لغات جنوب الجزيرة العربية الحديثة جانيت سي. إي. واتسون

تراث
ترجمة: علي عفيفي علي غازي* |

تم تجميع روايات عن الرحلات من ظفار إلى مكة المكرمة في عصر ما قبل اختراع الآلات كجزء من مشروع أكبر يشمل توثيق اللغات الحديثة لسكان جنوب الجزيرة العربية، ضمن مشروع مدته ثلاث سنوات، تم تمويله من قبل ليفرهولم Leverhulme، وآخر يشمل جانيت واتسون Janet Watson وميرندا موريس Miranda Morris ودومينيك إياديس Domenyk Eades كمراقبين. للغة المهرية، التي هي إحدى ست لغات حديثة لسكان جنوب الجزيرة العربية، يتحدثها الآن عدد قليل من سكان جنوبي وشرقي اليمن، وغربي عمان، والجهات الطرفية من جنوبي المملكة العربية السعودية. هناك لغات حديثة أخرى لسكان جنوبي الجزيرة العربية هي السوقطرية Soqori، والبازاريBaari، والهوبيوت Hobyt، والحرسوسية arssi، والشيريط ert. اللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية تنتمي إلى الفرع الجنوبي من عائلة اللغات السامية، التي تشمل أيضًا السامية الأثيوبية، والتي تحمل العديد من خصائص اللغة السامية الأثيوبية. فالفرع الجنوبي للغة السامية، يتميز عن الفرع الأوسط للغة السامية، الذي يشمل أيضًا اللغة العربية والآرامية والعبرية.


في الأزمنة الحديثة نشأ عن انتشار اللغة العربية بسبب التحولات السريعة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هجران التعامل باللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية بوتيرة متسارعة، وبناء عليه أصبحت اللغات الحديثة لسكان جنوب الجزيرة العربية مهددة بخطر الانقراض بدرجات متفاوتة، فاللغة السوقطرية يتحدثها حوالى 50 ألف شخص، واللغة الشيريط، التي تعرف كذلك باللغة الجبلية، التي يتحدث بها سكان إقليم ظفار العماني، يبلغ عدد مستخدميها حوالى 10 آلاف شخص، واللغة الحرسوسية، التي يتحدث بها الحراسيس سكان منطقة جيدات Jiddat في عمان، واللغة الهوبيوت، التي يتحدث بها سكان مناطق أقصى شرقي اليمن، وأقصى غربي عمان، وكل منطقة بها حوالى 1000 متحدث، واللغة البطرية Baari يتحدث بها سكان منطقة ساحلية صغيرة شرقي ظفار، ولا يزيد عدد المتحدثين بها عن 100 متحدث، واللغة المهرية شائعة في عمان واليمن وجنوب المملكة العربية السعودية، يتحدث بها أكبر عدد من الناس، ويقدر بحوالى 100 ألف شخص، وذلك على رغم صعوبة تقدير العدد الحقيقي لأسباب عدة، منها:

أولاً: يوجد المتحدثون بها في ثلاث مناطق حدودية.

ثانيًا: العديد من أفراد منطقة المهرة لم يعودوا يتحدثون بها، وخاصة بمناطق المهرة غربي اليمن.

ثالثًا: بينما لا يزال أفراد منطقة المهرة الصغار يتحدثون اللغة المهرية، فإنهم يفتقرون إلى الدراية التامة بكافة معاني الكلمات الأساسية في مختلف المجالات. وفي الوقت الحاضر أصبح كافة المتحدثين باللغات الحديثة لجنوبي الجزيرة العربية يتحدثون العربية.

لغويًا تتميز اللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية بإبقائها على طريقة النطق السامية القديمة والخائص النحوية التي قد اندثرت في اللغات السامية الأخرى. والتجديدات التي لم يتم توثيقها في فروع اللغات السامية الأخرى. أكد بحث تم إجراؤه أخيرًا عن آلية عمل الحروف الساكنة باللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية، أن اللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية هي التي تشهد تطورًا بالمقارنة مع اللغات السامية الأثيوبية واللغات السامية الأساسية العربية والعبرية.

اللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية هي فقط اللغات السامية الدارجة، التي باستطاعتها المحافظة على الأصوات الثلاثة الواضحة للغات السامية الأولى، فمثلا s /š (تنطق «ش» بالإنكليزية) ومشابهة في النطق لكلمة «ويلش Welsh». ولبيان ازدواجية الضمائر، وتصريف الأفعال، فمثلا في اللغة المهرية العمانية، كلمة «أكاي akay» تعني أنا وشخص آخر، وكلمة «أتاي atay»، تعني أنت وشخص آخر، وكلمة «هاي hay «s» تعمي هو وشخص آخر، في مقابل كلمة «هه hh» بمعنى أنا، وكلمة «هت ht»، بمعنى أنت (مفرد)، وكلمة «هه hh» بمعنى هو، وكلمة «سه sh» بمعنى هي.

اتضح من بحث تم اجراؤه أخيرًا عن النفي أن اللغة السوقطرية، هي اللغة الأكثر محافظة بين اللغات الحديثة لجنوبي الجزيرة العربية، وأن لهجات منطقة المهرة وغيرها من اللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية تشتمل على تحسينات بدرجات متفاوتة، وقد تبين أن مفردات اللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية لها علاقة باللغات السامية الأثيوبية، واللهجات العربية المحافظة للغاية، والمستخدمة في مناطق اليمن الشمالية، وجنوب غرب السعودية، وهو دلالة على وجود هجرات سكانية قديماً، واتصالات وتبادلات ثقافية، لذا فإن التوثيق والوصف التزامني والتاريخي للغات الحديثة لسكان جنوب الجزيرة العربية قد اكتسب أهمية كبرى في مساعي تفهم التطور التاريخي لمجموعة اللغات السامية كلها، وتفهم الاتصالات بين السكان. فإلى جانب أهميتها للغات السامية، فإن توثيق اللغات الحديثة بتوثيق الأعراف الثقافية والممارسات الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت في التراجع لدى المتحدثين بها.

لا تقتصر أهمية التوثيق للغات على اللغويين، وعلماء الأجناس البشرية، والمؤرخين، بل أيضًا لدى مجتمعات المتحدثين باللغات الحديثة لسكان جنوبي الجزيرة العربية، والذين يأملون في توثيق إرثهم وتقاليدهم في عالم أصبح سريع التحولات، تتمثل إحدى أهم خصائص الثقافات التقليدية، التي هي الآن في طريقها للزوال، في اسهامها في تدوين الرحلات في حقبة ما قبل اختراع الآلات والأسفار البحرية، والتواصل والتنقل بصفة عامة.

* صحافي وأكاديمي مصري.