هدى الدغفق تنشر الوعي شعرياً لتحرير المرأة من سطوة الذكورة

صورة تعبيرية.
فيصل خرتش |

تعبّر في شعرها عن المرأة السعودية، تعيش معها، وتنبثق منها، هكذا هي هدى الدغفق دائماً، تريد أن تطير إلى عالم جديد يخلو من الرجال الذين يكتمون على حريتها ويغتالون بريقها بجهلهم وعقليتهم تلك التي تعود بهم إلى مئات السنين.


تتناول النظام الأبوي (البطريركي) الذي يهيمن على المرأة ويفقدها الإحساس بأنوثتها، فهي تقوم بأعمال البيت، وتربي أطفالها، وتعدهم ليكونوا مستقبل البلد. وتهتم بالرجل، ثم يأتي ليهينها ويضربها، إنه كائن معطوب، ليس له قدرة سوى على امرأته القريبة منه، إنها تخاطب الأنثى التي بداخلها، وكلّ أنثى، بأنها سوف تموت قهراً وكمداً، والرجل سوف يهرب إلى غيرها. تقول الشاعرة في إحدى قصائدها: ستذبلين/لا يحنو عليكِ/سوى أرضٍ/تلملمك حفرتها/السوداء.

أي مصير ينتظر المرأة ؟ وأي بشر نحن الذين لم نعرف كيف نتعامل مع المرأة؟

إنّ الشاعرة تتناول جدلية العلاقة بين الرجل والمرأة، فالرجل ظالم لها، يأمر فيطاع وعليها أن تلبي طلباته، وإلا سيكون الضرب والإهانة، وهذا يعود إلى جهل التربية التي تلقاها الرجل في حياته، وبين أسرته، ومن خلال زملائه الذين يعيش معهم، إنها تنتقد الواقع، وما فيه من صور مأسوية معاشة، وتنتقد التقاليد الاجتماعية البالية.

مسكونة بالألم على بنات جنسها، وهي عندما اختارت أن تعبّر عنهن، فقد كان يؤلمها أن ترى المرأة ظلاً للرجل، تمشي خلفه، وتعيش على الهامش، ويفعل بها ما يشاء، ثم يهملها عندما يتخطاها الزمن، ويبحث عن غيرها.

إنها في شعرها تعتمد على الكلمة الموجزة التي تذهب بها إلى الجملة الشعرية المكثفة والتي تريد أن تقول كلّ شيء فيها، تريد أن تصرخ، ولكن شيئاً ما يمنعها، فتضبط نفسها، وثمة أنين بحجم هذا الوطن، يطلب منها أن تبقى ساكنة ومتوجعة.

إنّ قصيدة هدى الدغفق تعتمد على الصورة الشعرية التي تأتي إليها عفو الخاطر، ولكن هذه الصورة تراكمت عبر سنين من القهر والكبت الموجع، حتى تفجّرت على هذا الشكل، وهي تعتمد على القصيدة الشفوية التي تفجر الذات، إنها تبحث عن حلم ضائع يتلاشى ويذوب في وجدانها، تراكم الصورة على الصورة كي يتبدد هذا الظلام الذي تعيشه، وتنفجر القصيدة في لحظة تتسع وتتمدّد، ثم تصغر وتصغر لتشكل هذه الصورة التي تتألق على مساحة الورقة البيضاء، تصوّر لو أنها لا تكتب القصيدة الشفوية لكانت في عداد الذين ذهبت بهم الحياة بعيداً إلى عالم منكفئ على نفسه وعليها.

يكمن دور الشاعرة المثقفة، وأمثالها، في نشر الوعي، وذلك لتحرر المرأة من سطوة الذكورة، التي تتمثل بالرجل الشرقي الموغل في تخلفه، والذي يحاصرها ويؤنبها على الشاردة والواردة، وهي تنوس بين الرضوخ والسلبية، إنها متروكة لحزنها ووجعها، تحكيه لليالي وللقمر البعيد. كما تتميّز الصورة لديها بالتراكم والإيجاز، وقد بنيت على الحدث الدرامي والنمطية وأنسنة الأشياء، فهي تخاطب الموجودات، وتجعل من روحها ينابيع أشجار وبساتين، وخضاراً، تقول:

كيف أهب شجرة روحي

نهراً

وعاطفتي بستاناً

تفرعت على أغصان

دهشتي

إنها تكتب سيرتها وتقصّ على وحدتها الملفعة بالحزن، وتشبه نفسها بالطيور كي تتخلص من القيود الموضوعة حولها، وهي تريد أن تتحرّر، وتنطلق إلى سماوات بعيدة، تغني فيها وتبتهج وتفرح مع الصغار، تأخذهم إلى مكان مجهول، ولكنها تعرفه جيداً فلا مكان للرجال المتعصبين فيه، إنّه بستان، وخضاره يشفي دهشتها:

أكتب سيرتي لأحرّر ذاتي من أقفاصها

إنّها تحزن، وتذهب بحزنها إلى آخر المدى، وتتوجع على بنات جنسها اللواتي وضعن السواد على أنفسهن، وجلسن يخيطن أوراق العمر، والبحر يقول لها هذه دموعي لكِ، فلا تخجلي وبوحي بشعرك الجميل:

تتهلهل القصائد كالأماني، كالريش، لكنها/ باكية كالبحر

لا شيء يعتني بها سوى أحزانها المعتقة، وهي تبكي مع القمر، إنها لا تعرف سوى سواد الليل، ينوح بها، وهي تنتظر الفجر أن يمرّ عليها.

وها هي تكتب تناقضاتها على الورق الأبيض كالحليب، إنها تتمرغ في رغوته، فتشعر ببهجته، وترشفه، وتريد أن تسقي قلمها من بياضه، كي يصفو في المدى الأبيض يبقى هكذا لا يسود أبداً.

إنها تدهشنا بنصوصها، وهي إذ تؤكد على تميزها بإبداعها الشعري، تكون واقفة على مفترق طرق، بين أن تكون أو لا تكون، لكنها قرّرت في هذه المرة أن تكون وأن تحلّق بشعرها إلى الأعلى، إنه الفرح، والبهجة، لقد اكتوت بنار الحزن، وها هي الآن تمطر السماء بالقصيدة.

هدى الدغفق: شاعرة وكاتبة سعودية، وُلِدت في 28-10-1969، وحصلت على بكالوريوس لغة عربية، وعملت في الصحافة السعودية منذ 1987، لها : اشق البرقع أرى. ريشة لا تطير. لهفة جديدة. الظل إلى أعلى. وفلسفة المستقبل (حوارات)، وترجمت بعض أعمالها إلى لغات متعددة.

*كاتب وروائي سوري