن تمددت من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، وإن تغير الزمن وتمايزت الأحوال على نحو يستحيل معه حصرها، والتحكم في تنظيمها، بينما يصير الوطن، الذي نعيش على أرضه ونتمتع بحمايته، أمراً عابراً، ربما فرضه الواقع باعتباره الحقيقة الكبرى، ولكنه يبقى الحقيقة «المرة» التي يقبلونها على مضض.

وإذا كان الوطن الغالي عندهم هو «الحقيقة المرة» فليس المواطن العادي لديهم سوى ذلك الكائن الغريب، الذين أجبروا على التعامل معه، أما المواطن الحقيقي فليس هو زميل العمل، أو صديق النادي أو حتى رفيق الحرب ضد الأعداء، بل هو فقط الشريك في العقيدة الدينية، الأخ في الله، الذي قد يبتعد كثيراً في الأرض وصولاً إلى أقصى الشرق في باكستان وماليزيا وربما الصين والهند، وإلى أقصى الغرب في قلب أميركا الفاجرة حيث كانت الغزوة الناجحة، وروسيا الملحدة حيث الشيشان الصامدة، وأوروبا الصليبية حيث البوسنة الشامخة، فجميع هؤلاء إخوان حقاً، مواطنون فعلا، شركاء في وطن متخيل، ولكن حضوره يفوق الوطن الواقعي. إنه الوطن الذي يُشتاق إليه فلا يزدري علمه أحد، ولا يتجاهل نشيده أحد، ولا يملك أياً من كان أن يقول له «طظ».

لا يحتفي هذا التيار حقيقة بالوطن، كونه من عمل الإنسان وهو لا يحتفي أصلاً بالإنسان، وكونه نتاجاً للعقل وهو لا يحتفي أصلاً بالعقل، وكونه خلاصة للتجربة التاريخية وهو لا يحترم لا التجربة ولا التاريخ باعتبارهما ليس إلا تجسيداً للـ «مدنس»، فيما لا يقدر هو سوى الإلهي الـ «مقدس»، متجاهلاً حقيقة أن العقل أيضاً، وليس فقط النص، يمثل عطاءً إلهياً، وأن اجتهاداتنا عبر التاريخ ليست إلا استثماراً لذلك العطاء واحتفاء به، ولذا كان احترامنا للوطن، محض احترام لجوهرنا العقلاني الذي خلقه الله فينا، أصلاً وضماناً لرسالة استخلافنا على الأرض، تلك التي لا تكون ولا تقوم من دون بناء الأوطان، مدخلاً لترقية الحضارة واعترافاً بقيمة الإنسان.

والأقنوم الثاني «الهوية المغلقة» يقوم على مسلمة نراها زائفة، وهي أن نقاء العقيدة الدينية يقتضى أو يفترض نقاء الهوية الحضارية، الأمر الذي يقود إلى اعتبار كل تفاعل ثقافي أو تداخل حضاري بين الحضارة العربية وغيرها من الحضارات إنما يمثل تشويهاً للإسلام، وانتقاصاً من خيرية المسلمين. هذه المسلمة تتأسس على مقدمة خاصة بها وتقود في الوقت ذاته إلى نتيجة مميزة لها: المقدمة هي عدم الثقة بالعقل الإنساني وقدرته على صنع تاريخه، ومن ثم ضرورة الارتهان الكامل للنص الديني/ النقل/ الوحي، حيث التوجيه الإلهي الكامل لحركة التاريخ والقصور شبه الكامل للعقل الإنساني. هذه الرؤية تقود إلى اعتبار أن كل حضارة هي فقط الدين الذي تقوم عليه، فالحضارة الآسيوية مثلاً هي الهندوسية والبوذية، أما الحضارة الغريية فهي المسيحية فقط، ولا قيمة هنا لعصور النهضة والتنوير والحداثة، التي مثلت نوعاً من القطيعة التاريخية مع الموروث المسيحي الأرثوذكسي، ومن ثم فلا اكتراث مثلاً بالنقد الرفيع للكتاب المقدس، ولا قيمة لعمل وجهد الفلاسفة الكبار، فرغم كل ما جرى عبر القرون الخمس الماضية يبقى الغرب هو المسيحية، وأوروبا هي الصليب، وهنا تصير الحضارة، كالدين، مسألة تقع في صميم الخصوصية الإنسانية/ الثقافية، وليست إرثاً عاماً للبشرية، أو تراثاً مشتركاً للإنسانية. أما النتيجة التي تترتب على تلك المقدمة فهي الانفصال الكامل عن تيار الحضارة الإنسانية حفاظاً على نقاء الهوية «الإسلامية»، وما يفرضه ذلك من تصور سلفي للتاريخ يعتقد أن عودة الجماعة المسلمة إلى أصالة الماضي كفيلة وحدها، أو بشكل رئيسي بإقالة الأمة من عثرتها دونما حاجة إلى النقل عن الآخرين أو الاقتباس منهم. الأمر الذي يخلق انشغالاً عبثياً بقضية الهوية بديلاً عن الانفتاح على العالم، والنزعة العدوانية إزاء الغير بديلاً عن التعاطي الإيجابي معه، والرغبة في التعلم منه.

بل ويصل الأمر أحياناً إلى تحويل الفهم الخاص للدين «التدين» إلى «إطار ثقافي» مغلق على نفسه داخل الحضارة نفسها، فلا يمتنع مثلاً، مجرد التفاعل مع الآخر الحضاري/ الغربي حرصاً على نقاء الدين، بل وكذلك التفاعل مع مختلف التيارات الفكرية التي تزخر بها مجتمعاتنا العربية حرصاً على نقاء «المذهب» أو حتى نقاء «التدين»، حيث يكون الليبراليون غريبي الأطوار، والعلمانيون زنادقة وربما ملحدين، أما اليساريون خصوصاً الشيوعيون فملاحدة ماديون على وجه اليقين، ناهيك طبعاً عن الشيعة الذين هم في الأقل منافقون وفي الأكثر خارجون على الملة.

والأقنوم الثالث «المؤامرة الغربية» يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأسطورة السابقة، أو لعله يمثل الاستخلاص النهائي لها أو المرحلة النهائية منها. فطالما كان الآخر غريباً على الذات بالضرورة، يتوجب التمايز الأبدي عنه، فإن كل محاولاته للتداخل مع الذات أو التأثير فيها لا بد وأن يكون عملاً معادياً، يهدف إلى إيذاء الذات والنيل منها، ومن ثم مؤامرة عليها. وإذ لا يسعى إلى التأثير ولا يقدر عليه سوى الأقوياء، القابعين في قلب مراكز التأثير والنفوذ العالمي، يصبح العالم الغربي المسيحي، الذي احتل موقعاً مركزياً في الجغرافيا السياسية والحضارية للعالم الحديث، هو المتآمر الأبدي، والكائن الشيطاني المعادي بإطلاق للعالم العربي الإسلامي، حتى احتل منه الموقع نفسه الذي يحتله إبليس من الإنسان في عقيدة الخلق التوحيدية.

لا يمثل مفهوم المؤامرة نظرية علمية على وجه الدقة، بل هو أقرب إلى أن يكون «عقدة حضارية»، ترتكز من ناحية إلى قرائن تاريخية وثقافية وسياسية تشي بالتحيز الغربي، ولكن جرى تأويلها، من ناحية أخرى، على نحو يخرجها من سياقها الموضوعي «الاستراتيجي» إلى سياق آخر أسطوري، يستحيل معه الغرب «المسيحي» كائناً شيطانياً لا معنى لوجوده سوى التآمر ضد عالم الإسلام الواسع. إنه اعتقاد ساذج، ليس لأنه كاذب تماماً ولكن لأنه تبسيطي، ناجم عن غياب العقلانية السياسية، وهو ما نفسره بغياب العقلانية العلمية عن المجال الثقافي العربي.. نعم توجد علوم تدرس كمحتوى، ولكن لا يوجد منهج للنظر ينتج عنها ليسود في المجال العام، ويصبغه برؤية منطقية وتفكير سببي، وهو ما نرجعه إلى غياب مفهوم السببية عن الفلسفة العربية الوسيطة، وممانعة التيار السلفي للعقلانية العلمية الحديثة، واستسلام النظام التعليمي العربي، في عمومه، لمنطق تلقيني، يقوم على مقدمات صورية وعمليات استنباط منطقي، تستهلك نفسها بنفسها. وإزاء غياب التفكير السببي سادت رؤية سحرية للعالم، وهي رؤية طفولية تكاد تشبه تصور الصغار عن الجان والعفاريت، تلك الكائنات التي لا هم لها سوى العدوان عليهم خصوصاً في عتمة الليل.

أما الأقنوم الرابع فهو «الجهاد المسلح» الذي يمنح للكفاح الجسدي والشجاعة النفسية الدور المركزي في صنع التاريخ، بذريعة تصور اختزالى وهو أن قيمة التضحية بالنفس لدى الأوائل تظل هي الآلية الوحيدة الممكنة لاستعادة نهضة الأمة وكبريائها في مواجهة أعداءها. وهنا فلا أهمية تذكر للقيم الكبرى المؤسسة لروح العصر كالعلم والحرية، ولا أهمية أصلاً للأبنية الحديثة، الحاضنة لهذه القيم والمنظمة لعملها. نعم يمكن القول بأن الشجاعة النفسية والرغبة في التضحية تمثلان جذراً مؤسساً لمفهوم الحرية نفسه، غير أن الأمر يتعلق هنا بطريقة عمل الإرادة التي لا تُمارس في الفراغ بل من خلال وسائط تزداد تركيباً بفعل حركة التقدم، التي لا يمكن فهمها إلا باعتبارها صيرورة تنظيم وتطوير هذه الوسائط التي يتعامل الإنسان من خلالها مع العالم، بما لا يجعل من سلوكياته مجرد نزوات طائشة يحركها الهوى، بل أفعال ناضجة تتأسس على قواعد، وتحتضنها مؤسسات تضمن استمرارها واستقلالها.

في هذا السياق تتبدى المفارقة الكبرى في دنيا الإسلام، فالكثيرون من المنتمين للعقل السلفي الجهادي، يعرفون كيف يموتون في سبيل الله، بحثاً عن «الشهادة»، حيث تقول أحد أدبياتهم مفاخرة: «نحن طلاب موت». ولكنهم، في المقابل، لا يعرفون كيف يحيون في سبيل الإسلام، ولا يدركون المعنى الحقيقي لرسالة الاستخلاف، التي تطالبنا بتحقيق التقدم وترسيخ العمران.. وهنا تحول الجهاد إلى ظاهرة دموية، ووسيلة وحيدة للرد على الأزمة الحضارية الشاملة التي يعيشها العالم العربي الإسلامي، حيث ارتبطت الظاهرة الجهادية بالخلافة الشرعية عبر الادعاء بـ«الحاكمية السياسية» وملازماتها السلبية من تطرف وإرهاب ضد كل نظم الحكم القائمة بدعوى أنها جاهلية، وضد كل القيم المؤسسة للحرية بدعوى إنها بدعة. كما ارتبطت بمفهوم الهوية المغلقة، بذريعة تصور واهم هو أن الانفتاح على الآخر يمثل، ليس فقط انسحاقاً حضارياً بل ودينياً ينال من الإسلام، ولا سبيل إلى تجاوزه إلا بالانغلاق على الذات، والعودة إلى الماضي القدسي، الذي يستحيل هنا إلى قبلة سرمدية تتبعثر معها أبعاد الزمن وتضطرب ديناميكية الحركة التاريخية. وارتبط أخيراً بأقنوم المؤامرة الغربية، حيث العالم المسيحي! يحتل من العالم الإسلامي ذلك الموقف الذي احتله الشيطان من الإنسان في عقيدة الخلق التوحيدية، وهو الموقف الذي يُختزل في آليتي الإغواء والإفساد الدائمين. وهكذا تمثل النزعة الجهادية، باعتبارها ذلك السلوك الاحتجاجي العنيف، الملتحف بالقداسة، بمثابة آلية الرد «الجهنمية» على الأقانيم الثلاثة الأولى، فجميعها تقود إليه؛ فيما يقود هو إلى تأميم حياة المسلم المعاصر، وسد الطريق على حركة الإسلام في العصر.

* كاتب مصري.